بشرى الغيلي / لا ميديا -
في ظل الأزمة الكهربائية المزمنة التي تعاني منها البلاد، والتي زادت حدتها مع استهداف العدوان المحطات الكهربائية وملحقاتها، جاء الاعتماد على الطاقة الشمسية كخيار بديل للحصول على خدمات الكهرباء، إلا أن الألواح الشمسية المخصصة لتوليد التيار الكهربائي، مع تجاهل المعايير الفنية وأنظمة التأريض، تحولت إلى أدوات جاذبة للصواعق الرعدية متسببة بحرائق وانفجارات مميتة داخل المنازل، وذهب ضحيتها العديد من الأشخاص.

العودة من حافة الموت
على بعد أمتار قليلة من الموت، نجا عبدالرحمن منصور (مديرية الشاهل بحجة) من صاعقة باغتته أثناء تواجده خارج المنزل.
«كنت خارج البيت وقت المطر والجو كان فيه رعد وبرق، فجأة ضربت الصاعقة قريب مني وحسيت بضربة قوية وبعدها فقدت الوعي»، هكذا يروي عبدالرحمن لـ(لا) تفاصيل نجاته، ورغم خطورة الإصابة وحيرة المحيطين يصحح بعض المفاهيم الخاطئة عن إسعاف الضحايا: «لما فتحت عيوني كنت مرمي على الأرض ومصاب والناس ساعدوني وأخذوني للعلاج، بعض الناس يسألوا هل الكهرباء بقيت في جسمي، الكهرباء ما تبقى في جسم الإنسان بعد الصاعقة والضربة تحصل في لحظة وبعدها يقدر أي شخص يساعد المصاب مباشرة، ومن بعدها صرت أنتبه أكثر وما أخرج إذا كانت العاصفة قوية».

صاعقة تنهي حياة ثلاثة أشقاء
أما أم أمين عجلان تصف فاجعتها لـ(لا) أنها فقدت ثلاثة من أبنائها بصاعقةٍ رعدية بالمحويت تقول: «كانوا ساهرين في مزرعتهم، وفجأة ضربت صاعقة قوية المكان بالقرب من المنزل الذي تعتليه منظومة طاقة شمسية، سقط أولادي الثلاثة في لحظتها ولم نستطع إنقاذهم».
بهذه الحوادث التي أنهت حياة ثلاثة أشقاء وهي حوادث ترافق مواسم الأمطار.. ورغم مسارعة الأهالي لاتهام منظومة الطاقة الشمسية بالتسبب المباشر في الحادثة، تضع الأم يدها على الجرح الحقيقي وتلخص جوهر الأزمة مضيفة لـ(لا): «علميا الألواح لا تصنع الصواعق، بل هي تفريغ كهربائي، لكن المنظومة تصبح خطيرة وتتضرر إذا افتقرت للحماية والتأريض الصحيح، لا أستطيع الجزم بدور الألواح دون فحص هندسي لمسار الصاعقة، ففي النهاية لم أشاهد غير ما حدث أمامي.. أولادي في المزرعة فارقوا الحياة».
تلك الغصة في حديث الأم المكلومة، تضعنا مباشرة أمام حقيقة التقرير: الصواعق لا تستهدفنا عمداً، لكن العشوائية وغياب التأريض في منظومات الطاقة الشمسية حولت أسطح منازلنا إلى مصائد صامتة للأرواح والممتلكات.
والتأريض: هو نظام حماية هندسي يعتمد على توصيل المنظومات الكهربائية، كالألواح الشمسية، بالأرض عبر أسلاك وقضبان معدنية.. ويهدف لتفريغ الشحنات الكهربائية الزائدة والمفاجئة الناتجة عن الصواعق أو التماسات بأمان في عمق التربة، مما يمنع الحرائق، ويحمي الأجهزة من التلف، وينقذ الأرواح من خطر الصعق المباشر. 

الاستهانة بالخطر!!
وفي ليلةٍ عاصفة لم تترك مجالا للنجاة، تحولت الأمطار في ريف الشرفين بمحافظة حجة إلى فاجعة مزدوجة.
«هذا العام وفي ليلة كان فيها المطر والرعد والبرق ضربت الصاعقة أحد البيوت، بعد الضربة مباشرة تجمعنا عند المكان وبدأنا نخرج المصابين، بعدها عرفنا أن أبا وأما وثلاثة أطفال ماتوا في البيت الأول، وفي أثناء ذلك أصابت الصاعقة البيت الثاني وتوفي رجل وزوجته وأصيب ثلاثة أشخاص»، هذا ما رواه لـ(لا) يحيى الشيخ علي (شخصية اجتماعية).
ورغم قسوة الحادثة لا يزال البعض يستهين بالخطر، ويضيف الشيخ لـ(لا): «الصاعقة تأتي بشكل مفاجئ والخطر يكون أكبر في الأماكن المفتوحة وقرب مصادر الكهرباء والأماكن المرتفعة، والناس تحتاج أن تعرف وسائل الوقاية وتطبقها وقت العاصفة».

حصيلة متصاعدة
في تتبع مستمر لحوادث الصواعق التي تضرب البلاد، يرصد التقرير تصاعدا مخيفا في أعداد الضحايا والخسائر المادية، حيث تشير الإحصاءات إلى وفاة 61 شخصا منذ يوليو الماضي. وفي الأسبوعين الماضيين، لقيت ثلاث نساء حتفهن بصاعقة رعدية بمديرية المعافر في محافظة تعز أثناء جلبهن للمياه، تزامنا مع وفاة شخصين وإصابة ثلاثة آخرين في حجة والحديدة.
ولم تقتصر الكارثة على الأرواح، بل امتدت لتؤكد خطر الصواعق المباشر على المنظومات الكهربائية والشمسية وهو ما يتقاطع مع فكرة التقرير، إذ احترقت المنظومة الضوئية والصوتية بالكامل في مسجد بمديرية الزيدية بالحديدة إثر صاعقة ضربته بشكل مباشر، بينما ضربت صاعقة أخرى جامعا في حجة، إلى جانب نفوق عدد من المواشي، وسط تحذيرات طبية ومحلية مستمرة بضرورة الابتعاد عن الأماكن المكشوفة ومصادر المياه أثناء اشتداد العواصف.

خطر غير مرئي
في ظل غياب الكهرباء تحولت ألواح الطاقة الشمسية إلى قنابل موقوتة بسبب تجاهل المعايير الفنية وأنظمة التأريض، فالألواح المعدنية المرتفعة تشكل بيئة مثالية لجذب التفريغ الكهربائي، وفي غياب التأريض تنتقل شحنة الصاعقة عبر الأسلاك والمحولات لتسبب حرائق وانفجارات مميتة داخل المنازل.
يفكك إبراهيم الهجري لـ(لا) المعتقدات الشعبية الخاطئة التي تضاعف الخطر وتغيب الوعي العلمي قائلا: «يعتقد البعض أن الصاعقة تصيب من يرتدي الأحمر، أو يشاهد المرايا، أو تستهدف المذنبين، وهذا لا يمت للعلم بصلة، فالصاعقة تفريغ لشحنات جوية تنجذب للمواد الموصلة والمواقع المرتفعة وليس للألوان أو البشر».
ويضيف: «الألواح الشمسية لا تخلق الصاعقة، بل تتحول لمسار مميت إذا لم تؤرض، وحتى مانعة الصواعق تصبح خطرا إضافيا يجذب الشحنات إذا لم توصل بنظام تأريض فعال».
وينفي الهجري لـ(لا) الشائعات حول ارتباط الصواعق بالضجيج أو استخدام الهواتف المحمولة مؤكدا: «الهواتف لا تجذب الصواعق إطلاقا، والوقوف عند النوافذ لا يشكل خطرا ما لم تحو هياكل معدنية، فالتعامل مع الظواهر الطبيعية يتطلب وقاية هندسية فعلية وليس الاستسلام للموروث الشعبي».

خط الدفاع
لتجنب الكارثة وحماية الأرواح والممتلكات، يحدد المهندس معمر الحطامي لـ(لا) خطوات هندسية دقيقة للوقاية، حيث يقول: «مانعة الصواعق هي خط الدفاع الأول لكنها لا تعمل إلا بتوجيه الشحنة للأرض، ويبدأ ذلك بتركيب رأس معدني مدبب في أعلى نقطة بالمبنى وربطه بسلك نحاسي سميك يمتد مباشرة إلى نظام تأريض احترافي».
ويضيف الحطامي: «التأريض يتطلب غرس قضيب نحاسي بطول مترين على الأقل في تربة رطبة لتكون المقاومة أقل من 10 أوم، ويجب استخدام واقيات الجهد الزائد داخل المبنى وفصل الأجهزة مؤقتا خلال العواصف، مع ضرورة فحص التوصيلات دوريا قبل موسم الأمطار على يد فني مختص».

 بنية تحتية موازية
لم تعد أزمة الكهرباء في اليمن مجرد انقطاع مؤقت، بل تحولت إلى واقع فرض على البلاد الاعتماد على الطاقة الشمسية كبنية تحتية موازية. يوضح خبير الطاقة الشمسية؛ المهندس محمد الشوافي لـ(لا) أن إنتاج الشبكة الوطنية انهار منذ عام 2015 لتهبط حصة الفرد من الكهرباء بنسبة 75٪، مما دفع لتعويض هذا الفراغ باستغلال الثروة الشمسية لتصل القدرات التراكمية المركبة إلى 4 جيجاواط بنهاية عام 2025.
ويكشف الشوافي عن أرقام ضخمة تعكس الاعتماد الكلي على هذا القطاع، مشيرا إلى أن حجم الاستثمار الحقيقي في السوق تجاوز 5 مليارات دولار، استحوذت منها القطاعات الزراعية والتجارية والسكنية على النصيب الأكبر، فيما بلغت قيمة استيراد المكونات خلال العقد الأخير نحو ملياري دولار تركزت أساسا على الألواح والبطاريات.
ورغم هذا النمو الذي عوض غياب المشاريع الحكومية يحذر الشوافي من الفوضى الفنية التي تضاعف المخاطر وتحول المنظومات إلى قنابل موقوتة.
ويضيف: «نواجه تحديات فنية وتنظيمية خطيرة أبرزها رداءة بعض المكونات المتداولة، وضعف التصميم والتحجيم الهندسي للمنظومات، وغياب الأكواد والمعايير الوطنية الموحدة».. مؤكدا أن المرحلة القادمة تتطلب عاجلا فرض معايير جودة صارمة وسياسة وطنية تحمي هذه الاستثمارات وتضمن استدامتها.

مانعات الصواعق
«بعد الصاعقة مباشرة شفنا دخان من الطاقات الشمسية حق مضخة الماء، جربنا نشغلها أكثر من مرة لكنها ما اشتغلت، المياه انقطعت عن المزرعة واضطرينا نوقف العمل وننتظر فحص المنظومة» هكذا يروي علي الجلال (مالك بئر) لـ»لا» تفاصيل تضرر مصدر رزقه.
ويعترف الجلال بالخطأ الفادح الذي يقع فيه أغلب المزارعين.. ويضيف: «السبب أنني وكل المزارعين الذين يركبون طاقة شمسية لا ننتبه لمانعات الصواعق، ونركب الطاقة الشمسية إلى الأجهزة مباشرة، وهذا خطأ كبير، أنا أعتمد على الطاقة الشمسية لتشغيل المضخة، وتعطل المنظومة يعني توقف المياه، وهذا يؤثر مباشرة على المزرعة وشغلنا».

أرقام
في مفارقة بين طفرة الطاقة وحصاد الأرواح، تكشف بيانات عام 2026 اتساعا غير مسبوق في الاعتماد على الطاقة الشمسية، حيث قفزت واردات اليمن من الألواح بنسبة 82.9٪ خلال النصف الأول من العام لتتجاوز القدرة التراكمية 500 ميغاواط وتغطي المنظومات قرابة 75٪ من منازل المدن ونصف منازل الريف.
هذا التوسع العشوائي تزامن مع كلفة بشرية باهظة كشفت عنها تقارير الرصد، ففي حين وثق الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر سقوط 187 ضحية بين قتيل ومصاب جراء كوارث الأمطار والسيول، سجلت الصواعق الرعدية وحدها أكثر من 61 حالة وفاة منذ منتصف يوليو وحتى مطلع سبتمبر الحالي، تركزت غالبيتها في محافظات حجة والحديدة والمحويت وعمران، لتؤكد الأرقام أن غياب معايير السلامة حول البديل المنقذ إلى خطر مميت يتربص بالمواطنين فوق أسطح منازلهم وفي حقولهم.
تحول الألواح الشمسية من طوق نجاة إلى مصائد للأرواح يضع الجهات المختصة أمام مسؤولية لا تقبل التأجيل لفرض معايير السلامة بقوة القانون، فتكلفة «التأريض» لن تعادل يوماً ثمن حياة تُزهق بلمحة بصر تحت سماء مكشوفة ورقابة غائبة.