الإمام يحيى ووحدة العرب
 

محمد ناجي أحمد

تجسد رسائل الإمام يحيى ومنشوراته إلى دعاة الإصلاح وطلائع القومية العربية، تمسكه وإيمانه بوحدة العرب والمسلمين. 
في منشور له وجهه إلى المنتدى الأدبي بباريس، استجابة لرسالة وصلته منهم، وكانوا قد اختاروا التواصل معه ليكون قائداً من قادة الوحدة العربية، والعاملين لها، عبر عن دعوته للعرب بأن يتحدوا في إطار دولة اتحادية، إلخ. وقد نشرت جريدة (المؤيد) المصرية، وكذلك منشورات المنتدى الأدبي بباريس، هذا المقال. 
كان قادة طلائع القومية العربية بباريس، وعلى رأسهم عبد الكريم الخليل والزهراني، من بدأ بالتواصل مع الإمام يحيى عام 1911م، فكانت استجابة الإمام لدعوتهم في ذلك التاريخ الذي مثَّل العمل التنظيمي للاستقلال عن تركيا. فلقد تعصب قادة تركيا الفتاة والاتحاد والترقي، وعلى رأسهم طلعت وجمال وأنور، وكان موقفهم من العرب فيه من العنصرية والنكوص عن الوعود الشيء الكثير، الذي انعكس على قراراتهم وسياسة التتريك التي اتبعوها. وحين قامت الحرب العالمية الأولى قام جمال باشا بشنق طلائع القومية العربية في سوريا، وفيهم رئيس المنتدى الأدبي بباريس و(العربية الفتاة) عبد الكريم الخليل، والزهراني وغيرهما. 
لقد كان البعد الديني حاضراً في صياغة رسائل ومنشورات الإمام يحيى، وهذا طبيعي، فكل رجالات الإصلاح كانوا يدعون إلى وحدة العرب، باحثين عن رموز دينية كي تتبنى مشروع الوحدة العربية، فكان سعيهم مع الشريف حسين، ومع الملك عبد العزيز بن سعود. 
فالدعوة إلى وحدة العرب بلغة دينية تعبر عن وجدان الناس، وتعلقهم بعقيدتهم، كونها العنصر الأساسي في مشاعر وأحاسيس  العرب. 
وتعكس مراسلات الإمام يحيى مع صاحب مجلة (المنار) محمد رشيد رضا، ومع شكيب أرسلان، وغيرهما من المصلحين أن قضية توحيد الأمة تمثل أحد الهموم الجهادية في تفكيره وسعيه وآماله. 
في 1341هجرية الموافق 1923م، وصل إلى الإمام يحيى حميد الدين الشيخ كامل القصاب، ورفيقه (حياتي بك)، وهما من جمعية (العربية الفتاة)، مرسلين منها إلى الإمام من أجل جمع شمل العرب، وتوطيد العلاقة بين الإمام والملك عبد العزيز بن سعود. فكان رد الإمام أن الوفاق مرغوب، ولكن ذلك متعسر قبل أن يتم الإنصاف الموعود به من عبد العزيز بن سعود في شأن مذبحة (تنومة وسدوان). 
وفي تلك المقابلة طلب (القصاب) ورفيقه (حياتي بك) من الإمام أن يكتب لهما كتباً إلى جميع شُعَب الجمعية العربية، فحرر لهما ما أرادا (سيرة الإمام يحيى حميد الدين -عبد الكريم أحمد المطهر - ص 446). 
وقد نشر الإمام في هذا التاريخ (منشوراً بليغاً، يدعو به المسلمين إلى نبذ التفريق، وجمع الكلمة، والاعتصام بالكتاب والسنة، والتمسك بالعترة النبوية، وترك الشقاق، والاختلاف. فكان له الأثر الطيب، وقد نشرته صحف مصر، وسوريا والعراق، حتى إن بعض جرائد الإفرنج نقلته إلى لغتها، ونشرته في ديارها) [بلوغ المرام في شرح مسك الختام -حسين بن أحمد العرشي - ص94، واستكمل حوادثه أنستاس ماري الكرملي]. 
وبتزامن مع تجاوب الإمام يحيى لكل عمل يوحد الأمة في دولة اتحادية، كان يتعامل مع كل وسائل الاستعمار للنفاذ والتسلل إلى اليمن بحجة التجارة، وبناء سكك حديدية وقطارات ومصانع، بحذر شديد وتنبه لكل وسائلهم الاستعمارية، فهو يعي أن كل سكة قطار تعني تسهيل نقل جنود وعتاد المستعمرين، واستلاب ثروات الأمم. 
حين زاره (جيكب) أو جيكوب عام 1923م، اقترح عليه إقامة سكك حديدية، واستخراج المعادن، ونحو ذلك، بالاتفاق مع شركة بريطانية اتخذوا لها اسم (الشركة الزيدية)، فما كان من الإمام يحيى إلاّ أن رفض أي عمل للشركة حتى يتم الاتفاق مع الإنجليز بخصوص إنهاء احتلالهم لعدن والمحميات. 
فنشوء الشركة مقدمة وذريعة يتخذها الاستعمار البريطاني لاحتلال البلدان اقتصادياً وعسكرياً وثقافياً، كما فعلوا مع الهند حين بدأوا هناك بشركة الهند، وشكلوا فرقة من الجند في المناطق الشيعية أطلقوا عليها اسم (الفرقة الجعفرية) لإرضاء شيعة الهند، وفرقة أخرى سميت (الفرقة العمرية) لإرضاء السنة، وكل ذلك من أجل الوصول إلى مآربهم الاستعمارية في الهند [سيرة الإمام يحيى حميد الدين -عبد الكريم أحمد المطهر ـ ص448]. 
وقد كان جيكوب قبل هذا التاريخ معتمداً بريطانياً في عدن، ثم مستشاراً لمستعمرات بريطانيا في مصر وغيرها، ثم عمل بالتجارة!

أترك تعليقاً

التعليقات