بابٌ: للمندب.. لليمن.. للعالم
علي عطروس
لم يكن باب المندب يوماً مجرد ممر مائي، بل كان دائماً بوابة التاريخ. اليوم، يعيد اليمن كتابة سطوره على ضفافه: بابٌ للمندب، حيث تُفرض السيادة بالدم لا بالشعارات؛ وبابٌ لليمن، حيث يولد الوطن من رحم الحصار؛ وبابٌ للعالم، حيث تنكشف عورة الهيمنة الغربية أمام عقيدة الميدان. من هذا الشريان، تُعلن صنعاء أن قانون القوة لم يعد حكراً على أحد، وأن ضمير العالم -إن وُجد- هو هنا، يقف على الحدود، يحرسها بنبضه.


المارينز لصوص وجينز 
أكبر قوة عسكرية على الأرض لم تجد قبطاناً واحداً يقبل الإبحار في مضيق هرمز، فاستأجر البنتاغون سفناً تجارية مدنية، ووضع عليها جنود المارينز للتخفي، وأطفأ الأنوار وأجهزة التتبع، فتبحر في الظلام لتهريب النفط! رصدها الحرس الثوري وأطلق عليها النار وأصاب 8 جنود الإهانة ليست في الإصابة، بل في تحول البنتاغون إلى شبكة تهريب! 
 يقول الجنرال الأمريكي المتقاعد بتريوس: «خروج أمريكا من الشرق الأوسط يشبه محاولة مايكل كورليوني الخروج من عالم المافيا؛ كلما حاولت الابتعاد، تجد نفسك منجذباً إلى الداخل من جديد!».
بتريوس أدار مافيا المارينز في زمن سابق.


القرداتي وسيرك سبّاك تبوك
طائرة «بوينغ 737» تهوي هبوطاً حراً، بينما ركابها يفتحون الموبايلات بثبات انفعالي أسطوري ليلتقطوا مقاطع فيديو مع «سباك صحي إسرائيلي» قفز فجأة إلى قمرة القيادة وأزاح الكابتن بعد أن تذكر حلقة من برنامج وثائقي عن مخاطر السقوط! كل ذلك تحت مظلة إعلامية غربية/ عربية وجدَت إنسانيتها فجأة لتبكي على 174 صهيونياً أخذوا إجازة في دبي، وتتجاهل إبادة 150 ألف فلسطيني دون أن ترمش لها عين؛ لترسم في تبوك الحد الفاصل للإنسانية: غزة!
ها هنا تتجلى ذروة الإفلاس التحريري والسياسي؛ لتُختصر الحالة الرسمية العربية بالحكاية التهكمية للنواب حين سُئل عن سبب توقفه عن شتم الحكام، فأجاب بأنه بعدما عجز قاموس اللغات عن مجاراة الواقع، اكتشف أن أوسخ وأقبح مسبة يمكن أن تُقال لإنسان هي: «أنت حاكم عربي!». 


ميون.. جزيرة الكنز واللعنات
الحقيقة الاستراتيجية الوحيدة التي ترفض الانكسار وتُسقط كل أوهام الإمبراطورية: «الترسانة التي لا تطالها القنابل»... جغرافيا «ما فوق العقل» الممتدة من جنوب لبنان وباب المندب إلى جبال كشمير؛ حيث يجلس أبناء الأرض بثبات على أنقاض القواعد الاستعمارية، ليثبتوا للعالم أنه مهما حشدت أمريكا والرياض وأبوظبي الأكاذيب والتكنولوجيا الباهظة، فإن عقيدة الميدان وصمود باب المندب كفيلان بإسقاط المشروع الغربي وإخراجه من الخدمة للأبد! 
عقدة باب المندب العصية التي يعيد التاريخ تدويرها؛ فكما أصيب أسطول البرتغاليين قديماً بالجنون وشرب مياه البحر المالحة ومات عطشاً على صخور الجزيرة، وكما فر القراصنة واختلس عمال الفحم مخصصات السفن؛ تبخرت اليوم طموحات المقاولين الجدد وسقطت قواعدهم الجوية والاستطلاعية أمام الحقيقة الجغرافية الصارمة لأبناء الأرض! 


انتروبيا الهيمنة..حين تُسقط عقيدة الميدان قانون القوة الغربية
لم تعد الصورة الجيوسياسية لـ«الشرق الأوسط» والعالم، في خريف العام 2026، تحتمل مواربة الدبلوماسية ولا نفاق الشاشات؛ فالعالم لا يمر بـ»نقطة تحول» عابرة يمكن لخرائط واشنطن إعادة استيعابها؛ بل يلج حالة «انتروبيا جيوسياسية» عارمة - «حالة من الفوضى الشاملة والاضطراب الهيكلي غير القابل للعكس»، تفقد معها المنظومة الغربية بنيتها السلطوية وقدرتها الاستعمارية التاريخية على فرض الهرميات وصياغة التوازنات.
لقد أثبت الميدان الممتد من أوراسيا إلى البحر الأحمر أن التفوق التاريخي الذي تباهى به الغرب (الجماعي) لم يكن في جوهره سوى صراعات داخلية على توزيع الغنائم فوق الرقعة الأوروبية بين أجنحة الإمبراطورية الواحدة (بدءاً من «صلح وستفاليا» 1648، مروراً بالثورة الفرنسية ومؤتمر فيينا 1815، وصولاً إلى الحربين العالميتين). أما اللحظة الراهنة فتختلف جوهرياً؛ إذ تُنزع عجلة القيادة وسلطة القرار من أيدي الغرب قسراً وبشكل حاسم، ليتجه مركز ثقل القوة الدولي نحو الشرق والجنوب العالمي.
تتجلى هذه الانتروبيا في أبهى صورها داخل المستنقع الأوكراني؛ حيث تحول حلف الناتو والاتحاد الأوروبي إلى مشاهدي حصار أمام الواقع٤ الميداني الذي فرضته موسكو بضم دونيتسك ولوغانسك وزابوريجيا وخيرسون في أيلول/ سبتمبر 2022، جاعلةً كل حديث غربي عن «سلام وستفالي» قديم مجرد أضغاث أحلام. وتصل المهزلة ذروتها عند المقارنة بين التصريحات المسرحية التي تتباكى على خيرة القتلى، وبين ما كشفته تقنيات الاستطلاع الأوكرانية لمتطوعين وثقوا أكثر من مليوني قبر حديث، فيما يؤكد المحللون العسكريون أن خسائر كييف تفوق خسائر الجانب الروسي بأضعاف مضاعفة. وبينما يُساق الشبان الأوكرانيون كالطرائد مكبلين بالأصفاد من الشوارع إلى خطوط النار بلا زي أو تدريب، تصاب العواصم الأوروبية بهستيريا حرب مضحكة؛ فالمستشار الألماني يقرع طبول الحرب، بينما يتطوع 0.17٪ فقط من بين 300 ألف شاب ألماني للخدمة في «البوندسفير»، ويعجز جيشه عن جمع 5,000 متطوع لتشكيل لواء في لاتفيا! وتتوج هذه العزلة الغربية بنكث واشنطن اتفاقات «أنكوريغ» الشفهية التي كانت ستنهي الحرب منذ عام، ليتأكد للجميع أن الوعود الأمريكية لا تزن حبراً على ورق.
وفي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تستعرض عضلاتها البحرية بإبحار حاملة الطائرات «يو إس إس ثيودور روزفلت» بديلةً لـ»جورج واشنطن» نحو نطاق القيادة المركزية (CENTCOM)، كان الساحل الغربي لليمن ومضيق باب المندب يكتبان الفصل الأخير من أسطورة الهيمنة البحرية الأمريكية والغربية. لقد أدرك الأمريكي متأخراً أن الترسانة المادية التي تكلف المليارات تقف مشلولة أمام عقيدة قتالية صلبة واستقلال كامل للقرار العسكري السيادي. 



اليمن في ميكروسكوب الصحافة الدولية  تفكيك الهستيريا الجيوسياسية  حين حُطِّمت العدسة الاستعمارية
لم يكن التحول الملحوظ في شاشات وصحف الإمبراطورية الغربية مجرد صحوة صحفية طارئة، بل انكساراً مفهومياً حاداً أجبر غرف التحرير الأجنبية على إعادة ضبط عدساتها التحليلية. لقد سقطت سردية «الحرب الأهلية المنسية» و»الملف الإنساني المستجدى»، لتستبدل بها هستيريا جيوسياسية صريحة تقرّ بشرط واحد: اليمن لم يعد متغيراً هامشياً في الحسابات الإقليمية، بل أسر القوة العالمية وعقدة التحكم بموازين التجارة والطاقة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب. 
إن تتبع مضامين الصحافة الغربية والدولية خلال الـ72 ساعة الماضية يكشف أن السؤال الغربي لم يعد: «ماذا يحدث في اليمن؟»، بل تحول إلى هلع استراتيجي: «هل بات اليمن قادراً على إعادة ترسيم خرائط الإقليم وتفكيك منظومات الردع الغربية؟».
 صدمة «لوموند» الفرنسية
تُفزع صحيفة «لوموند» الفرنسية الشارع الغربي بتحليلها الصادر في 1 تشرين الأول/ أكتوبر بعنوان: «في اليمن.. السيطرة السريعة على مضيق باب المندب تكشف نقاط ضعف التحالف ضد الحوثيين». تتساءل الصحيفة بذهول عن سر انهيار جبهة الساحل الغربي في غضون تسعة أيام وصولاً إلى المضيق الاستراتيجي. 
إن ما تحاول الصحافة الغربية تسميته «هشاشة البنية القيادية وتعدد الفصائل» ليس في واقع الأمر إلا الفضيحة العسكرية المدوية لـ«الجيوش الورقية» وقوات البصمة البيومترية الموالية للتحالف. فحين تحرك المقاتل اليمني بوحدات مرنة، وتصنيع سيادي محلي مستقل، واستطلاع متطور، وضغوط صاروخية ومسيّرة تمهيدية، تبخرت تلك التشكيلات المرتزقة قبل وصول الطلقة الأولى. لقد انتقلت «لوموند» قسراً من سردية «مفاجأة التقدم» إلى تشريح الهشاشة البنيوية لمعسكر التحالف وسقوط رهاناته الميدانية عند الساحل.

 سخرية شبكة «دويتشه فيله» الألمانية
طرحت شبكة «دويتشه فيله» الألمانية السؤال التهكمي الأبرز في الشارع الدولي عبر تحليلين متتاليين:
الأول بتاريخ 30 أيلول/ سبتمبر: «هل ينتصر الحوثيون على السعودية؟». 
الثاني بتاريخ 1 تشرين الأول/ أكتوبر: «لماذا لا تستطيع السعودية هزيمة الحوثيين؟». 
تقف الماكينة الإعلامية الغربية مبهوتة أمام مفارقة مذهلة: ميزانية دفاع سعودية تتصدر الإنفاق العسكري الإقليمي، تقف مشلولة ومكشوفة أمام إرادة سيادية زاهدة التكلفة امتلكت الجغرافيا، وصنعت ردعها المستقل، وحوّلت عمق الخصم وبنيته التحتية إلى هدف دائم. لقد أدرك التحليل الدولي أن ضخامة الإنفاق والارتهان للحماية الأمريكية لا يمنحان عقيدة قتالية لمن يستأجر أمنه بالدولار، وأن صنعاء أعدّت نفسها لخوض معركة استنزاف طويلة تفرض فيها خياراتها السيادية على طاولة أي مفاوضات مقبلة. 
 رصد وكالة «أسوشيتد برس»، ووكالة «رويترز»
رصدت وكالة «أسوشيتد برس» الأمريكية القتال الميداني المتصاعد في أحياء تعز الشرقية وقطع الطرق الحيوية، مشيرة إلى أن تعز أصبحت نقطة تماس استراتيجية مقابلة للساحل الغربي. كما تابعت تحركات المبعوث الأممي هانس غروندبرغ في مسقط والرياض، وقضية اعتقال مهندس وزارة الطاقة الأمريكية المتهم بمحاولة دعم صنعاء. 
وتابعت وكالة «رويترز» العالمية رواية قيادة التحالف السعودي التي اتهمت صنعاء باستهداف محطة كهرباء في المدينة المنورة، والنفي القاطع من صنعاء، ما أظهر ارتباك حرب الروايات السعودية المتخبطة التي تحاول تغطية انكساراتها الميدانية في تعز والساحل بصياح إعلامي زائف. 

 استصراخ اليمامة وتفكك المحاور الإقليمية
تظهر الرياض في رصد المؤسسات الإعلامية الدولية ككينونة مأزومة تبحث عن مظلات حماية جديدة:
 - موقع «المونيتور» الأمريكي: 
سلط الضوء على اختبار استراتيجية الأمن السعودية تحت عنوان: «مكاسب الحوثيين في اليمن تختبر استراتيجية الأمن السعودية»، كاشفاً جولات التحرك التركي والإقليمي. 
- صحيفة «ستريتس تايمز»، ومنصة «سيمافور»:
رصدتا هرولة اللقاءات بين الرياض وأبوظبي (اجتماع محمد بن سلمان ومنصور بن زايد) لتجاوز الخلافات العميقة تحت وطأة التهديد اليمني الضاغط، ليتأكد أن اليمن بات الفاعل القسري الذي يعيد ترتيب العلاقات الخليجية. 
 - صحيفة «آسيا تايمز»، وموقع «إنتليجنس أونلاين»:
أكدا أن السيطرة السيادية على المخا وميون وأرخبيل زقر وحنيش وسّعت نفوذ صنعاء المباشر على كامل الممر المائي الممتد من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي والمحيط الهندي، وسط نقاشات أوروبية مكثفة لتأمين الملاحة. 
 وكالة سلامة الطيران الأوروبية:
أصدرت تحذيرات ملاحية لشركات الطيران بشأن المجال الجوي السعودي؛ ما نقل الخطر من جبهات اليمن الميدانية إلى مكاتب تقييم المخاطر الدولية.

 اليمن الذي أعاد كتابة الصفحة الأولى
الخلاصة التفكيكية لرصد الـ72 ساعة: لم يعد السؤال الدولي هو عما إذا كانت الحرب اليمنية قد تجددت، بل ماذا يعني أن يمتلك اليمنيون مفتاح باب المندب والسيادة على الساحل. 
لقد خرج اليمن نهائياً من خانة «الحرب المنسية» والملفات الإنسانية المستجداة، ليتصدر الصفحة الأولى في غرف التحرير الأجنبية كـ«عقدة السيادة العالمية»؛ إذ تتشابك عنده مصالح واشنطن والرياض وأوروبا والقرن الأفريقي، بينما يقف المقاتل اليمني على ضفاف باب المندب ليفرض معادلته السيادية، ويرغم العالم على قراءة المنطقة بلغة صنعاء وبشروطها. 




ميدل بيست صحابـــة 
كلما تقدمت القوات المسلحة اليمنية خطوة في الميدان وطردت قوات العدوان، يخرج الإعلام السعودي ليقول إنها تقصف المقدسات! تقدمت نحو المخا فقالوا: استهدفت مكة! تقدمت نحو تعز قالوا: استهدفت المدينة المنورة! وحينما تستعيد مأرب ماذا سيقولون؟ ربما سيصيحون بأنها استولت على الركن اليماني!
وبين هذا وذاك ثمة تداعي دراماتيكي يجمع بين إفلاس 26 شركة تأمين بلمسة زر سحرية - تلك الشركات التي أمرها ابن سلمان بتغطية وتأمين سفن الشحن في البحر الأحمر لتحدي الحصار، فكانت النتيجة انهيارها وإفلاسها دفعة واحدة؛ واستصراخ «حلف مكة» الذي اكتشف مؤسسوه أنه تحالف بلا مقر وبلا تحويلة هاتف، مع إضافة 36 ألف دولار لجراحة «غمّاز الخد الأيسر» لمعمر الإرياني، بينما الجبهات تتهاوى فيما بعد الساحل، وإذ بنفحة بخور (بلاستيكية) مفاجئة حيث يُلغى مهرجان «مدل بيست ساوندستورم» الموسيقي بسبب انكماش الميزانيات وتفاقم المخاوف الأمنية، ويُعاد فوراً فتح مكبرات الصوت لاستحضار سير الصحابة في المساجد بعد 12 عاماً من الشطب والاستبدال ببرامج الترفيه واستجمام النجوم قرب الحرمين! 
فضيحة أخرى من الفضائح الممتدة من زيفٍ إلى زورٍ تتسلق ها هنا... الإنفاق العسكري الخليجي؛ إذ تُنفق الرياض 83 مليار دولار في عام واحد لتتصدر قائمة الإنفاق في الشرق الأوسط وتشتري مقاتلات (F-35) وصواريخ باتريوت بمليارات الدولارات، لتبحث في النهاية عن شركات أمنية استخباراتية تجلب مرتزقة من كولومبيا وسورية لترميم جبهات المخا وجبل النار بعد تبخر قوات «جنود الخيال»! 



طريـــق لا تظهــــره الخرائــــط ولا يعرفه شهباز شريف 
حين شق خبر استشهاد أمين عام حزب الله، سماحة السيد حسن نصر الله، صمت جبال كشمير، خرج الوادي عن بكرة أبيه في مسيرات حداد عارمة؛ أُغلقت المحال التجارية دون أوامر، ورُفعت الرايات السوداء، وارتفع هتاف الأوردية الشهير في الشوارع: «شمیر بنا حزب الله» (ستصير كشمير حزب الله). 
لم تكن تلك الصلة بين الجنوب اللبناني وجبال كشمير مجازاً خيالياً؛ فقد قطع الأمين العام السابق لحزب الله، الشهيد السيد عباس الموسوي، تلك الطرق بنفسه عام 1990، وجلس مع رجال كشمير وقياداتها المسلحة أحراراً قبل أن تعرفهم كتب السياسة ونشرات الأخبار. وفي مطلع التسعينيات، ظهرت في الوادي جماعة مسلحة حملت اسم «حزب الله»، وقادها مقاتلون من أهل السُّنّة، في دلالة على أن نموذج المقاومة قطع الفافيات بلا أختام جوازات. 
تكمن العبرة الوجودية في التعبير الذي حفظته عن أمي المجاهدة: «ما فوق العقل». الاستعمار والطغيان لا يكتفيان باحتلال الأرض، بل يحاولان احتلال حدود «الممكن والعقلاني»؛ ليقولا للمقهورين إن ميزان القوة المادي حقيقة أبدية لا تتغير. وهنا جاء سماحة السيد حسن نصر الله ومقاومته ليثقبوا وهم الشمولية الاستعمارية، ويثبتوا أن «القوة لله»، وأن القلة اليقينية قادرة على إسقاط أعتى الترسانات الاقتصادية والعسكرية. 
ولعــــــل الـــــدرس الأبلغ يكمن في التكتيك الاستراتيجي الرفيع الذي ابتكرته فصائل المقاومة في كشمير لإسقاط سياسة الاحتلال الهندي (فرّق تسد)؛ فعندما كانت أجهزة أمن الاحتلال تقتل شخصيات شيعية لبث الفتنة والشقاق المذهبي بين أبناء البلد الواحد، كانت الفصائل الشيعية تسارع وتبادر بالإعلان الرسمي لمسؤوليتها عن تلك العمليات (حتى التي لم تنفذها فعلياً!). كان الهدف الاستراتيجي الهجومي هو سلب المحتل القدرة على توظيف دماء الضحايا في صياغة رواية الفتنة الطائفية، والإصرار الصارم على إبقاء حدود المعركة جليّة بين المحتل والشعب المقاوم بكل أطيافه. إنه تجسيد عملي لمفهوم «ما فوق العقل»: تجاوز موازين المادة والحدود الظرفية التي يفرضها المحتل، والإيمان بنموذج مقاوم يثقب وهم الشمولية الاستعمارية ولا يجعل المذهب أو الجغرافيا سقفاً لهويته ونضاله. 
* أبو برهان الكشميري - بتصرف عن «الأخبار» 
اللبنانية 




سؤالك هـو الجـواب.. هــو الضميـر
سؤالك هذا هو الجواب نفسه: ضمير العالم!
لم يُخلق بعد؛ أو ربما خُلق، لكنه بيع في مزاد علني.
حين مات ربع مليون فلسطيني في غزة، لم يتحرك الضمير. حين حوصر 30 مليون يمني، لم يتحرك الضمير. حين غرقت سفن، وقُتل بحارة، وقُصف أطفال، لم يتحرك الضمير... لكن حين ارتفعت أقساط التأمين على السفن، تحرك العالم كله. وحين انخفضت أرباح شركات الشحن، انعقدت قمم طارئة. وحين اقترب الخطر من مضيق باب المندب، استيقظ «المجتمع الدولي»...
هذا ليس ضميراً. هذا حساب أرباح وخسائر. ضمير العالم الحقيقي ليس في مجلس الأمن، ولا في البيت الأبيض، ولا في الإليزيه، ولا في قناة «العربية» أو «سي إن إن»... ضمير العالم الحقيقي هو أم يمنية تبحث عن طعام لأطفالها في مخيم النزوح؛ هو طفل فلسطيني تحت الأنقاض؛ هو طبيب في مستشفى بلا كهرباء ولا دواء؛ هو صحفي يُقتل لأن صوته أعلى من صوت المدفع...
أما «المجتمع الدولي» -ذلك الوهم الذي يُستدعى عند الحاجة ويُخفى عند الضرورة- فهو مجرد نادٍ للمنتصرين، ومحكمة للمهزومين.
أنت تسأل: أين ضمير العالم؟
أنا أسأل: هل كان موجوداً يوماً ما؟
ربما في مكان ما، في قرية بعيدة، في قلب إنسان بسيط لا يملك سلاحاً ولا نفطاً ولا فيتو... هناك ضمير صغير يبكي على ما يحدث؛ لكنه لا يُبث على الشاشات؛ لأن الشاشات ممملوكة لمن يدفع أكثر.
تحياتي لك، يا من ما زال يسأل.
سؤالك نفسه... هو ضمير.

* إجابة على سؤالي: أين ضمير العالم؟ من قبل أحد تطبيقات الذكاء الإصطناعي الصينية بعد نقاش طويل بيننا.