تقرير / لا ميديا -
في مشهد يعكس بوضوح حقيقة ما يجري خلف الشعارات الزائفة عن «التهدئة» في غزة وما يسمى «اليوم التالي»، تتكشف الوقائع الميدانية والسياسية على حد سواء لتؤكد أن العدو الصهيوني، بدعم أمريكي مباشر، لا يزال يمارس سياسة القتل المنهجي، وفرض الوقائع بالقوة، وإدارة حرب إبادة بطيئة لا تقل وحشية عن الإبادة المفتوحة.
ميدانياً، تتواصل الخروقات الصهيونية لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي أعلن دخوله حيّز التنفيذ في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وسط ارتقاء شهداء وجرحى بنيران قوات الاحتلال في مناطق انسحب منها بموجب الاتفاق.
مصدر طبي قال إن شاباً فلسطينياً استشهد، أمس الأحد، متأثراً بجروح أصيب بها في قصف لقوات الاحتلال على مدينة خان يونس جنوبي القطاع، في حين أُصيب سبعة فلسطينيين على الأقل بالرصاص الحي في خان يونس، ومدينة غزة، ودير البلح، في حوادث متزامنة تؤكد أن «الانسحاب الإسرائيلي» لم يكن سوى إعادة تموضع لإدارة القتل عن بُعد.
وأفادت مصادر طبية وشهود عيان بأن قوات الاحتلال استخدمت طائرات مسيّرة، من بينها طائرات «كواد كابتر»، لإطلاق النار على مدنيين في مناطق المواصي و»نتساريم» وشارع المزرعة، وهي مناطق يفترض أنها مشمولة بالتهدئة. هذا النمط من الاستهداف، الذي يجمع بين القنص الجوي وإطلاق النار من الآليات، يعكس عقيدة عسكرية للعدو الصهيوني لا ترى في الفلسطيني سوى «هدف مشروع»، حتى في ظل اتفاقيات يفترض أنها برعاية دولية.
ولا يقتصر التصعيد على إطلاق النار، بل يتعداه إلى مواصلة نسف مبانٍ سكنية، وقصف مدفعي طال أحياء في مدينة غزة وشمال القطاع.
على صعيد آخر، أفرجت قوات الاحتلال الصهيوني، أمس، عن 7 مواطنين من قطاع غزة.
وأفادت مصادر محلية بأن الأسرى المفرج عنهم وصلوا مستشفى شهداء الأقصى وسط القطاع عقب الإفراج عنهم.

من الإبادة إلى الوصاية
سياسياً، يتزامن هذا المشهد الدموي مع تحركات أمريكية متسارعة لإعادة هندسة قطاع غزة وفق الرؤية الأمريكية – «الإسرائيلية»، تحت عنوان «اليوم التالي». فإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمضي قدماً في ترتيبات تتعلق بإدارة الشؤون المدنية والأمنية في القطاع، بمعزل عن إرادة الفلسطينيين.
وفي هذا السياق، أعلنت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين التزامها بتنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، واستعدادها للانتقال إلى المرحلة الثانية، رغم المماطلة «الإسرائيلية» واستمرار الخروقات. غير أن الحركة عبّرت عن صدمتها من تشكيل ما يُسمّى «مجلس السلام»، معتبرة أن تركيبته جاءت «وفق المواصفات الإسرائيلية» وبما يخدم مصالح الاحتلال، في مؤشر واضح إلى نوايا مبيّتة لإفراغ الاتفاق من مضمونه وتحويله إلى أداة سياسية لإعادة إنتاج السيطرة.
وبالفعل، تكشف تركيبة «مجلس السلام» الذي أعلنه البيت الأبيض عن حقيقة المشروع. فالمجلس، بشقّيه المؤسس والتنفيذي، يضم أسماء يهودية وصهيونية بارزة، بعضها عبّر علناً عن دعمه لقوات الاحتلال وعدوان الإبادة ضد الفلسطينيين، فيما يغيب عنه أي تمثيل فلسطيني. وفي المجلس التنفيذي، عُيّن رجل الأعمال الصهيوني ياكير غاباي، في مشهد يلخّص عقلية الوصاية الاستعمارية: إدارة غزة بلا غزة، وإعادة إعمار بلا أصحاب أرض.
وتضم قائمة الأسماء شخصيات مثل ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، ومارك روان، إلى جانب الحاخام أرييه لايتستون وجوش غرينباوم، وكلهم مرتبطون بشكل مباشر أو غير مباشر بمشاريع التطبيع، ودعم «إسرائيل» سياسياً ومالياً وأيديولوجياً. بعضهم ساهم في «صفقة القرن»، وآخرون في تأسيس آليات مساعدات تحوّلت إلى مصائد موت، كما هو حال «مؤسسة غزة الإنسانية» التي ارتبط اسمها بسقوط آلاف الضحايا.

توسع سرطاني في الضفة
في الضفة الغربية المحتلة، لا يقل المشهد خطورة؛ إذ كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية عن استيلاء الاحتلال على نحو 695 دونماً من أراضي الفلسطينيين بين سلفيت وقلقيلية، لإقامة حي استيطاني جديد قرب «مستوطنة كرني شومرون». هذه الخطوة، التي توصف «إسرائيلياً» بأنها «ذات أهمية استراتيجية عالية»، تهدف عملياً إلى قطع التواصل الجغرافي بين المدينتين، وتحويل التجمعات الفلسطينية إلى جزر معزولة، في ضربة مباشرة لأي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً.
ووفق المخططات الصهيونية، يُتوقع أن يضم المشروع آلاف الوحدات الاستيطانية، مع ربط شبكة الطرق الاستيطانية ببعضها، بما يحاصر القرى الفلسطينية ويخنقها ديموغرافياً واقتصادياً. وخلال ولاية الحكومة الصهيونية الحالية، أُقيمت 69 مغتصبة في الضفة الغربية المحتلة، بينها نحو 20 مغتصبة جديدة بالكامل، في تصعيد غير مسبوق لسياسة فرض الأمر الواقع.
تصريحات قادة الاستيطان لا تترك مجالاً للشك. فقد قال رئيس مجلس «كرني شومرون» الاستيطاني إن هذه الخطوات «تكبح الحلم الوهمي بدولة فلسطينية»، في اعتراف صريح بأن الهدف سرقة فلسطين بشكل كامل.
هكذا، من غزة المحاصرة بالنار، إلى الضفة المقطّعة بالجدران والمغتصبات، تتكامل الأدوار بين «إسرائيل» التي تنفذ، والولايات المتحدة التي ترعى وتغطي. ما يجري ليس سوء إدارة ولا إخفاق اتفاقات، بل مشروع متكامل لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية بالقتل والحصار والجرائم المتنوعة، وإدامة حالة الإبادة البطيئة، تحت عناوين السلام والاستقرار وإعادة الإعمار.