عادل بشر / لا ميديا -
يرى الباحث الفلسطيني في الشؤون السياسية والتاريخية الدكتور محمد جرادات أن التطورات العسكرية الأخيرة بين صنعاء والرياض تمثل تحولاً مفصلياً في مسار الصراع، وأن استهداف الرياض لمطار صنعاء الدولي وما أعقبه من رد يمني باستهداف مطار أبها، لا يمكن عزله عن المتغيرات التي شهدتها المنطقة عقب فشل العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، معتبراً أن اليمن دخل مرحلة جديدة عنوانها فرض رفع الحصار.
وفي تصريح لـ(لا)، قال جرادات إن قصف مطار صنعاء مثّل عملياً نهاية حالة التهدئة القائمة، بعدما استهدفت السعودية المطار في محاولة لمنع وصول الرحلة الإيرانية الثانية المتجهة إلى صنعاء، والتي هبطت إثر ذلك في مطار الحُديدة وهي تُقل الوفد اليمني المشارك في مراسم تشييع المرشد الإيراني الشهيد السيد علي خامنئي.
وأضاف أن القوات المسلحة اليمنية سارعت إلى الرد عبر استهداف مطار أبها الدولي بعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، في رسالة تؤكد أن صنعاء انتقلت إلى مرحلة الرد المباشر على أي استهداف لمنشآتها المدنية، وأن هدفها الأساسي يتمثل في إنهاء الحصار المفروض على البلاد، مشيراً إلى أن «صنعاء جاهزة للتحرك حيث ثمة استحقاق طال أمده، وآن له أن يتحقق عبر رفع الحصار عن كل المناطق اليمنية التابعة لحكومتها».
وأوضح جرادات أن اليمن ممثلاً بصنعاء، كان طوال الفترة الماضية خلال معركة إسناد غزة، يؤجل استحقاق رفع الحصار، رغم امتلاكه القدرة العسكرية على التصعيد، واضعاً أولوية إسناد غزة في مقدمة اهتماماته، إضافة إلى الخنوع السعودي للولايات المتحدة في عرقلة خارطة الطريق، وربط الملف اليمني بعمليات الإسناد لغزة.
وقال: «حاصرت القوات المسلحة اليمنية ميناء أم الرشراش (إيلات) في فلسطين المحتلة عبر النافذة البحرية، وأفشلت كل المحاولات الأميركية والأوروبية لرفع الحصار عن «إيلات» بحرياً طوال سنوات حرب الإبادة على غزة، فعلت ذلك وساندت فلسطين في ذروة محنتها التاريخية، متناسية الحصار السعودي الإماراتي لصنعاء بحراً وجواً وبراً»، في إشارة إلى امتلاك صنعاء أوراق ضغط مؤثرة، رغم استمرار الحصار المفروض على اليمن.
ولفت الباحث الفلسطيني جرادات إلى أن السعودية تعاملت مع الرحلتين الإيرانيتين إلى صنعاء باعتبارها كسراً للحصار الجوي السعودي والمدعوم أمريكياً على صنعاء، الأمر الذي دفع المملكة إلى استهداف المطار، إلا أن هذه الخطوة فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة، بعدما أعلنت القوات المسلحة اليمنية أن هدفها أصبح رفع الحصار الظالم بكل الوسائل.
وأكد أن ما جرى لا ينفصل عن نتائج المواجهة الأخيرة مع إيران، معتبراً أن «فشل العدوان الأمريكي والصهيوني عليها انعكس على مختلف ساحات المنطقة، وكان من الطبيعي أن تتفكك مع هذا الفشل كل ارتباطاته»، مضيفاً : «لكن الحماقة السعودية أبت أن تغادر زعماءها، وقد تجلت بأعمق مستوياتها حيث وضعت الرياض رأسها في رمال الربع الخالي، وهي تظن أن صحاريها تحميها من فشل حلفائها بل أسيادها».
وربط الباحث الفلسطيني بين التحركات العسكرية الحالية وبين ما وصفه بإعادة رسم موازين القوى في المنطقة، موضحاً أن الفشل العسكري لمحور واشنطن و«تل أبيب» ستكون له انعكاسات مباشرة على بقية الملفات، وفي مقدمتها اليمن وغزة ولبنان.
واعتبر أن السعودية تواجه اليوم واقعاً مختلفاً عما كان عليه الحال في السنوات الماضية، بعد أن أثبتت عدوان التحالف السعودي الإماراتي الأمريكي على اليمن لثماني سنوات متواصلة عدم قدرته على تحقيق أهدافه العسكرية، كما أن استمرار الحصار منذ 2015م، لم يعد يحقق مكاسب سياسية أو عسكرية، في ظل امتلاك صنعاء قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة قادرة على الوصول إلى أهداف داخل العمق السعودي.
وأشار جرادات إلى أن الرد اليمني على استهداف مطار صنعاء يحمل رسالة واضحة مفادها أن المنشآت الحيوية السعودية ستظل ضمن دائرة الاستهداف إذا استمر استهداف المنشآت المدنية اليمنية، معتبراً أن معادلة «المطار بالمطار» تمثل بداية مرحلة مختلفة في إدارة الصراع.
واعتبر أن «الاحتضان الأميركي للهجوم السعودي على صنعاء، يُمثل منتهى الحماقة لأنه يساهم في حال تصاعده، في رفع أسعار الطاقة العالمية، وهو ما يقضّ مضاجع ترامب والغرب، خاصة عندما يضطر اليمني لقصف محطة أرامكو التي تغذّي 12٪ من إجمالي الطلب النفطي اليومي، ما يعني أن أسعار النفط ستصل حتماً حتى 200 دولار في حال تدمير آبار أرامكو، وتوقّف إمدادات النفط السعودية كلياً».
ولفت الباحث الفلسطيني محمد جرادات، إلى أن الموقع الجغرافي لليمن يمنحه أوراق قوة استراتيجية، سواء من خلال باب المندب أو قدرته على التأثير في حركة الملاحة الدولية، معتبراً أن هذه المعطيات تمنح صنعاء هامشاً أكبر لفرض مطالبها المتعلقة برفع الحصار عليها.
وقال: «أبهر الإسناد اليمني لغزة العالم في مستوى التصميم كما الاستعداد لدفع الثمن، والذي وصل إلى الاغتيال الإسرائيلي لرئيس أركان القوات المسلحة محمد الغماري، وعدد من وزراء حكومة صنعاء، في ظل نجاح يمني هائل في التصدي للعربدة الأميركية والغربية في البحر الأحمر وبحر العرب»، مضيفاً: «وكان يفترض بالسعودية التي عجزت عن تطبيق بياناتها السياسية الرسمية الداعية إلى وقف الحرب على غزة، أن تخجل من قدرة عدوها اليمني على إسناد غزة وقصف «تل أبيب» صبح مساء، وهو الخصم اليمني الذي لا يحظى باعتراف عالمي أو سعودي، وأن تبادر لإنهاء الحرب ضده بشكل كلي وتترك اليمن لأهله للتفاهم فيما بينهم».
واختتم جرادات تصريحه لـ(لا) بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستتحدد وفق مسار التصعيد أو التهدئة، لكنه يرى أن قضية رفع الحصار أصبحت، بعد الأحداث الأخيرة، عنواناً رئيسياً للمواجهة، وأن صنعاء -بحسب تقديره- ذاهبة بلا تردد لرفع الحصار السعودي، ولن تتراجع عن هذا الهدف سواء عبر المسار السياسي أو من خلال استمرار الضغط العسكري.