جيفري سوننفيلد - وستيفن تيان مجلة (THE TAIME) الأمريكية
ترجمة خاصة:أقلام عبدالملك مانع / لا ميديا -
في كتابنا الجديد، «وصايا ترامب العشر»، نكشف عن الأساليب الخطابية التي يستخدمها ترامب للتنصل من المسؤولية عن حملة عسكرية فشلت -وفقاً لمعظم المقاييس- فشلاً ذريعاً في تحقيق أهدافها المعلنة.
 فقد أغفل ترامب، بتوقيعه على الاتفاقية الأولية مع طهران، معالجة مسألة الترسانة الهائلة من منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية السليمة، وسمح باستمرار امتلاك إيران لليورانيوم المخصب، ومنحها الحق في فرض رسوم مرور في مضيق هرمز.
لم يُسهم الاتفاق في منع إيران من مواصلة تمويل وكلائها (حماس والحوثيين وحزب الله)، مع تعهده بالعمل مع الشركاء الإقليميين لجمع 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران. وأبقى ترامب على النظام الإيراني العسكري الثيوقراطي دون تغيير، وهو ما يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره استسلاماً أمريكياً صادماً. ومع ذلك، ينكر ترامب باستمرار جميع النكسات، من الإفلاسات وخسائر الانتخابات إلى الإخفاقات في المحاكم وساحات المعارك.
لقد قوبل الرئيس ترامب باستهجان واسع النطاق، ليس فقط من قادة الكونجرس الديمقراطيين مثل حكيم جيفريز وجاك ريد وسيث مولتون، بل وأيضاً من مجموعة واسعة من قادة مجلس الشيوخ الجمهوريين، من توم كوتون وتيد كروز إلى روجر ويكر وبيل كاسيدي وجون ثون.
عكست هذه الإدانة الأمريكية من الحزبين إجماعاً نادراً لكل الطيف السياسي «الإسرائيلي»؛ فمن أقصى اليمين في ائتلاف بنيامين نتنياهو إلى قيادة المعارضة الوسطية اليسارية، يدين القادة السياسيون «الإسرائيليون» بشدة اتفاق النقاط الأربع عشرة باعتباره استسلاماً كارثياً يُعرّض أمن «إسرائيل» للخطر، ويُشجع إيران، ويُطلق العنان لوكلائها «الإرهابيين» في المنطقة.
احتج زعيم المعارضة يائير لابيد بشدة قائلاً إن «إسرائيل ليست دولة تابعة»، واصفاً الاتفاق بأنه «سيئ لإسرائيل، وسيئ للمنطقة، وسيئ لمواطني إيران». ولكن ربما كان ينبغي على «إسرائيل» أن تتوقع ذلك.
لطالما حملته تقلبات القدر إلى بر الأمان عندما حاصرته إخفاقات مالية أو تجارية أو سياسية أو قانونية. لكنه اصطدم بجدار مسدود في حربه ضد إيران، بسبب عجزه عن ضمان «استسلام إيران غير المشروط» الذي وعد به في بداية حملته الانتخابية.
هل كانت الحرب تستحق كل هذا الثمن؟ فقد ثلاثة عشر جندياً أمريكياً أرواحهم، وقُتل 3375 إيرانياً، بينهم 175 شخصاً -معظمهم من الأطفال- جراء غارة صاروخية أمريكية من طراز «توماهوك» استهدفت مدرسة للبنات. وكلّفت الحرب دافعي الضرائب الأمريكيين 132 مليار دولار، أي ضعف تكلفة قانون أوباما للرعاية الصحية! ولم يحقق ترامب سوى القليل من المكاسب. وينص الاتفاق المبدئي بين الولايات المتحدة وإيران، الذي توسطت فيه باكستان بشكل أساسي، على تخفيف العقوبات المفروضة على إيران، وتقديم وعود بتمويل إعادة الإعمار، وإمكانية تحصيل رسوم عبور على مضيق هرمز.
نصحه روي كوهن، المستشار الأسطوري لفريد ترامب، والد الرئيس، قائلاً: «مهما حدث، عليك أن تدّعي النصر ولا تعترف بالهزيمة أبداً». وكما ذكرنا سابقاً، لا ينبغي لأحد أن يتفاجأ بتقلبات ترامب. في كتابنا «وصايا ترامب العشر»، توقعنا هذه النتيجة تحديداً، لأنها تتوافق تماماً مع أنماط سلوك ترامب الراسخة. وإليكم كيف.

ترامب وتغير مفهوم الأصدقاء والخصوم والمعارضين
ما يُفسّره النقاد أحياناً على أنه تحولات مفاجئة وغير مفهومة، يعكس في الواقع ركيزة أساسية في استراتيجية ترامب؛ فهو لا يدين بالولاء الدائم لأحد أو لأي شيء. من خلال استبدال نفوذ المتشددين المؤيدين للتدخل بنفوذ دعاة ضبط النفس العسكري، يضمن ترامب عدم حصره في مسار عمل واحد. فهو يُدير السياسة بمعزل تام عن أي ولاءات راسخة أو عقائد جامدة. بالنسبة له، يُعد تجنب البوصلة الثابتة، من أجل الحفاظ على نفوذ مطلق ومرونة قصوى وخيارات لا حصر لها، حجر الزاوية في مخططاته.
قد يكون هذا التحول مذهلاً. فقد انتقل ترامب من وصف مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى الجديد لإيران، بأنه «غير مقبول» و«شخص تافه»، إلى الإشادة به، واصفاً إياه بأنه «محترف» ورجل «ذو سمعة طيبة للغاية»، ومشيداً «بشجاعته»، ووصفه بأنه «أكثر عقلانية»، ومعلناً أنه «سيتشرف» بالتحدث معه.
أيضاً، انتقل ترامب من مدح رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو ووصفه بالبطل المستحق للعفو، إلى استخدام ألفاظ نابية لوصفه. وقد روّج لمستقبل مشرق محتمل لإيران، بينما وصف مؤيدي «إسرائيل» المتشددين بـ»الأغبياء» وأنهم لا يمثلون سوى «10٪ من الشعب». بالنسبة لترامب، تمثل هذه التقلبات سمة مميزة، وليست خللاً.

لا سوق صاعدة، ولا سوق هابطة، بل سوق ترامب
بدلاً من تأمين الحرية لسكان إيران «المضطهدين»، أو الاستيلاء على اليورانيوم المخصب، أو تفكيك القدرات الصاروخية الإيرانية والجماعات «الإرهابية» التابعة لها، قام ترامب بتغيير قواعد اللعبة.
لطالما كان معياره الأساسي لقياس النجاح هو المال، ولم يسبق لأمريكا أن كان لديها رئيس أكثر انسجاماً مع الأسواق المالية وأكثر استعداداً لإحداث تقلبات هائلة في تلك الأسواق من خلال كلماته وأفعاله.
إننا لا نعيش في سوق صاعدة أو هابطة، بل في سوق ترامب. مع تذبذب أسعار النفط قرب 100 دولار للبرميل وتضاؤل الاحتياطيات الاستراتيجية، شعر ترامب بضغط مالي لإبرام صفقة، وهو ضغط أقرّ به بنفسه، ضغط فاق كل الاعتبارات الأخرى. في الواقع، كانت أولى كلمات ترامب عند توقيع الاتفاقية المبدئية في قصر فرساي دالة: «انخفاض أسعار النفط، وارتفاع أسعار الأسهم».

 إعادة كتابة التاريخ  من خلال تأثير النائم
لطالما أعلن ترامب النصر، وكرر هذه الرواية بلا هوادة، بغض النظر عن الحقائق أو النتيجة، في أي موقف كان. هذا التكرار المتواصل، حتى يصبح أمراً مقبولاً كحقيقة، يُعرف باسم «تأثير النائم».
في حالة إيران، أعلن ترامب النصر رغم أن جميع الخبراء تقريباً يتفقون على أن معظم أهدافه المعلنة، كما أوضحها هو نفسه في بداية الصراع، لم تتحقق، حتى مع ادعائه أنه حقق كل هدف من الأهداف.
لم يكن هناك «استسلام غير مشروط» ولا «تغيير للنظام»، رغم إصرار ترامب على أنه حقق كليهما. فقد تعهد «بتدمير صواريخهم وتسوية صناعة الصواريخ لديهم بالأرض»، وضمان عدم قدرة وكلاء إيران «الإرهابيين» على زعزعة استقرار المنطقة أو العالم، وإزالة اليورانيوم المخصب من إيران.
لم يتحقق أي من ذلك. ومع ذلك، سيواصل ترامب إعلان نفسه منتصراً، مكرراً الرسالة بلا هوادة، كما يفعل دائماً.

الزعيم القبلي للقوة الأمريكية
لطالما ركّز ترامب السلطة في يده، تاركاً الفصائل المتنافسة تسعى لنيل رضاه، تماماً كما يفعل زعيم القبائل في العصور القديمة. هذه الديناميكية تمنحه مرونة قصوى للتنقل بين فصائل متناقضة تماماً ذات وجهات نظر تبدو غير قابلة للتوفيق. لقد جعل ترامب بشكل واضح نائب الرئيس، جيه دي فانس، الوجه الإعلامي للاتفاق الإيراني الجديد، حتى أنه صرّح قائلاً: «إذا لم ينجح الأمر، فسألقي باللوم على جيه دي». إنها خطوة نموذجية لترامب، بالنظر إلى أن فانس لطالما قاد الفصيل الأكثر ميلاً إلى السعي وراء تسوية تفاوضية مع إيران.
في المقابل، لم يُدلِ وزير الخارجية، ماركو روبيو، الذي يُقال إنه عارض الاتفاق ورغب في مواصلة الضغط العسكري على إيران، بتصريحات علنية تُذكر دفاعاً عن الاتفاق أو حتى مدحاً له. وقد حافظ روبيو على هدوئه المعهود في ظهوره العلني.

جدار الصوت.. آلة تشتيت الانتباه الدائمة لترامب
إن آلة ترامب الصاخبة الدائمة عبارة عن محرك يدور باستمرار لعناوين جديدة وتصريحات شائنة متعمدة وتحركات مفاجئة مصممة لإرباك وتشتيت وإعادة توجيه انتباه الجمهور - خاصة عندما يكون مُصرّاً على دفن الأخبار السيئة.
بفضل مثابرته الشديدة ونشاطه المحموم، يُخضع ترامب مسار الأخبار لإرادته ويعيد تشكيل الخطاب العام. فهو يُربك خصومه ويُنهكهم، بينما يمنع أي قصة منفردة من الهيمنة على الخطاب لفترة كافية، لإلحاق ضرر سياسي دائم.
يحاول ترامب بالفعل تحويل انتباه الرأي العام إلى قضايا أخرى، من خلال منشوراته على منصة «تروث سوشيال»، التي تتناول مواضيع شتى، بدءاً من الطحالب في بركة المياه العاكسة، مروراً بتأييده لمرشحين في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، وانتهاءً بمحادثات نزع السلاح النووي المحتملة مع كيم جونغ أون، زعيم كوريا الشمالية، وقانون إنقاذ أمريكا، وكوبا... كل ذلك خلال 48 ساعة فقط منذ توقيع الاتفاق المبدئي مع إيران. ومن شبه المؤكد أنه سيواصل إثارة جدل جديد لصرف الأنظار عن أوجه القصور في الاتفاق.
في جميع هذه الأبعاد، تكشف وصايا ترامب العشر  وتوضح أن اتفاقه مع إيران لم يكن مفاجئاً على الإطلاق، إذ تمثل تقلباته المذهلة على ما يبدو مجرد إضافة أخرى إلى قائمة طويلة من أساليب عمله الموثقة جيداً.
أدوات ترامب هي الروايات التي يصوغها، إذ يعيد اختلاق الحقائق ويتجاهل الأدلة التجريبية بوضوح أمام أعين العامة. في فيلم «حساء البط» الكوميدي الكلاسيكي للأخوين ماركس عام 1933، يجسد تشيكو ماركس دور جاسوس يُقبض عليه بعد فشل تنكره في محاكاة زعيم منافس. يرد تشيكو بتحدٍّ على تساؤل أحد المشككين حول فشله في التنكر، قائلاً: «من ستصدق؟ هل ستصدقني، أم ستصدق عينيك؟!».