تقرير / لا ميديا -
شهد العالم، أمس الاثنين، تحولاً استراتيجياً هادراً؛ إذ أعلنت أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في بيان رسمي، للشعب الإيراني الشريف، الانتهاء من الصيغة النهائية لمذكرة التفاهم الخاصة بمفاوضات إنهاء الحرب (مفاوضات إسلام آباد) بين إيران وأمريكا، وذلك مساء 14 حزيران/ يونيو الحالي. وأكد البيان أن الجمهورية الإسلامية، في ظل قيادة قائدها الشهيد، واستناداً إلى قرار المجلس الأعلى، وبفضل الجهود الجهادية لمجاهدي الإسلام، استكملت تفوقها في مواجهة العدو الأمريكي الصهيوني، وتحت توجيهات قائد الثورة الإسلامية.
وبموجب هذا التفاهم، تنتهي الحرب والعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، كما يُرفع الحصار البحري المفروض على إيران فوراً وبشكل كامل، على أن يتم التوقيع الرسمي على المذكرة يوم الجمعة 19 حزيران/ يونيو في جنيف بسويسرا، بمشاركة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي.
وجاء هذا الموقف ليُثبت معادلة الردع السيادية؛ إذ أصدر مقر «خاتم الأنبياء» المركزي بياناً قاطعاً أكد فيه: «إن الشعب الإيراني المقاوم والشامخ وأبناءه البواسل في القوات المسلحة، وبفضل العناية الإلهية، وتحت قيادة القائد العام للقوات المسلحة، أثبتوا بقوة، من خلال فرض إرادتهم الصلبة على الأعداء الأمريكيين والصهاينة الجبناء، أنه ليس أمامهم سبيل سوى الإقرار بالهزيمة والاستلام أمام الشعب الناهض وجند الله تعالى».
وكشفت مصادر مطلعة لوكالة «تسنيم» الإيرانية أن التحديات بين الطرفين استمرت حتى الدقائق الأخيرة قبل الإعلان؛ إذ حاولت إدارة ترامب المناورة، إلا أن المقاومة الدبلوماسية الإيرانية فرضت تعديلات حاسمة في اللحظات الأخيرة تمثلت في حماية السيادة اللبنانية، وإضافة عبارة «ضمان سيادة واحترام وحدة الأراضي اللبنانية» إلى البند الأول، رغماً عن معارضة ترامب الابتدائية.
وفرض السيادة على مضيق هرمز، إذ تم إضافة عبارة «إدارة خدمات الملاحة البحرية في مضيق هرمز» من قِبل إيران وعُمان في البند الخامس، وهو ما يعني فرض رسوم خدمات بحرية على السفن العابرة تقبل بها واشنطن، على أن تبدأ إيران بتحصيلها بعد انقضاء مهلة 60 يوماً استثنائية، مجهضةً بذلك إصرار ترامب على فتح المضيق فوراً وقبل التوقيع المقرّر الجمعة.

طهران: واشنطن مسؤولة عن التزاماتها ولبنان ركيزة لا تنفصل
وفي إطار تثبيت مفاعيل هذا الانتصار الاستراتيجي، أكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن الولايات المتحدة تتحمل كامل المسؤولية في تنفيذ بنود التفاهم، مشيراً إلى أن الوقف الكامل للهجمات والاعتداءات التي يشنها كيان الاحتلال ضد لبنان يمثل خطوة أساسية لخفض التصعيد، وعاملاً جوهرياً لتعزيز الأمن الإقليمي. كما أعرب عن تقديره لمواقف الدول الوسيطة في دعم جهود التهدئة.
وقاد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، حراكا دبلوماسياً مكثفاً؛ إذ أجرى، أمس الاثنين، اتصالات هاتفية مع وزراء خارجية تركيا (هاكان فيدان)، والعراق (فؤاد حسين)، ومصر (بدر عبد العاطي)، بحث معهم خلالها مسار تنفيذ مذكرة التفاهم وتداعياتها الإقليمية وفق الإعلام الإيراني.
وأوضح عراقجي أن إيران تملك رؤية واقعية وثاقبة لإدارة المرحلة المقبلة، كاشفاً أن المفاوضات تنقسم إلى مرحلتين: الأولى تمثلت في التوقيع الإلكتروني لمذكرة المبادئ أمس، والثانية جولة مفاوضات تمتد لـ60 يوماً قابلة للتمديد لمناقشة الملف النووي ورفع العقوبات بشكل نهائي، مشدداً على عبارة جوهرية: «نحن نخطط لمسار المفاوضات وتنفيذ الاتفاق على أساس انعدام الثقة التام، بسبب إخلال أمريكا سابقاً بالتزاماتها ونكثها للعهود».
من جانبه، أوضح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أن مذكرة تفاهم إسلام آباد جاءت ثمرة للمقاومة الأسطورية التي أبداها الشعب والمدافعون عن الوطن على مدى 110 أيام، وموجهاً التحية لروح القائد الشهيد.
وأكد بقائي: «إن كلمة 'لبنان' وردت ثلاث مرات في مذكرة التفاهم، وإنهاء الحرب فيه جزء لا يتجزأ من تفاهم إنهاء الحرب الإقليمية. الأجيال القادمة سترى أن هذا العمل الإرهابي الصهيوني ضد لبنان قد خدم مصالح إيران ولبنان العليا، وأدى لمزيد من التماسك والقوة لجبهة المقاومة، وسنستخدم جميع الوسائل والإمكانات عند الضرورة لضمان تنفيذ التزامات الأطراف المتنازعة».

صدمة كبرى في «تل أبيب»
وفي مقابل الاقتدار الإيراني، سقطت الأوساط الصهيونية في مستنقع من الذهول والانكسار؛ إذ نقلت «القناة 13» الصهيونية عن مسؤول صهيوني رفيع قوله إن هذا الاتفاق يمثل «صدمة مروعة للمؤسسة السياسية والعسكرية في إسرائيل» على كافة المستويات القيادية، بدءاً من رئيس الحكومة وصولاً إلى رئيس «أركان الجيش»، مؤكداً أنه لا يوجد أحد في السلطة «الإسرائيلية» يعتقد بخلاف ذلك. وانبرى قادة أحزاب المعارضة يندبون الفشل الاستراتيجي لنتنياهو وحكومته، رابطين هذا الانكسار بملف الانتخابات المرتقبة هذا العام، ومظهرين في الوقت ذاته العقلية العدوانية ذاتها المتعطشة للحروب.
وعبّر رئيس حزب «المعسكر الوطني»، بيني غانتس، عن غضبه، واصفاً الاتفاق بـ»الفشل الاستراتيجي لإسرائيل، الذي سيقود إلى مرحلة من الصراع السياسي والعسكري والقانوني في السنوات المقبلة»، ومشدداً على رفض أي قيود تمس حرية تحرك «إسرائيل» في لبنان حد زعمه.
من جهته، صرح رئيس قائمة «بِياحد»، نفتالي بينيت، بأن الاتفاق تحوُّل خطير يعكس عجز الحكومة الحالية عن تحويل «بطولة الجبهة الداخلية» إلى إنجازات مستدامة، متوعداً بخطة «استخباراتية واقتصادية لتفتيت النظام الإيراني»، حد قوله.
وفي السياق، شن رئيس حزب «يَشار»، غادي آيزنكوت، هجوماً لاذعاً، معتبراً أن الكيان استيقظ على تفاهمات تبلورت بعيداً عنه وفوق رأس مصلحته الأمنية، ومشيراً إلى الهوة العميقة بين وعود نتنياهو الفارغة بـ»الانتصار المطلق» وبين الواقع المخيب للآمال.
ولم يتوقف النحيب الصهيوني عند هذا الحد؛ إذ أكد رئيس حزب «الديمقراطيين»، يائير غولان، أن «هذا الصباح هو الأشد سواداً على إسرائيل؛ لكون ترامب وقّع على اتفاق يضخ المليارات لنظام آيات الله ويترك البنية التحتية النووية والتهديد البالستي الإيراني كما هو»، واصفاً نتنياهو بـ»أبو الفشل الاستراتيجي الأكبر في تاريخ إسرائيل».
واختتم رئيس حزب «يسرائيل بيتينو»، أفيغدور ليبرمان، المشهد الصهيوني المأزوم بقوله: «مع هذه القيادة الحالية، مررنا بالكارثة الأمنية الأصعب منذ المحرقة في 7 أكتوبر، والآن يقودوننا إلى الكارثة السياسية الأكثر شدة في تاريخ إسرائيل، ومنها إلى كارثة اقتصادية مرعبة تتعلق بغلاء المعيشة».