تحقيق: بشرى الغيلي / لا ميديا -
عقودٌ طويلة ظل فيها المغترب اليمني شريان الحياة الأهم لبلده، والقلب النابض بـ»الفزعة» عند كل ملمة.. لكن هذا الشريان بـــدأ بالجفاف الملحوظ مؤخراً، تاركاً خلفه تساؤلات مريرة: هل قست قلوب المغتربين وتخلوا عن أهلهم وأسرهم؟ أم أن ثمة فخاخاً استنــــزفت أرواحهم وجيوبهم معاً؟
في هذا التقرير لصحيفة (لا) ناقشنا مع مغتربين خارج الوطن، ومختصين تراجع المساعدات الإغاثية الفردية، وعبر شهادات حية من قارات مختلفة وقراءات لخبراء، نكشف الوجه المظلم لتجارة الأوجاع.

بشاعة الاستغلال
«ليس قهراً على المال، بل على بشاعة الاستغلال»، بهذه الكلمات يلخص المغترب عبدالرحمن الزوقري، الذي يعمل 14 ساعة يومياً في نيويورك، تجربته المريرة مع فخاخ الاحتيال الإنساني.. بدأت القصة بتعاطفه مع مناشدة مبكية لإنقاذ طفل يحتاج لعملية قلب عاجلة، فبادر بتحويل 500 دولار اقتطعها من عرق غربته، لكن الصدمة تجلت بعد ستة أشهر، حين تفاجأ بالصورة ذاتها تُستخدم باسم طفل آخر لجمع أموال في مجموعة أخرى.. تلك الحادثة كانت كفيلة بقتل ثقته العشوائية، ليتخذ قراراً قاطعاً بإغلاق باب التبرعات غير الموثوقة إلى الأبد، مسلطاً الضوء على تجارة الوهم التي تقتات على إنسانية الآخرين.

اغتيال المروءة
تحت وطأة رسوم الإقامة وغلاء المعيشة في الرياض، يكافح المغترب طارق المريسي لتأمين متطلبات الحياة. رغم ذلك، تفاعل مع نداء «فزعة» لإنقاذ شاب قيل إنه يقبع في سجن بإب تحت وطأة دين يكسر الظهر. اقتطع طارق ورفاقه آلاف الريالات وحولوها عبر وسيط محلي. لكن الصفعة جاءت مدوية حين اكتشفوا لاحقاً أن الشاب نال حريته قبل أن تبدأ الحملة أصلاً. يلخص المريسي خيبته بحرقة: «هذه العصابات لم تكتفِ بنهب عرقنا، بل اغتالت المروءة في أعماقنا.. لقد أوصلونا إلى مرحلة قاسية، بتنا فيها نرى المحتاج ولا نقوى على تصديقه».

بئر الوهم
«نحن لسنا بنوكاً مفتوحة، نحن نُطحن لنجني هذا المال»، بهذه العبارة الموجعة، يختزل مروان الحمادي، المغترب في برلين، معاناته المزدوجة.. قاده واجبه الإنساني للمشاركة بمبلغ كبير لحفر بئر مياه لقرية يمنية. عاش نشوة العطاء وهو يتأمل صور الإنجاز، لكن الحقيقة تكشفت بمرارة حين أثبت أحد أصدقائه، عبر تقنية «البحث العكسي»، أن الصور مسروقة من مشروع قديم ومعدلة! هذا الاحتيال المنظم لم يسرق عرق مروان فحسب، بل وأد ثقته تماماً ودفعه للإحجام القطعي عن أي مناشدات إلكترونية.

النصابون!
«الاحتيال هنا لا يحتاج إلى اختراقات تقنية معقدة، بل إلى براعة في التلاعب بالمشاعر»، هكذا يفكك خبير الأمن السيبراني، المهندس وليد المصباحي، خوارزمية النصب. يوضح أن شبكات الاحتيال تعتمد كلياً على «الهندسة الاجتماعية»، عبر نبش الإنترنت لاستخراج صور لمرضى وتقارير طبية قديمة، ليُعاد تدويرها بأسماء وتواريخ مستحدثة. ولضمان التواري، تُشفط الأموال عبر محافظ إلكترونية يصعب تتبعها. ورغم ذلك، يحذر المصباحي من التعميم، مؤكداً أن «خلف ضجيج الاحتيال توجد حالات قهرية حقيقية تموت بصمت، وتنتظر يداً تمتد لها للنجاة».

مقصلة التشريعات
في قراءة تحليلية أعمق، يُخرج الخبير في التشريعات المالية الدكتور صالح معزّب، المغترب من قفص الاتهام، مؤكداً أن التراجع ليس جحوداً، بل ضريبة لواقع يطحن المغتربين بصمت. فبين التضخم العالمي والقيود الصارمة للبنوك الدولية، تحول التحويل الفردي إلى «عبء ومخاطرة».
ويوضح معزّب أن افتقار المغترب للحماية القانونية عند وقوعه ضحية للاحتيال الرقمي ضاعف من إحجامه. ويشدد على أن «الحل الجذري لا يكمن في تعميم الاتهام والتخلي عن الناس، بل في مأسسة التبرع وتأطيره عبر قنوات موثوقة».

عقلنة «الفزعة»
ينقل المغترب محمد محسن الحجاجي في قطر النقاش نحو الحلول العملية لإنقاذ «الفزعة».. ويضع خارطة طريق تعتمد على ثلاث ركائز، هي: «مقاطعة المناشدات العشوائية وحصر الدعم عبر مؤسسات رسمية، وإحياء العرف والتكافل القبلي بالاعتماد على الوجاهات وعقال الحارات لرصد الاحتياج الفعلي، وأخيراً بتر حلقة الوسطاء في الحالات الطبية والدفع المباشر لحسابات المستشفيات».
ويختزل الحجاجي رؤيته بالقول: «الفزعة قيمة تاريخية بدمائنا ولن يقتلها الاحتيال، لكن لكي تستمر يجب أن نعقلها ونتوكل».

تجارة الأوجاع
يكشف أحمد الشميري، وسيط إغاثي سابق بتعز، أن انسحابه جاء فراراً من «تجارة الأوجاع» وصعود لوردات الإغاثة؛ وهم وسطاء ومشاهير بدأوا بملابس رثة وانتهوا بثراء فاحش وعقارات من أموال التبرعات. ويوضح أن فضائح الاستغلال التي أسقطت بعض المشاهير، والتشكيك الذي طال البرامج التلفزيونية الكبرى، حوّل العمل الخيري إلى «شبهة» طردت الشرفاء.
ويختم بمرارة: «المغترب اليوم معذور ومظلوم؛ أرسل ماله لإنقاذ الجوعى، فتفاجأ بأنه يصنع أثرياء جدداً يقتاتون على دماء الفقراء».

تخمة الجمعيات
يضع عمار محمد يده على خلل بنيوي، مشيراً إلى أن التكاثر العشوائي للجمعيات الخيرية خلق منافسة شرسة على «جمع الأموال» بدلاً من «الوصول للمستحقين».
ويوضح أن الكثير من المحتاجين سقطوا من الحسابات بسبب ما أسماه «شفط المعونات»، حيث ابتلع بند «العاملين عليها» نحو 90٪ من التبرعات، تاركاً الفتات للفقراء.
ولإنقاذ القطاع، يطالب عمار بضرورة تقنين العمل الإنساني وتوحيده في قنوات رسمية تخضع لشفافية صارمة لضمان عدالة العطاء.

«هوشلية» العمل الإنساني
بصرخة تحذيرية من قلب السوق، يضع التاجر توفيق المعمري يده على جرح «الفوضى»، منتقداً تحول العمل الإنساني إلى «هوشلية» يمارسها كل من يمتلك آلاف المتابعين.
ويفضح المعمري حجم العبث المالي المتمثل في «النثريات» والمصاريف الخفية التي تُستنزف شهرياً، مؤكداً أنها مبالغ مهولة «تكفي لبناء منازل لأسر معدمة».
ويطالب بإلزام العاملين في هذا الحقل بالتحول لـ»العمل المؤسسي الصارم» بسجلات شفافة ومحاسب قانوني لحماية أموال المانحين.

التكافل الصامت
«كمينٌ أبدي ومحكم»، هكذا يصف الناشط أبو القاسم الوشلي الواقع اليمني، مسلطاً الضوء على الانكسار الصامت للآباء.
ويهاجم الوشلي التبرير المجتمعي للتهرب من مساعدة الأقربين بحجة «الخوف من جرح كبريائهم»، معتبراً إياه عذراً سخيفاً، ويضع رهانه الأخير على تفعيل «التكافل الضيق» عبر تفقد الجيران والأصدقاء في الحارات، كبديل أخلاقي يحفظ الكرامات بعيداً عن عدسات من يصفهم بـ»المسوخ»، الذين يحملون كاميراتهم لتوثيق إهانات الناس.

القيود الصارمة
ويطرح محمد المحضار، المغترب في بريطانيا، بُعداً آخر يتمثل في القيود الصارمة التي تفرضها بعض الدول على جمع التبرعات وتحويلها.
يوضح أن طول أمد الأزمة لأكثر من عقد أصاب المغتربين بالاستنزاف. لكن الضربة القاضية للمبادرات الفردية تمثلت في تدخل السلطات ببريطانيا وأوروبا والخليج بفرض قوانين حازمة تُجرم الجمع العشوائي للأموال. ويؤكد أن هذه القيود، التي تضاعفت حدتها مؤخراً، شلت حركة المغترب تماماً ليجد نفسه مستنزفاً ومقيداً قانونياً.

سيف القوانين..
يزيح نصار الحدأ، المغترب في السعودية، الستار عن العائق الأبرز، مؤكداً أن الإحجام عن التبرع أصبح «واقعاً فرضته صرامة القوانين». ويوضح أن حصر العمل الخيري كلياً عبر منصات حكومية رسمية، وتجريم جمع الأموال خارجها، قد وجه ضربة قاضية للفزعات.
وأمام شبح المساءلة، يكشف الحدأ أن ما يرسله المغترب اليوم لليمن بات يتم بسرية تامة كتحويل شخصي، حيث يتوارى المتبرعون خلف الكتمان المطلق تجنباً لأي خطر قانوني.

نداء المنبر
ينطلق خطيب الجمعة عباد الخولاني من زاوية دينية ومجتمعية ليضع الدولة أمام مسؤوليتها المباشرة، ويطالب بتدخل حكومي عاجل، موجهاً رسالة لهيئة الزكاة وجهات الاختصاص بضرورة مراجعة آليات التوزيع وتجاوز الاعتماد التقليدي على «عقال الحارات».
ويشدد الخولاني على أهمية تشكيل لجان ميدانية لتقييم أوضاع الأسر بشفافية، واستهداف الفئات الأشد تضرراً كالعاطلين، والمستأجرين، وقاطني الدكاكين الصغيرة الذين تفتقر حيواتهم لأبسط المقومات كالثلاجة أو الغسالة.

آفة المحاصصة
يضع الأكاديمي الدكتور حمود المليكي يده على أخطر الآفات التي عصفت بالعمل الإغاثي، وهي «المحاصصة» والمحاباة الضيقة. ويفضح انحراف بعض القائمين على التوزيع بتوجيه الدعم وفقاً لـ»الولاء والانتماء»، لتُحرم الأسر الأشد فقراً بينما تحظى أسر مستورة بالدعم عبر «مُزكّي».
ويحذر المليكي من أن هذا الفرز يدمر قدسية العمل الإنساني محولاً إياه لأداة استقطاب.
ويختتم: «الجوع لا يحمل بطاقة حزبية، والعدالة تقتضي أن يكون معيار الصرف الأوحد هو الاحتياج الفعلي وليس الولاء».

المنصة الوطنية
يضع الخبير الاجتماعي محمد الشرفي «الحل الجذري» لإنقاذ العمل الإنساني، داعياً لإطلاق «منصة إلكترونية وطنية موحدة». ويوضح أن هذه الواجهة، متى ما خضعت لإشراف جهات الدولة، ستسحب البساط من «تجار الأزمات». ويؤكد أنها ستوفر للمغترب اليمني قناة آمنة ومحصنة قانونياً لوضع «فزعته» باطمئنان لتصل إلى الحالات الأشد فقراً والموثقة حكومياً؛ وهو ما يضمن حفظ كرامة المحتاج وإعادة بناء جسر الثقة.

تراجع الدعم والمبادرات الإنسانية للمغتربين (2025/2026)
سجلت التحويلات الشخصية المباشرة من المغتربين المخصصة (لإعالة الأهل والأقارب) تراجعاً ملحوظاً تراوح بين 20٪ و30٪ مطلع عام 2026 مقارنة بالعام السابق، ما أفقد آلاف الأسر مصدر دخلها الوحيد ودفعها لدائرة العوز.
وعلى الصعيد الإغاثي، انخفضت المساعدات الإنسانية والتبرعات التي كان يجمعها المغتربون لتمويل (المبادرات المجتمعية، وكفالة الأيتام، والمشاريع الخدمية في قراهم) بنسبة تفوق 40٪ بنهاية عام 2025، نتيجة تآكل مدخرات المغتربين وارتفاع تكاليف المعيشة والرسوم في دول الاغتراب.

الشؤون الإنسانية صنعاء
«أكدت تقارير قطاع التعاون الدولي بصنعاء (المجلس الأعلى للشؤون الإنسانية) أن تمويلات المغتربين للمبادرات الإغاثية تراجعت 40% عام 2025. وأوضحت أن الانحسار تسبب «بتوقف مئات المشاريع المجتمعية وكفالات الأيتام، وذلك بسبب ضعف مدخرات المغتربين والقيود الدولية المفروضة على التحويلات».
ما استعرضناه من شهادات وحقائق في هذا التقرير يكشف بوضوح أن تراجع مساهمات المغتربين ليس تخلياً عن وطنهم وأهلهم، بل هو نتاج طبيعي لتراكمات معقدة تبدأ بالاحتيال والتلاعب العاطفي والترندات المتعلقة بالاحتيال، وجشع الوسطاء وتسييس الإغاثة، ولا تنتهي عند القيود القانونية الدولية الصارمة.. لكن وأمام هذا المشهد المتشابك المليء بالخيبات والقيود.. هناك أسباب أخرى أكثر عمقاً وخفاءً أدت إلى هذا العزوف لم يتسع المجال لذكرها في هذا التقرير.