عادل بشر / لا ميديا -
سخرت وسائل إعلام أمريكية من مزاعم دونالد ترامب عن "الانتصار" على إيران، مؤكدة أن طهران هي الطرف الذي حقق أهدافه الاستراتيجية الرئيسية من الحرب، وفي مقدمة تلك الأهداف الحفاظ على النظام السياسي القائم، وتجاوز أخطر مواجهة عسكرية تعرضت لها منذ عقود.
ونشرت مجلة "ذي أتلانتك" الأمريكية، أمس، افتتاحية مطولة، رأت فيها أن الاتفاق الذي أعلن عنه ترامب مع إيران لا يمثل انتصاراً لواشنطن كما تحاول الإدارة الأمريكية تصويره، وإنما يعد مكسباً استراتيجياً لطهران.
وعنونت المجلة الافتتاحية بـ"أمريكا تستسلم وترامب يحتفل"، سخرت فيها من احتفالات ترامب بإعلان الاتفاق، معتبرة أن الرئيس الأمريكي يسعى إلى تقديم نتيجة الحرب باعتبارها إنجازاً تاريخياً، رغم أن الوقائع الميدانية والسياسية تشير إلى عكس ذلك.
وقالت المجلة إن ترامب أعلن الاتفاق عبر منصته "تروث سوشيال" وهنأ فيه الجميع، قبل أن يشارك في احتفال باذخ أقيم بمناسبة عيد ميلاده؛ إلا أن الولايات المتحدة -بحسب المجلة- "ليس لديها ما تحتفل به؛ فقد خسر ترامب وفريقه الحرب في وقت قياسي"، مشيرة إلى أن "الإيرانيين هم الأن يسيطرون على زمام الأمور".
ولفتت إلى أن "ترامب فشل بشكل واضح في تحقيق أي من أهداف الاتفاق"، مضيفة: "ولو كانت كلمة هزيمة ستبدو قاسية، إلا أن علينا النظر في الكيفية التي انتهت بها الحرب".
وأوضحت "ذي أتلانتك" أن أمريكا دخلت الحرب وهي تتحدث عن تغيير وجه إيران، من خلال إسقاط نظامها وتدمير برنامجها النووي وترسانتها الصاروخية؛ لكنها انتهت إلى اتفاق يترك النظام الإيراني قائماً ومتماسكاً، فيما لا تزال طهران تحتفظ بعناصر القوة الأساسية التي كانت تمتلكها قبل اندلاع المواجهة.
وأكدت أن الحرب لم تغير الحقائق الاستراتيجية الرئيسية في المنطقة؛ إذ بقي النظام الإيراني في السلطة، واستمر الحرس الثوري ممسكاً بمفاصل الدولة، كما بقيت قدرة إيران على التأثير في الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز قائمة، فضلاً عن احتفاظها بمخزونات كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة وقدرتها على دعم حلفائها الإقليميين، وسيتم رفع العديد من العقوبات، والإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة.
وقالت المجلة: "بعبارة أخرى، حقق الإيرانيون أهدافهم الاستراتيجية الرئيسية، وفي مقدمتها بقاء النظام فوق كل اعتبار، بينما لم يحقق الأمريكيون أياً من أهدافهم"، مضيفة: "وفي الواقع، ربما حققت الولايات المتحدة ما هو أسوأ من الفشل في تحقيق مكاسب. فإيران، وإن كانت قد ضعفت مؤقتاً، أصبحت الآن فاعلاً سياسياً أكثر قوة: صمد النظام في طهران أمام هجوم أمريكي واسع ونجا، ثم ألحق الضرر بدول مختلفة في الخليج عقاباً لها على انصياعها لحرب ترامب".
كما تناولت المجلة الأمريكية التداعيات على الكيان الصهيوني، معتبرة أن "الإسرائيليين تُركوا في عزلة تامة"، وأن نتنياهو، الذي شجّع ترامب بتهور على مهاجمة إيران، يشعر هو الآخر "بمرارة الذل"، خاصة وأن "الإيرانيين ربطوا -بذكاء- حرب نتنياهو ضد لبنان بحرب ترامب في الخليج".
وسخرت "ذي أتلانتك" أيضاً من الرواية الأمريكية التي تعتبر أن الحرب حققت هدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي، مشيرة إلى أن "هذا الزعم سخيف ومكرر، فقد تعهدت طهران قبل عشر سنوات، بعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية". كما أن العديد من التقديرات -وفقاً للمجلة- تؤكد أن إيران لم تكن على بعد أسابيع من امتلاك سلاح نووي، كما يزعم ترامب، وأن "الحديث عن نجاح الحرب في إنهاء الطموحات النووية الإيرانية ليس سوى محاولة لصرف الأنظار عن الإخفاق في تحقيق الهدف الرئيسي المتمثل في تغيير النظام الإيراني أو فرض شروط استسلام عليه".
وبينما تشير المجلة إلى أن الاتفاق الجديد، إذا تم توقيعه وفق الصيغة المتداولة، سيفتح مرحلة جديدة من المفاوضات تمتد لشهرين إضافيين، فإنها تتساءل عن قدرة واشنطن على انتزاع تنازلات إضافية من طهران بعد أن أثبتت الأخيرة قدرتها على الصمود والمساومة.
ولفتت إلى أن إحدى القضايا الشائكة تتعلق بالمخزون الإيراني من اليورانيوم عالي التخصيب، موضحةً أن واشنطن لا تستطيع الوصول إلى هذه المواد أو نقلها دون موافقة السلطات الإيرانية، وهو ما يمنح طهران ورقة ضغط إضافية في أي مفاوضات مستقبلية.
وفي ملف الملاحة البحرية، انتقدت "ذي أتلانتك" تصريحات ترامب "في رسالته الاحتفالية" التي قال فيها: "أصرّح بموجب هذا بفتح مضيق هرمز مجاناً"، مشيرة إلى أن "المضيق كان مفتوحاً بالفعل" قبل الحرب.
وقالت: "هذا كلام جيد؛ لكنه لا ينفع؛ فإيران وحدها هي التي تملك هذا القرار"، موضحة أن إعلان ترامب انتهاء الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية هو "أمر يقع ضمن صلاحياته؛ لكن هذا يعني فقط انسحاب أمريكا بينما تبقى إيران".
وخلصت إلى أن الحرب أنهكت إيران بلا شك؛ لكنها لم تكسرها، بل ربما منحتها فرصة لإعادة ترتيب أوضاعها السياسية والاقتصادية من موقع تفاوضي أفضل مما كانت تتوقعه واشنطن. وفي المقابل، دفعت الولايات المتحدة كلفة عسكرية واقتصادية وسياسية مرتفعة، في وقت يواجه فيه الرأي العام الأمريكي والأسواق الدولية حالة متزايدة من الإرهاق تجاه الحروب الخارجية.
وفي خاتمة الافتتاحية تؤكد "ذي أتلانتك" أن ترامب بدأ الحرب متحدثاً عن "استسلام غير مشروط" وعن تغيير جذري في إيران؛ لكنه انتهى إلى اتفاق لا يحقق تلك الأهداف، معتبرةً أن الفجوة الكبيرة بين الشعارات التي رفعتها الإدارة الأمريكية والنتائج التي انتهت إليها الحرب هي ما يجعل الحديث عن "النصر الأمريكي" محل سخرية وانتقاد داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية.