تحقيق - عادل عبده بشر / لا ميديا -
لم يكن الطفل حذيفة بدر حسين الحذيفي، يعرف أن خروجه من منزله لشراء شيء من البقالة سيكون آخر مشوار له، وأن عضة كلب ضال ستفتح أمام أسرته رحلة من الألم والبحث عن علاج ينتهي به إلى الموت أمام مرأى ومسمع من عائلته.
كان الطفل، البالغ من العمر 11 عاماً، يرقد أمام والديه وأفراد أسرته في منزلهم بمديرية مجز بمحافظة صعدة، وقد تبدلت ملامحه تماماً. نوبات من الخوف الشديد والرهاب والتشنجات كانت تسيطر عليه، بينما كانت أسرته تبحث عن مستشفى يستقبله أو دواء يوقف معاناته. يصرخ حذيفة: «عالجوني». لكن أحداً لم يستطع فعل شيء.
بعد 23 يوماً من تعرضه لعضة كلب ضال في الرأس والوجه والرقبة، فارق حذيفة الحياة عصر 25 آب/ أغسطس الجاري، أمام عيني والديه، بعدما تنقل بين مرافق صحية في صعدة وصنعاء، بحثاً عن علاج لم يعد متاحاً إثر ظهور الأعراض.
قصة حذيفة ليست مجرد مأساة عائلة فقدت طفلها. إنها تكشف واحدة من أخطر مشكلات الصحة العامة في اليمن، كلاب ضالة تنتشر في المدن والقرى، ولقاحات وأمصال لا تغطي الاحتياج -في حال كانت متوفرة- وأسر فقيرة قد تعجز عن شراء العلاج، واستجابة حكومية أقل من حجم الخطر.
والأرقام الرسمية التي حصلت عليها (لا) من وزارة الصحة بصنعاء تجعل السؤال أكثر إلحاحاً: نحو 8 آلاف شخص تعرضوا لعضات الكلاب الضالة خلال النصف الأول من العام الجاري، و13 شخصاً لقوا حتفهم خلال الفترة نفسها.
فكم حذيفة آخر ينتظر؟

من البقالة إلى غرفة الموت
في 3 آب/ أغسطس الجاري، خرج حذيفة من منزله لشراء بعض الاحتياجات من بقالة قريبة.
كان طفلاً يعود إلى منزله كأي طفل آخر، قبل أن يهاجمه كلب ضال ويعضه في منطقة الرأس والوجه والرقبة.
بعد نحو خمس دقائق فقط، كان والده قد أسعفه إلى أقرب مركز صحي في المديرية.
هناك، بحسب إفادة عمه عوض حسين فاضل الحذيفي لـ(لا)، جرى غسل الجروح بالماء والصابون والمطهرات، وتطهيرها ومعالجتها، قبل نقله إلى مستشفى السلام السعودي في مدينة صعدة الذي يبعد بمسافة تستغرق نحو ساعة.
في المستشفى، أخبرت الأسرة الطبيب بأن الطفل تعرض لعضة كلب، وأن الكلب مسعور وعدواني.
يقول عمه الذي تحدث مع (لا) عبر الهاتف: «كتب ورقة إلى الممرضين وعملوا له حُقنا، ولقاحا، ولم يعملوا له مصل داء الكلب»، مضيفاً «لم نكن نعرف أن هناك شيئاً اسمه مصل داء الكلب» ولهذا لم يسألوا عنه.
وأردف عوض الحذيفي: «وثقنا في مستشفى السلام السعودي، باعتباره من أفضل المستشفيات في المحافظة، وعدنا بالطفل إلى المنزل، ملتزمين بمواعيد الجرعات التي حددها الطبيب، بعد تأكيده بأنه لم يعد يتبقى شيء وأن العلاج الذي تلقاه الطفل كافٍ».
كان الاعتقاد أن الخطر انتهى، لكنه لم يكن كذلك.
بعد نحو 19 إلى 21 يوماً بدأت أعراض غير مألوفة تظهر عليه، خوف شديد، ورهاب، وصرخات مفاجئة.
لم تربط الأسرة في البداية بين الأعراض وعضة الكلب.
يقول العم: «كنا نعتقد أن الطفل فيه فجيعة أو مرض آخر، ولم نكن نتوقع أن السبب يعود لعضة الكلب، لأننا كنا نظن أنه خلاص تعالج منها».
عادوا به إلى مستشفى السلام في مدينة صعدة، وهنا بدأت رحلة جديدة من البحث عن مستشفى يقبل الحالة.
«ما معانا لكم علاج»
بحسب رواية الأسرة، عندما وصل حذيفة إلى مستشفى السلام مجدداً، شرح والده للطبيب أنه الطفل الذي تعرض لعضة كلب قبل نحو عشرين يوماً، وأنه يعاني الآن من رهاب شديد.
كانت آثار العضة قد بدأت تلتئم، لكن حالة الطفل كانت تتدهور.
يقول عمه إن الطبيب قال لهم: «ما معانا لكم علاج، لكن روحوا المستشفى الجمهوري».
رفضت الأسرة في البداية المغادرة، مطالبة المستشفى الذي استقبل الطفل أول مرة بتحمل مسؤوليته، لكن انتهى الأمر بإصدار تحويل إلى المستشفى الجمهوري في صعدة.
هناك، بحسب العم عوض، أُبلغوا بعدم توفر العلاج أو مكان للرقود، ونُصحوا بنقل الطفل إلى مركز داء الكلب في المستشفى الجمهوري بصنعاء.
وهكذا بدأت رحلة أخرى.

«الولد منتهي»
عند وصول حذيفة إلى طوارئ المستشفى الجمهوري بصنعاء، كان المرض قد قطع شوطاً طويلاً.
يقول العم: «قالوا لنا مع الأسف أنتم تأخرتم»، قبل أن يضيفوا: «يا إما أن الجرعة التي أعطوها له في مسشفى السلام بداية الأمر، ناقصة أو اللقاح منتهي أو تعرض لسوء التخزين».
وبحسب العم، فقد اكتشفوا لاحقاً أن الطفل لم يتلق الحقنة في موضع الجرح، أي المصل الذي كانوا يجهلون وجوده أصلاً.
انتظرت الأسرة حتى الصباح، وحاولت التواصل مع أطباء ومختصين لمعرفة ما إذا كان هناك أي أمل، غير أن الإجابة التي تلقتها، كانت أن الحالة وصلت إلى مرحلة لا يوجد معها علاج فعال، ليعود حذيفة إلى صعدة مجدداً.
يقول العم: «في صعده كررنا المحاولة مع مستشفى السلام والمستشفى الجمهوري بأن يدخلوه قسم الرقود، لكنهم رفضوا، فعدنا به إلى البيت يتوجع ويتألم أمام أعيننا ونحن نبكي دما»، مضيفاً: «أخذناه إلى البيت، لنعيش معه الأيام والساعات الأخيرة. كان ينازع روحه ويصيح عالجوني، ونحن نقف حوله عاجزين، لا نستطيع إنقاذه ولا مستشفى يحتويه».
في عصر 25 آب/ أغسطس، مات حذيفة، وعبر صحيفة (لا) حمّل عمه وزارة الصحة مسؤولة ما حدث لحذيفة ولغيره من ضحايا داء الكلب، مطالباً الوزارة والجهات المعنية بالتحقيق والإنصاف، حتى لا تتكرر حادثة حذيفة مع أطفال آخرين.

كان سيُشفى
يؤكد مدير برنامج داء الكلب بوزارة الصحة الدكتور أحمد الورد أن حالة حذيفة كانت تستوجب التعامل معها بصورة مختلفة.
ويقول الورد في تصريح لـ(لا)، إن الطفل تعرض لعضة في منطقة الوجه والرأس، وكان من الضروري في مثل هذه الحالة إعطاؤه المصل واللقاح معاً.
ويشرح أن المصل يحتوي على أجسام مضادة جاهزة، فيما يعمل اللقاح على تحفيز الجسم لتكوين أجسامه المضادة، مضيفاً: المصل يكون بالغ الأهمية خصوصاً في عضات الوجه والرقبة والرأس، لأنه يعمل على إيقاف نشاط الفيروس إلى أن يبدأ اللقاح بإنتاج المناعة.
ويؤكد الدكتور الورد بأنه اطلع على قضية حذيفة، ويرى أن «إجراءات تنظيف وتعقيم الجرح تمت بصورة جيدة، لكن الطفل لم يُعط المصل، رغم ضرورة إعطائه في مثل هذه الحالة».
ويضيف: «لو كانوا أعطوه المصل واللقاح، كان لن يكمل الشهر إلا وقد تكونت أجسام مضادة ذاتية من اللقاح، وبإذن الله يُشفى تماماً».
وبعيداً عن الجدل حول ما إذا كان إعطاء المصل كان سيضمن إنقاذ الطفل، فإن هذه الإفادة تفتح سؤالاً يستحق تحقيقاً رسمياً: لماذا لم يحصل حذيفة على المصل في الساعات الأولى بعد تعرضه للعضة؟ وهل كان المصل متوفراً في مستشفى السلام في ذلك الوقت؟ وإذا لم يكن متوفراً، فلماذا لم تُبلغ الأسرة بذلك بوضوح وتُوجه فوراً إلى مكان يتوفر فيه؟ وهل اللقاح الذي حصل عليه الطفل كان سليماً وفعالاً ومحفوظاً وفق شروط التخزين المطلوبة؟

8 آلاف مصاب في ستة أشهر.. و13 وفاة
المأساة لا تتوقف عند حذيفة، حيث يكشف مدير برنامج داء الكلب بوزارة الصحة في سياق تصريحه لـ(لا) أن قرابة 8 آلاف شخص تعرضوا لعضات الكلاب الضالة خلال النصف الأول من العام الجاري في صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة في صنعاء، وعددها 14 محافظة، وفق البيانات التي لدى البرنامج.
وتتركز النسبة الأكبر، بحسب الورد، في ذمار وإب ورداع، ثم محافظة صنعاء وأمانة العاصمة.
أما الوفيات المسجلة خلال الفترة نفسها فبلغت 13 حالة وفاة.
أرقام كهذه تجعل من ظاهرة الكلاب الضالة أكثر من مجرد مشكلة نظافة أو إزعاج في الأحياء والشوارع. إنها مشكلة صحة عامة تهدد حياة آلاف الأشخاص سنوياً، خصوصاً الأطفال.
والمشكلة أن الخطر لا يتوقف عند لحظة العضة، فالمصاب يحتاج إلى سلسلة من الإجراءات والجرعات في الوقت المناسب، وقد يحتاج، بحسب طبيعة الإصابة، إلى المصل واللقاح معاً.
لكن المشكلة في اليمن أن توفير هذه المواد لا يوازي حجم الاحتياج.
يقول الورد إن الاحتياج السنوي يتراوح بين 35 و40 ألف جرعة لقاح، فيما لا تستطيع الوزارة توفير أكثر من 8 إلى 10 آلاف جرعة، أي ما يقارب ربع الاحتياج فقط.
وتصل الكميات المتوفرة، بحسبه، كل شهرين أو ثلاثة أشهر، بنحو ثلاثة إلى أربعة آلاف جرعة، ثم يجري توزيعها على المستشفيات الحكومية في 14 محافظة، مشيراً إلى أن هذه اللقاحات والجرع كانت في السابق تأتي من المنظمات، ولكن مؤخراً المنظمات أوقفت عملها في اليمن، وهو ما ضاعف من المأساة.
بحسب الورد ففي بداية آب/ أغسطس الجاري، حصل المستشفى الجمهوري بصنعاء على 200 جرعة ضمن حصة إجمالية بلغت ثلاثة آلاف جرعة للمحافظات، لكن المستشفى أبلغ الوزارة الأسبوع الماضي بأن الكمية نفدت بسبب كثرة الحالات.
والـ200 جرعة، وفق الورد، لا تكفي إلا لنحو 40 مصاباً، باعتبار أن المصاب يحتاج إلى خمس جرعات لقاح.
وهنا تظهر فجوة هائلة بين حجم المشكلة وحجم الاستجابة.

سوق سوداء
على الورق، اللقاحات توزع مجاناً في المستشفيات الحكومية، لكن عندما تنفد الكميات، يصبح المصاب أمام خيار آخر وهو الصيدليات الخاصة.
يقول الورد إن اللقاح عندما ينفد من المستشفيات الحكومية، تستغل بعض الصيدليات ذلك ويتحول الأمر إلى سوق سوداء، موضحاً بأن سعر جرعة اللقاح يتراوح بين خمسة وستة آلاف ريال، فيما يصل سعر جرعة المصل إلى نحو عشرة آلاف ريال.
وبما أن المصاب قد يحتاج إلى خمس جرعات لقاح، فإن تكلفة اللقاحات وحدها قد تصل إلى 25-30 ألف ريال، ومع إضافة المصل يقترب إجمالي التكلفة من 40 ألف ريال.
بالنسبة إلى أسرة محدودة الدخل، قد يكون هذا المبلغ كافياً لتحويل العضة من حادث قابل للوقاية إلى مأساة، حيث يقر مدير برنامج داء الكلب بأن معظم الذين يتعرضون للعضات ينتمون إلى أسر ظروفها المعيشية صعبة، وبعضهم بالكاد يستطيع توفير أجور المواصلات للوصول إلى المستشفى.
وهكذا يصبح الحصول على الوقاية مرتبطاً، في بعض الحالات، بالقدرة على الدفع.
من لا يملك المال ينتظر اللقاح المجاني، ومن ينتظر قد يخسر الوقت الذي لا يعوضه شيء.

داء لا يمهل أحداً
في السياق يرى الطبيب وهاج المقطري، استشاري الطب الباطني الحرج وأمراض الجهاز التنفسي، أن حالة حذيفة تحمل مؤشرات تستوجب التوقف عندها.
ويقول إن عضة نافذة للجلد في الوجه تصنف ضمن Category III exposure، وإن الطفل غير المطعم سابقاً يحتاج، إلى جانب غسل الجرح واللقاح، إلى مصل داء الكلب والأجسام المضادة، إضافة إلى الوقاية من التيتانوس.
ويؤكد أن المصل ينبغي إعطاؤه في أسرع وقت ممكن، ويمكن إعطاؤه حتى اليوم السابع بعد أول جرعة من اللقاح، مع أهمية تسريب أكبر قدر ممكن منه داخل الجروح وحولها.
وبناء على ذلك، يقول المقطري إن عدم إعطاء حذيفة المصل، إذا ثبت ذلك، يمثل ثغرة كبيرة تستوجب التحقيق.
كما يرى ضرورة التحقق من فعالية اللقاحات التي تلقاها الطفل، في حال ثبت أنه حصل على الجرعات المطلوبة، بما في ذلك طريقة تخزينها ومدى صلاحيتها.
لكن المقطري لا يحصر المشكلة في حالة واحدة، حيث يؤكد أن أربع حالات عضات كلاب ضالة سُجلت خلال أقل من أسبوع، وجميعها لأطفال، توفي أحدهم، مشدداً على أن الحالات التي يعرفها الناس أو تصل إلى الأطباء قد لا تمثل سوى جزء من الواقع.
ويضع المقطري جوهر المشكلة قائلاً: «الوقاية الأولى والأهم ليس بمعالجة الإنسان بعد تعرضه للعض، وإنما تكمن في منع وصول هذا الفيروس القاتل للإنسان من الأساس عبر مكافحة الكلاب الضالة».
وفي الشوارع، تستمر الكلاب الضالة في الانتشار.
بعد يوم واحد من وفاة حذيفة، تعرضت امرأة وشاب لعضات كلاب في المنطقة نفسها، وفق إفادات محلية. وفي محافظة إب تعرضت طفلة أخرى لعضة في منطقة قريبة من الرأس، بينما تواجه أسرتها مشكلة في توفير قيمة الجرعات.

من يحمي الأطفال من الكلاب الضالة؟
يقول مدير برنامج داء الكلب بوزارة الصحة إن البرنامج يوجه بين وقت وآخر مذكرات إلى الجهات المعنية بمكافحة الكلاب الضالة، ممثلة بصناديق النظافة، وإن تعاميم صدرت خلال تموز/ يوليو الماضي وآب/ أغسطس إلى عدد من المحافظات التي شهدت ارتفاعاً في أعداد العضات، بينها عمران وحجة والحديدة وإب وذمار والبيضاء وأمانة العاصمة ومحافظة صنعاء والمحويت.
لكن السؤال الذي تفرضه المأساة هو: ماذا حدث بعد هذه المذكرات؟ كم عدد الكلاب التي جرى التعامل معها؟ وما الخطة الحكومية المستدامة للحد من انتشارها؟ وما الجهة التي تتحمل مسؤولية التنسيق بين الصحة وصناديق النظافة والسلطات المحلية؟ وكم تبلغ الميزانية المخصصة لمكافحة الكلاب الضالة؟ وأين هي الحكومة مما يحدث؟
غياب الإجابات الواضحة يعني أن المواطنين سيبقون في مواجهة الخطر بأنفسهم.
والأمر لا يتعلق فقط بالأطفال الذين يخرجون للعب في الحارات. فمشهد الكلاب الضالة أصبح جزءاً من الحياة اليومية في مناطق عديدة، إلى درجة أن بعض الأسر باتت تمنع أطفالها من الخروج بمفردهم خوفاً من هجوم مباغت.