سورية.. اللامركزية بهدوء
- تم النشر بواسطة خاص / لا ميديا
دمشق - خاص / لا ميديا -
في الجدل المتواصل في سورية، منذ انهيار نظام الرئيس بشار الأسد، ومجيء حكومة «هيئة تحرير الشام»، والفصائل المسلحة المتحالفة معها، بقيادة أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع) حول هوية ومستقبل سورية، بين أن تكون دولة مقسمة، أو فيدرالية، أو لامركزية، يبدو أن الأمور تتجه الآن، نحو اللامركزية.
أكد ذلك التطورات الأخيرة في سورية، وتحديداً منذ الصدامات العسكرية، التي جرت بين وحدات من الفصائل، التي يتشكل منها الجيش السوري الحالي، مسنودة بالعشائر، وقوات سورية الديمقراطية «قسد» والتي كانت برعاية وإشراف وإخراج أمريكي، عبر عنه المبعوث الأمريكي إلى سورية، توماس باراك، وبشكل فاجأ الجميع، بأن دور «قسد» بالشكل الذي كانت عليه، كتنظيم تم تشكيله، برعاية ودعم وتسليح أمريكي، كحليف محلي لمحاربة تنظيم «داعش» انتهى، مع دخول حكومة الجولاني وبشكل رسمي، فيما يُسمى «التحالف الدولي لمحاربة داعش»، بقيادته الأمريكية، وهو ما أدى إلى انتهاء الحاجة لـ«قسد» لأداء هذا الدور، لكن تأثير «قسد» السياسي والتشابكات الإقليمية والمطالب المحقة التي يرفعها الكرد، والتي تتلاقى مع مطالب شرائح واسعة من المجتمع السوري، أبقت على الدور والتأثير السياسي لـ«قسد»، إضافة إلى ما بقي لها من وجود عسكري في المناطق ذات الأغلبية الكردية، وهو ما أوجد توافق حوله، في الاتفاق الذي جرى بين الحكومة السورية و»قسد» برعاية إقليمية ودولية، قضى بسيطرة حكومة الجولاني على المنطقة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وفق صيغة تتحقق فيها شروط الدولة اللامركزية، التي تفضلها معظم المكونات السورية وترضي القوى الإقليمية المؤثرة في الملف السوري، وفي مقدمتها تركيا التي تتخوف من أي حلول سورية تتجاوز ذلك، بسبب ترابط وتشابه الوضع في البلدين، وما يطبق في سورية سيطبق في تركيا.
كما أن حكومة الجولاني بدأت فور الانتهاء من موضوع «قسد» بتطبيق إجراءات في الساحل السوري تتوافق مع خيار اللامركزية، حيث بدأت باستدعاء عناصر وضباط من الشرطة السابقة، وإعادتهم إلى الخدمة للعمل في مناطقهم، وخاصة في مراكز الشرطة، كما بدأت بالإفراج على دفعات عن المئات من العناصر والضباط الذين تحتجزهم منذ سقوط النظام، ومعظمهم من منطقة الساحل، بعد استجابتهم لطلب السلطة الجديدة بتسليم أسلحتهم وإجراء تسوية، لكنها خذلتهم وألقت القبض عليهم، ويقدر عددهم بحوالي عشرة آلاف عنصر وضابط، وهو ما يشكل أحد شروط القوى السياسية والاجتماعية في الساحل السوري للتصالح مع السلطة.
كما تم الحديث، عن وساطات تجري بين الحكومة والشيخ غزال غزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي في سورية والمهجر، للتوصل إلى توافقات بين الجانبين، لكن هذه الوساطات لم تصل إلى نتيجة حتى الآن، بسبب الخلاف على عدة نقاط، من أهمها المطالبة بسحب الفصائل المتشددة من منطقة الساحل، وهو ما رفضته السلطة، لكن الحديث عن الوساطات لم يتوقف، مع معلومات عن دخول فرنسا على الخط لتطوير التواصل والتفاوض بين الجانبين، وهو ما يتوقع أن يصل إلى نتيجة إيجابية، خاصة وأن الوضع في الساحل ليس بالتعقيد الموجود في مناطق شرق الفرات التي كانت تحت سيطرة «قسد»، وفي السويداء التي يتدخل فيها العامل «الإسرائيلي» بقوة، وبسبب عدم وجود مطالب انفصالية في الساحل، والتشابك الموجود بين المنطقة وباقي الجغرافيا السورية، وخاصة دمشق، والذي يعزز خيار اللامركزية، ويمكن أن يلاقي قبولاً ورضا من الطرفين، رغم رفع الشيخ غزال لشعار «الفيدرالية» كسقف أعلى للمطالب.
ولاستكمال هذه الخطوات، يتوقع قريبا فتح ملف السويداء، وبسيناريو قريب من الطريقة التي تمت بها معالجة ملف المنطقة الشمالية الشرقية التي كانت تحت سيطرة «قسد»، مع محاولات لتجنب صدامات دموية بين الجانبين، ويتوقع أن يتضمن سيطرة حكومة الجولاني على كامل المنطقة مقابل تطبيق الإجراءات حول اللامركزية، مع معالجة موضوع القيادات والسياسيين الذين قادوا الصدام المسلح الذي جرى بين الجانبين، وشهد مجازر مروعة بحق المدنيين في السويداء، وتدخلت فيه قوى إقليمية ودولية، كان في مقدمتها «الإسرائيلي»، حيث قصفت الطائرات «الإسرائيلية» أرتال (فزعات) العشائر التي كانت قادمة لمساندة قوات حكومة الجولاني، مما أدى إلى تراجعها وخروج السويداء عن سيطرتها، بانتظار إيجاد حل للوضع فيها، وأدى أيضاً إلى انعدام الثقة بين المجتمع المحلي والسلطات، وقواتها العسكرية والأمنية، وارتفاع المطالب الانفصالية، ودعوة الحكومة «الإسرائيلية» للتدخل والحماية.
قد لوحظ انكفاء «إسرائيلي» واضح حول السويداء، حيث تتجاهل حكومة نتنياهو مطالبات التدخل والحماية التي أطلقتها فعاليات محلية، ومظاهرات شهدتها المدينة وعدة مناطق في المحافظة، بعد قصف تعرضت له بعض مناطق المحافظة، رغم تأكيد نتنياهو وأركان حكومته (السياسيين والعسكريين) بأنهم لن يتخلوا عن السويداء، وتعيين شخصية عسكرية وسياسية درزية كبيرة مسؤولة عن ملف السويداء والدروز، الذين يتواجدون في سورية ولبنان الأردن وفلسطين المحتلة، وهذا يؤكد تقدم خيار اللامركزية بقرار إقليمي ودولي على غيره من المشاريع الأخرى، بما فيها المشروع «الإسرائيلي» التقسيمي في سورية.
ومما يؤكد ذهاب الأمور بهذا الاتجاه، المعلومات والتقارير الإخبارية العديدة، التي تتحدث عن تشكيل حكومة بعد شهر رمضان المبارك، وارتفاع حظوظ رئيس الحكومة الأسبق رياض حجاب، الذي انشق عن نظام الأسد، وهو في منصبه، وهرب إلى الأردن، والعميد مناف طلاس، ابن وزير الدفاع الأسبق مصطفى طلاس، الذي لعب الدور الأكبر في إيصال بشار الأسد إلى منصب الرئاسة بعد وفاة والده، مع الحديث عن أسماء أخرى، مثل رجل الأعمال السوري البريطاني أيمن الأصفري، وفهد المصري، المعروف بارتباطاته الوثيقة مع الكيان «الإسرائيلي» والولايات المتحدة الأمريكية، لكن حظوظ حجاب وطلاس أكبر بأن يلعبا دوراً بارزاً في المرحلة المقبلة.
كما يتوقع أن يتم تعديل البيان الدستوري، ليتوافق مع المرحلة الجديدة ومع مشروع اللامركزية، وهو ما يطالب به معظم فعاليات المجتمع السوري بشكل عام، بسبب تركيز معظم السلطات بيد الجولاني.
رغم هذه التطورات، لا يمكن تأكيد أي خيار نهائي، بسبب ارتباط الوضع في سورية بكل الملفات الإقليمية والدولية الساخنة والمؤجلة، وعدم حسم المسارات التي ستأخذها المنطقة، بانتظار حسم العديد من الجبهات الساخنة، كما الملف الإيراني والأوكراني، لكن وحتى إشعار آخر، يبدو أن اللامركزية باتت اليوم هي الخيار الذي تفضله معظم فعاليات المجتمع السوري، ويلقى قبولاً من القوى والدول الإقليمية والدولية المؤثرة بالملف السوري.










المصدر خاص / لا ميديا