جوناثان فريدلاند - «الغارديان» البريطانية
ترجمة خاصة:أقلام عبدالملك مانع / لا ميديا -
النمط في الولايات المتحدة وبريطانيا واضح؛ فهُم يقدّمون حيلة تلو الأخرى للتغطية على عدم كفاءتهم، وخيانة كل من وثق بهم.
من المؤسف تجاهل إعلان فوز نايجل فاراج في الانتخابات الفرعية في كلاكتون، وقد أكد عودته كنائب عن الدائرة التي استقال منها دون داعٍ قبل أسابيع قليلة. كان من المفترض أن يفرح بذلك. لقد كان ذلك تتويجاً لاستعراضٍ سياسي، وممارسةً للسياسة كأداءٍ مسرحي. كان عرضاُ مُفتعلاً يسعى إلى تأجيج المظالم، بعيداً كل البعد عن العمل الجاد والمضني لمعالجة المشاكل الكامنة وراء تلك المظالم. لقد كانت محاولةً لصرف الانتباه، وتشتيت الأنظار، والتهرب من المسؤولية. بعبارة أخرى، كان هذا كل ما يُجيده الشعبويون القوميون أمثاله. بل هو الشيء الوحيد الذي يُجيدونه.
زعمت «حركة الإصلاح» البريطانية أن فاراج تغيب عن الفعالية لأن شرطة إسيكس حذّرته من «تهديد حقيقي» لأمنه، وهو زعم نفته شرطة إسيكس سريعا (أضف إلى قائمة مواهب الشعبويين القوميين هذا النهج المرن تجاه الحقيقة). مع ذلك، كان هذا الادعاء غريباً بعض الشيء. لنتذكر تفسير فاراج المفضل (وهناك تفسيرات أخرى) للهدية غير المعلنة التي تلقاها بقيمة 5 ملايين جنيه إسترليني من الملياردير التايلاندي المتخصص في العملات المشفرة، كريستوفر هاربورن، والتي أدت إلى التحقيق البرلماني الذي أغضب زعيم «حركة الإصلاح» لدرجة أنه شعر بأنه مضطر للاستقالة من منصبه والسعي للحصول على حكم مسبق بالبراءة من سكان كلاكتون؛ وهو أنه كان بحاجة إلى المال لدفع تكاليف حراسة أمنية خاصة ومعززة. يبدو أن 5 ملايين جنيه إسترليني لم تكن كافية لضمان سلامة المتلقي المحظوظ وهو يقف بجانب رجل يرتدي زي سلة مهملات؛ إلا إذا كان الأمن ليس كل شيء.
قال فاراج أيضاً إنه تغيب عن فرز الأصوات لأنه لم يرغب في أن «يُهان ويُذل من قِبل أشخاص مغمورين». وهذا صحيح تماماُ. إذا كان لا بد من إذلال نايجل فاراج، فيجب أن يكون ذلك على يد أشخاص ذوي مكانة. ويبدو أن قد أمنيته تتحقق. الآن وقد عاد إلى البرلمان، استؤنف التحقيق في المسائل المالية المتعددة التي تحيط به، بما في ذلك الدعم غير المعلن الذي تلقاه من المحتال المدان جورج كوتريل. قد يؤدي صدور حكم ضده إلى إجراء انتخابات فرعية أخرى، إلا أن الأحزاب الرئيسية هذه المرة لن تكرر مقاطعتها، وسيتعين عليه خوض معركة مع خصوم أشدّ بأساً من أي شخص عادي.
بطبيعة الحال، ينظر فاراج إلى أمثال الكونت بينفيس والبارون فون ثندركليب نظرة دونية، ربما لأن من المؤلم الاعتراف بالشيء الجوهري الذي يجمعهم جميعاً. لفهم هذا الشيء، يكفي النظر إلى الرجل الذي يُعدّ بطل فاراج ومثالاً يُحتذى به في الشعبوية القومية.
قبل عشر سنوات، وبعد أقل من خمسة أشهر على استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الذي يُعدّ أعظم انتصارات فاراج، استغل دونالد ترامب موجة مماثلة من السخط الأمريكي على الوضع الراهن، وفعل ذلك بطريقة مماثلة، من خلال مهاجمة مؤسسة غامضة أفسدت كل شيء. كان التصويت له كفيلاً بإصلاح كل شيء، لأنه، كما قال ترامب: «أنا وحدي من يستطيع إصلاحه». وفي العام 2024، أُعيد انتخابه مرة أخرى، على وعد مماثل.
أثبت ذلك الفوز براعة ترامب في نوع معين من السياسة. فموهبته في استقطاب اهتمام الرأي العام، وتوجيه مخاوف المجتمع الجماعية، وإقناع الناس بأن الحل البسيط في متناول اليد، لا تُضاهى. وبينما يكرر فاراج نفس الأساليب، يظل ترامب هو العازف الماهر.
ومع ذلك، انظروا ماذا يحدث بمجرد انتهاء كرنفال الحملة الانتخابية وبدء الحكم. سِجل ترامب كارثي. انتُخب لمعالجة التضخم، الذي زعم أنه خرج عن السيطرة في عهد جو بايدن، لكن التضخم الآن أعلى مما كان عليه في نوفمبر 2024، عندما هزم سلفه. أسعار البنزين، المؤشر الذي استشهد به ترامب مراراً وتكراراً في حملته الانتخابية عام 2024، ارتفعت بشكل كبير. هذا، أكثر من أي عامل آخر، يُفسر سبب انهيار شعبية ترامب، حيث انخفضت إلى 34% فقط.
ومع ذلك، فإن ترامب، الذي تمحورت جاذبيته حول صورته كرجل أعمال ناجح -وهي صورة ظلت راسخة رغم مسيرته الحافلة بالإخفاقات والإفلاسات المتكررة- لا يبذل أي جهد يُذكر لتحسين الأوضاع الاقتصادية لمن انتخبوه. لا أقصد أنه يحاول تطبيق سياسات مختلفة دون جدوى، بل أقصد أنه لا يحاول أصلاً. وكما قال لي جوناثان سوان، المؤلف المشارك لكتاب «تغيير النظام»، وهو سردٌ مذهل لأول 15 شهراً من ولاية ترامب الثانية، في بودكاست «بوليتيكس ويكلي أمريكا»: «إنه يشعر بالملل من السياسة الاقتصادية».
بالطبع، لم ترتفع أسعار البنزين من تلقاء نفسها. ما رفع أسعار النفط هو القرار الذي يبدو أنه سيُحدد ملامح هذه الرئاسة: الحرب على إيران التي بدأت في 28 فبراير. وقد أثبتت هذه الحرب أنها كارثة. فقد فشلت في تحقيق أي من الأهداف المتغيرة التي أعلنها ترامب: لم يحدث أي تغيير في النظام في طهران؛ ولا يزال التهديد النووي الإيراني قائماً، بل إن طموحها النووي قد ازداد، ولو من باب ردع تكرار الهجوم الأمريكي «الإسرائيلي». كما أنها لم تُؤثر إلا قليلاً على القدرات التقليدية الإيرانية، بالنظر إلى قدرة النظام المستمرة على ضرب جيرانه. وكأن كل ذلك لم يكن كافياً، فقد نجح ترامب في جعل الإيرانيين أقوى مما كانوا عليه في 27 فبراير، بمنحهم سلاحاً اقتصادياً ذا قدرة هائلة على إحداث اضطراب واسع النطاق، وخنق الاقتصاد العالمي من خلال سيطرتهم على مضيق هرمز.
يستطيع ترامب أن يُظهر براعته التمثيلية، مدعياً أنه «سحق» العدو في لحظة، أو أنه أبرم اتفاق سلام تاريخياً في اللحظة التالية، لكن الأمر لا يعدو كونه مجرد تمثيل. فبينما تستمر الصواريخ الإيرانية بالهطول، ينفد مخزون الذخيرة لدى الجيش الأمريكي بسرعة، وهو ما يحتاجه إما لاعتراضها أو للرد عليها. وقد حذره كبير جنرالاته من هذا الخطر منذ البداية، لكن ترامب تجاهل تلك التحذيرات، مقتنعاً بأن الحرب ستنتهي سريعاً. أخبره حدسه أن إيران ستلقى مصير فنزويلا، وأن الأمر سيكون سريعاً وسهلاً. لكن حدسه كان خاطئاً.
يتكرر الأمر نفسه مراراً وتكراراً. يُعلن ترامب عن اتفاق مع إيران أو بين حماس و«إسرائيل»، ليتضح سريعاً أنه لم يتم التوصل إلى أي اتفاق. يفتقر ترامب إلى الصبر اللازم للعمل الدبلوماسي الطويل والشاق والمفصل الذي تتطلبه هذه الدبلوماسية. إنه يريد فقط نشوة منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أو عنوان رئيسي. باختصار، هو خبير في السياسة كما تُدار الآن، لكنه عاجز عن الحكم.
في هذا، لا يختلف الشعبويون القوميون الذين يقتدون بترامب. فهم بارعون في التذمر من الوضع الراهن، لكنهم عاجزون عن تحسينه. بإمكانهم التعبير عن الاستياء واستغلال المظالم، لكنهم لا يستطيعون معالجة العلل التي تغذي هذا التعاسة. وهذا، في نهاية المطاف، ما يجمع فاراج بترامب، بل وبأولئك الـ33 «المغمورين» الذين خاضوا الانتخابات الفرعية في كلاكتون. جميعهم مرشحون احتجاجيون، لكن بعضهم فقط يُنتخب.










المصدر ترجمة خاصة:أقلام مانع / لا ميديا