ماذا سيصنع التحالف البحري السعودي؟!
- إسحاق المساوى الأثنين , 10 أغـسـطـس , 2026 الساعة 12:44:43 AM
- 0 تعليقات

إسحاق المساوى / لا ميديا -
منذ العام 2015 وحتى اليوم تشكلت بالمنطقة البحرية الاستراتيجية الممتدة من البحر الأحمر إلى باب المندب إلى خليج عدن والبحر العربي، سلسلة من التحالفات والمبادرات الدولية البحرية، لكنها لم تتوحد قط في إطار واحد، وهي تحالفات بحرية يقودها ثلاثة أقطاب دولية وإقليمية.
القوات البحرية المشتركة، و«التحالف العربي»، والتحالف الدولي لحماية الملاحة البحرية، وعملية «حارس الازدهار»، وعملية «أسبيدس»، وأخيراً التحالف البحري الدفاعي بقيادة السعودية، الذي أعلن عنه في تموز/ يوليو 2026.
هذه التحالفات تتشابه جميعها بالأهداف المعلنة، وتندمج أغلبها بالتحالف البحري الأم (القوات المشتركة)؛ لكن ثمة أسباب حالت دون توافق هذه التحالفات على هيكل واحد، يمكن إجمالها في بُعدين رئيسيين:
الأول: البعد السياسي، إذ ترغب أوروبا في نوع من الاستقلالية، وبالتالي أنشأت دولها الكبرى (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا) عملية «أسبيدس» بغطاء سياسي وقانوني خاص، بينما أمريكا حرصت على قيادة العمليات الهجومية «حارس الازدهار» بشكل منفصل، لتتمكن من تنفيذ ضربات عسكرية ضد اليمن دون الحاجة إلى موافقة الشركاء الأوروبيين أو الخليجيين. في ختام ذلك، تجلت رغبة سعودية في القيادة الإقليمية؛ فأنشأت تحالفاً بحرياً تحت مظلتها الخاصة، لإثبات قدرتها على لعب دور قيادي إقليمي في ملف الأمن البحري، خاصة بعد عودة العلاقات مع تركيا ومصر.
أما البعد الثاني فهو تشغيلي، إذ تتباين التفويضات، فبينما كانت «حارس الازدهار» عملية هجومية، و«أسبيدس» عملية دفاعية بحتة، جاء التحالف السعودي الدفاعي بتفويض تنسيقي فضفاض، ما جعل من المستحيل دمجه في قيادة عملياتية موحدة. يضاف إلى ذلك غياب آلية قيادة موحدة، فكل تحالف يعمل بغرفة قيادة مستقلة، وقواعد اشتباك مختلفة، ما يضعف التنسيق ويخلق فوضى تشغيلية في المسطح المائي نفسه.
يُعد التحالف البحري «السعودي» هو الأحدث والأكثر إثارة للجدل؛ لأن الدعاية التي رافقته أكبر من مقاسه على الأرجح. ولعل قراءة دقيقة في بيانه الرسمي الأول تكشف عن هشاشة بنيوية تحد من فاعليته.
ركّز البيان على تحديد النطاق الجغرافي بخليج عدن، ومضيق باب المندب، والبحر الأحمر فقط، متجنباً ذكر مضيق هرمز والخليج، وهي المنطقة التي تتمحور حولها أزمة إمدادات الطاقة، وتمر عبرها أغلب صادرات وواردات دول الخليج. ما يعكس رغبة سعودية في تجنب الصدام بإيران في منطقة نفوذها المباشر، وفي تحاشي تصدر الموقف بالنيابة عن دول الخليج.
الأمر الآخر: جاءت المشاركة الدولية في هذا التحالف محدودة جداً، بالنظر إلى حضور الاجتماع ممثلي 43 دولة ومنظمة، لكن لم تنضم للتحالف سوى 14 دولة فقط (جميعها عربية وإسلامية)، بينما غابت الإمارات وعُمان عن المشاركة تحاشياً للصدام مع اليمن في البحر الأحمر الذي يشكل مصلحة سعودية أكثر من كونها مصلحة خليجية جامعة، وهذه أول ثغرة في هذا التحالف.
تجلت الهشاشة البنيوية لهذا التحالف أكثر في ما نص عليه البيان، أن «المشاركة في أنشطة التحالف وعملياته تبقى قراراً سيادياً لكل دولة وفقاً لقوانينها الوطنية». هذا يعني غياب القيادة العملياتية الموحدة، وأن اتخاذ القرار العسكري لن يكون بتوجيه سعودي، ولا حتى بإلزام أعضائه بدعم السعودية إذا تعرضت سفن الأخيرة لأية مخاطر.
هذا التحالف يمنح السعودية زخماً إعلامياً على غرار الاتفاق النووي مع أمريكا، ويفتح باباً للتعاون مع دول غير غربية (تركيا، باكستان، مصر) في ملف بحري حساس، لكنه يفتقر إلى آليات دفاع حقيقية، خاصة في ظل عدم التزام أعضائه بتوجيه السعودية أو بالدفاع عنها، ما يجعله أشبه بإطار تنسيقي فضفاض أكثر منه تحالفاً عسكرياً فاعلاً.
في ظل هذا التشرذم المؤسسي، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل كافة التحالفات البحرية بمختلف الجنسيات، الأمريكية والأوروبية والإقليمية بقيادة السعودية؛ الأول: استمرار التشرذم مع تحسن محدود في التنسيق الثنائي بين التحالفات، دون الوصول إلى هيكل موحد، ما يبقي الوضع الحالي كما هو عليه.
الثاني: تصاعد التنافس بين التحالفات نفسها، إذ تسعى كل قوة لتوسيع نفوذها في المنطقة على حساب الأخرى، ما يضعف الأمن البحري ككل، ويزيد فرص حدوث احتكاك أو سوء تقدير بين السفن الحربية التابعة لتحالفات مختلفة.
أما السيناريو الثالث فهو «أسلمة» و»عربنة» الصراع على الممرات البحرية الهامة، إذ يُستنزف التحالف الإقليمي بقيادة السعودية، بينما تبقى القوى الغربية الكبرى على الحياد، ما يمنح الأخيرة قدرة على فرض السيطرة، والهيمنة على حلفائها في المنطقة العربية والإسلامية، من خلال البقاء كحكم، أو كلاعب أخير.
يشابه التحالف البحري الجديد تحالف «عاصفة الحزم»، ومن المرجح أن تتشابه النتائج أيضاً. وطالما أن التحالفات الغربية الكبرى بقيادة أمريكا أو أوروبا فشلت في تحقيق أهدافها من خلال «حارس الازدهار»، و«أسبيدس»، فماذا سيصنع تحالف بقيادة السعودية قد لا تسعف هشاشته البنيوية في بقاء هيكله، فضلاً عن إحداث تحول بحري حقيقي؟!










المصدر إسحاق المساوى
زيارة جميع مقالات: إسحاق المساوى