عادل بشر / لا ميديا -
في وقت تتزايد فيه مساعي الكيان الصهيوني لإيجاد موطئ قدم دائم على الضفة البحرية المقابلة لليمن، مستفيداً من شبكة النفوذ الإماراتية في موانئ وقواعد عدد من الدول المشاطئة للبحر الأحمر، كشفت تقارير استخباراتية وصور أقمار صناعية حديثة عن ممر شحن متكرر يربط ميناء الفجيرة الإماراتي بالميناء العسكري في بربرة بإقليم «أرض الصومال»، بالتزامن مع توسعات عسكرية متسارعة في القاعدة الاستراتيجية المطلة على باب المندب. وتسلط هذه المعطيات الضوء مجدداً على الدور الذي تؤديه الإمارات باعتبارها رأس حربة للمشروع الصهيوني في المنطقة، لا سيما بعد فشل «تل أبيب» في كسر معادلات الردع التي فرضتها صنعاء في البحر الأحمر خلال معركة إسناد غزة.
أحدث تلك التقارير ما نشره موقع «ذا دارك بوكس» المتخصص في التحقيقات الاستقصائية والاستخبارات مفتوحة المصدر، عن نشاط بحري ولوجستي غامض ومتسارع بين ميناء الفجيرة الإماراتي والميناء العسكري في مدينة بربرة التابعة لما يسمى «أرض الصومال».
وبحسب التقرير، فقد أظهرت صور الأقمار الصناعية وبيانات تتبع السفن تكرار وصول سفن شحن ثقيلة من ميناء الفجيرة إلى الميناء العسكري في بربرة خلال الأشهر الأخيرة، حيث تقوم هذه السفن بعمليات تفريغ سريعة ومكثفة قبل أن تغادر خلال فترات زمنية قصيرة، في نمط لا يشبه حركة التجارة المدنية التقليدية.
ويشير التقرير إلى أن السفن المستخدمة في هذا الخط البحري ليست سفن حاويات تجارية اعتيادية، وإنما سفن قادرة على نقل المعدات الثقيلة والآليات العسكرية والأنظمة اللوجستية الضخمة، ما يفتح الباب أمام فرضيات عديدة تتعلق بطبيعة ما يجري نقله إلى هذه القاعدة العسكرية الواقعة قبالة السواحل اليمنية مباشرة.
الأكثر إثارة للانتباه -وفقاً للتقرير- أن هذه الرحلات تزامنت مع توسعات عسكرية ملحوظة داخل منشآت بربرة، شملت إنشاء حظائر طائرات جديدة ومرافق دعم وبنية تحتية إضافية، وهو ما يعكس وجود مشروع طويل الأمد يتجاوز بكثير فكرة الدعم اللوجستي المؤقت أو الاستخدامات التجارية المعلنة.
كما أن التقارير المتداولة بشأن الزيارات والاتصالات المتبادلة بين مسؤولي الكيان الصهيوني وقيادات الإقليم الانفصالي عززت الشكوك من وجود ترتيبات أمنية وعسكرية يجري العمل عليها بعيداً عن الأضواء.
ويرى مراقبون بأن هذا الحراك يأتي في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لـ«إسرائييل»، خصوصاً بعد خوض صنعاء معركة إسناد غزة وما ترتب عليها من فرض معادلة ردع غير مسبوقة في البحر الأحمر وباب المندب، حيث نجحت القوات المسلحة اليمنية في تحويل الممرات البحرية المرتبطة بالاحتلال إلى ساحة ضغط استراتيجية أربكت الحسابات الصهيونية والأمريكية.
وتكمن أهمية بربرة بالنسبة لـ»إسرائيل» وعملائها، بأنها تمثل نقطة إشراف مباشرة على خليج عدن وباب المندب، وتوفر موقعاً مثالياً لأعمال المراقبة والاستطلاع وجمع المعلومات الاستخباراتية وإدارة العمليات البحرية، فضلاً عن كونها منصة متقدمة يمكن استخدامها لتعويض جزء من الخسائر الاستراتيجية التي تكبدها الاحتلال نتيجة المعادلات الجديدة التي فرضتها صنعاء في البحر الأحمر.
وفي هذا السياق، جاءت تحذيرات سيد الجهاد والمقاومة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي لتؤكد أن صنعاء تتابع هذه التحركات بدقة عالية، وأن أي محاولة لتحويل «أرض الصومال» إلى قاعدة نفوذ صهيونية لن تمر دون رد.
وأكد السيد عبدالملك في خطابه، أمس الأول، أن اليمن يرصد باهتمام بالغ مجريات الوضع في «أرض الصومال» وما يسعى إليه العدو «الإسرائيلي» من تحويلها إلى موطئ قدم يتيح له السيطرة على خليج عدن وباب المندب والتحكم بالبحر الأحمر، مشدداً على أن اليمن لن يقف مكتوف الأيدي تجاه أي تمركز «إسرائيلي» هناك، وأنه سيبادر إلى التعامل معه بكل الوسائل المتاحة دون انتظار مواقف الآخرين.
كما دعا الدول الإسلامية والبلدان المطلة على البحر الأحمر إلى اتخاذ موقف موحد يمنع الاحتلال من التغلغل في هذه المنطقة الحساسة، محذراً من أن المشروع الصهيوني لا يستهدف الصومال وحده، وإنما يستهدف الأمن القومي للمنطقة بأكملها.
ومن جانبها رفعت حكومة التغيير والبناء في صنعاء مستوى التحذير السياسي، حيث أكد نائب وزير الخارجية عبدالواحد أبو راس أن صنعاء تتابع الأنشطة «الإسرائيلية» في «أرض الصومال»، معتبراً أن التحركات الجارية تهدف إلى تحويل هرجيسا وبربرة إلى منصات تخدم أجندة الاحتلال على حساب الشعب الصومالي وأمن المنطقة.
وشدد أبو راس على أن ثمن هذه التحركات سيكون فادحاً، وأن المشروع «الإسرائيلي» في القرن الأفريقي يشكل تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار الإقليمي، محذراً من أن السماح للكيان الصهيوني بتثبيت وجوده على الضفة المقابلة لليمن قد يدفع المنطقة نحو صراعات أوسع وأكثر خطورة.
في ضوء كل ذلك يبقى من المؤكد أن باب المندب والبحر الأحمر دخلا مرحلة جديدة من التجاذب الاستراتيجي، وأن أي محاولة «إسرائيلية» لترسيخ وجود عسكري أو استخباري في «أرض الصومال» ستُقرأ في صنعاء باعتبارها تهديداً مباشراً للأمن القومي اليمني يستوجب المواجهة والرد دون تأخير.