حين تمكر الثورة
 

رئيس التحرير - صلاح الدكاك

إلى روح الشهيد البطل (أبو حرب) حسن الملصي: من فوهة بندقيتك نعبر إلى النصر وبها نمهر سلام الرجال.

لا تزال قوى ثورة الـ21 من أيلول قادرة على الإمساك بزمام اللحظة التاريخية اليمنية، بعد أن اعتقد المتربصون في الداخل والخارج ومديرهم التنفيذي الأمريكي، أنه قد أفلت من يدها كلياً، وأن ثمة فرصة سانحة ومواتية لإعادة تنصيب بيادق الوصاية والعمالة على أنقاض منازل اليمنيين المهدمة وحطام أضلاعهم المهروسة بقنابل وصواريخ تحالف العدوان الكوني على اليمن.
عقب ثورة 21 أيلول أفسحت القيادة الثورية الطليعية متسعاً كريماً للشراكة مع المكونات السياسية الأخرى في اليمن، على ناظم الثوابت الوطنية الجامعة واستقلال القرار وصيانة سيادة التراب، فنكثت هذه المكونات بكل عهد، واندفعت تجأر إلى مديرها التنفيذي طلباً لنجدته، واستيقنت أن عودتها إلى سدة الحكم على متن طائراته وبارجاته الحربية، أمر حتمي، وفي غضون أسابيع، فأجهضت ملحمة الصمود الوطني الثوري اليمني آمالها، وأصابت حساباتها في مقتل.
ولأن الشراكة بالنسبة للقيادة الثورية مبدأ لا تكتيك، فقد تجاوزت ملفات الماضي، وتسامت على الجراح، ومدت يدها بكرم للتحالف مع المؤتمر الشعبي العام على ناظم الثوابت الآنفة ومذبح مواجهة العدوان، مصوِّبة بصرها وجوارحها صوب مستقبل يليق بشعبنا اليمني العظيم قدراً ووزناً وحضوراً ودوراً ووجوداً فارقاً، على أن الرواسب والتناقضات والهواجس الماضوية التي تغل بنية المؤتمر وتثخنها، تجعل هذا الحزب الحاكم سابقاً، عاجزاً عن استشراف المستقبل بغير عوينات العم سام الأمريكي، سواءٌ في مقاربته لحوافز العدوان بدءاً، أو في مقاربته لممكنات إنهائه، وفي الحالين فإنه يجد نفسه - بالقصور الذاتي لبنيته الكمبرادورية ـ آيلاً للانفتاح على أية صِيَغ أمريكية تمنحه دوراً بعد نفوق الحاجة إليه ـ وتحديداً إلى رئيسه ـ في 2011.
كانت المعادلة على هذا النحو: إذا كان التحالف الأمريكي السعودي قد تذرع بدايةً بـ(شرعية هادي) في شن عدوانه على اليمن، وأخفق في تحقيق غاياته طيلة عامين ونصف العام، فلا بأس من أن يتذرع بـ(مؤتمر صالح) ليختم عدوانه العاثر بما يحقق الغايات المرجوة منه سلفاً، عبر مناورة داخلية بغطاء شعبي تقلب ظهر المجن للقوى الثورية، مستغلة رصيد حضور اكتسبه المؤتمر من معارضته للعدوان، ومن ثم تزنزن حركة أنصار الله في زاوية حرجة بلا حيلة أمام شارع افتراضي يصرخ في وجهها (آن الأوان بأن نرتاح! ونتقاضى رواتبنا! ونضمد جراحاتنا ونتصالح!..).
عند هذا المنعطف، وفي غمرة الترتيبات للشروع في المناورة المتاجرة بالدم والأشلاء وشرف اللحظة التاريخية والأثمان الباهظة للصمود اليمني الملحمي، تجلَّى سيد الثورة لأوكار النفاق والغيلة والخديعة، فجعلها دكاً، واضعاً الموازين القسط التي أعادت فرز المشهد الملتبس ليعود إليه جلاؤه، ومكرت القوى الثورية مكرها، فدحضت كل مكر، وبرهنت باقتدار على أن للثورة أبحراً سبعة لا تنفد دفقاً واختلاجاً ومدداً، فبهت الذي كفر بها وجحدها وراهن على نضوبها وادعى أن له أنفساً سبعة لا تموت.
وعلى النقيض من حسابات مطابخ العدوان والمتربصين، ازدادت القوى الوطنية الشريفة زخماً بمعين الشارع المؤتمري الصافي، ودلقت آسن مائه وأكداره في وجه المتآمرين، وتكشفت اللحظة التاريخية التي قدَّر لها العدو أن تكون مقتلاً للصف الوطني لا قائمة بعده، عن فيض التحام والتئام ولحمة وصمود، وقوافل دماء وبارود في خنادق المواجهة حتى النصر. 
ربما تسكن الثورة الحقة، لكنها لا تخمد ولا تذوي..
تلك الحقيقة الفاجعة التي أيقنها العدو في 24 أغسطس، وترتيباً عليها فإنه لا جدوى من محاولات كبح جماح قطار الثورة عند محطة تسووية تضع طوق الوصاية على عنق شعبنا الصامد المجاهد البطل..
إن حتمية التاريخ أكبر من قدرة الأمريكان وأدواتهم الملوثة على استفراغ مكنوناتها في مصارف الأحلام والطموحات الشعبية الخائبة، وإعادة تدوير نفايات زمن الوصاية والخنوع للاستخدام الأمريكي مجدداً، على حساب شعب باتت كلمته هي العليا، لأنها كلمة الله الذي وعده بالنصر على طريق مقارعة الجبابرة والطواغيت والمستكبرين.

أترك تعليقاً

التعليقات