الصحافة والسلطة (1)
 

طاهر علوان

طاهر علوان الزريقي / لا ميديا

أزمة الصحافة العربية واختناقاتها، ووضعها المحزن هو انعكاس لوضع الأنظمة العربية القمعية الاستبدادية، وتستمد الصحافة ضعفها وهزالها من تلك الأنظمة الاستبدادية المنقرضة الرافضة لحرية الصحافة ولوجودها أصلاً، وتصوروا عالماً بدون صحافة وإعلام، كارثة إنسانية حقيقية، وجهل مركب، وضياع، وتخبط بدون قرار. 
الصحافة في وطننا العربي يتيمة دون سند أو رعاية لشحة وانقطاع الدعم المالي أساس العمل الصحفي، وكل الجهود الجبارة والخبرات التي تحقق الغاية المنشودة وازدهار الصحافة ونشر الوعي، تقف ضدها السلطات، والعجز المالي، والوضع العربي المتأزم والمصاب بالكساح العلمي والتناقضات والنوبات القاتلة بالمرصاد، أنظمة متخلفة غير قادرة على الصمود أمام المتغيرات والعولمة الباسطة قوانينها وسلطاتها على كل شيء، أنظمة رجعية شبه منقرضة تخضع لسلطات وقوانين خشبية بحكم التقاليد أو بحكم أيديولوجية شبه عسكرية لا تكاد أمواج الحداثة تلامسها إلا عند نقاط التماس مع المصالح العالمية للدول الكبرى ونهمها إلى مصادر الثروة والنفوذ والاستغلال.
وحتى لا نغوص في الأسباب والذرائع، ونغرق في حملة الاتهامات، نقول ونؤكد أن عالمنا العربي بحاجة ماسة إلى قيام مجتمعات وجمعيات ومؤسسات علمية بالمعنى المؤسساتي الصرف، لتسيير شؤون المجتمع وكل ما يتعلق بالفكر والثقافة وحرية التعبير، والاهتمام الخاص بالصحافة عمود الفكر والرأي والتنوير، وخلق الوعي المرتبط بمصالح الشعوب وحريتها والدفاع عنها، وليس الاهتمام فقط -كما هو حاصل- بالمشاريع التجارية الآنية والاستهلاكية، والتي تقضي عليها تقلبات الأمزجة وامتلاء الجيوب وانتفاخ البطون.
نحن في أمس الحاجة إلى مؤسسات تعتمد على قواعد علمية راسخة وديمقراطية، يحكمها أكثرية لا أقلية، وتعتمد أيضاً على مساهمات الراغبين في تدعيم تلك الديمقراطية ونشر المعرفة، من الطامحين إلى نشر الوعي الإنساني الوطني، وليس الطامحين إلى المجد والثروة والشهرة والتبعية، وأيضاً إلى المشاركة الحقيقية للجماهير عبر المنظمات النقابية المستقلة، ولم يعد أحد يمكنه التهوين من ذلك في صنع المجتمع المدني الديمقراطي، بحيث تتم ممارسة الديمقراطية الحقيقية وتبلور أهم قيمها في المشاركة واتخاذ القرارات السيادية وتطبيق القانون واحترام حقوق المواطن والتعدديات الحزبية. تلك هي الأسس والشروط التي تحفظ للأمة كرامتها وسيادتها وسعادتها وتآلفها وتماسكها الاجتماعي، وأيضاً مكانتها بين الأمم وثقلها في الموازين الدولية، بحيث لا يمكن ولا يسهل الاستخفاف بها وتجاهلها على نحو ما يحصل اليوم، حيث تتقرر مصائر الشعوب العربية من فوق رأس الجميع، من قبل السلطات الرجعية ودوائر صنع القرار فيها، هذه الدوائر لا تتخذ القرارات، ولكن القرارات تتخذها، ويصبح التدخل في صميم الشؤون الداخلية والتوجهات الخارجية أمراً لا غضاضة فيه أو اعتراض هامشي لتطييب الخاطر، وذلك هو السبب الرئيسي والمعضلة الحقيقية في حالة الانحطاط التي أصابت الأمة العربية والفكر السياسي العربي وتدني الصحافة وانجرارها وتبعياتها للأنظمة المتواطئة والفاسدة والتابعة للإرادة الخارجية الاستعمارية، الأمر الذي أدى إلى تآكل المواقف والعجز عن الارتفاع إلى مستوى الأحداث والمسؤولية الوطنية بصدق وأمانة أمام التحديات المصيرية الداخلية والخارجية، والدفاع عن حقوق الجماهير المغلوبة على أمرها والمستضعفة ضد أنظمة قمعية استبدادية وما تخزنه من أشكال الفساد وقلة الكفاءة والاستئثار بالسلطة القادرة على طمس الحقائق والحقوق المدنية والسياسية، والتعالي على المساءلة والحساب والمشورة، وهو ما انعكس بدوره على مجمل القضايا الوطنية والاجتماعية.


أترك تعليقاً

التعليقات