تلويحة وداع للفنان الحداد
 

كمال البرتاني

كمال البرتاني / لا ميديا -
كنت أسمع أغنية: «الوداع الوداع، باودعك يا حبيبي»، وأنا أعدّ ما تركه عبد الرحمن الحداد في قلبي من وشوم، أولها تمكنه من الانتقال بسلاسة من استوديو الإذاعة إلى المسرح، محافظاً على الحدود الفاصلة بين حياد صوت المذيع، وتحليق الطيور المغردة في فضاءات المحبة وترجيعها في مقام الحنين، فكان كمن يعتذر عن تقديم أخبار الصراعات والكوارث بتنغيم هواجس القلب.
عبدالرحمن الحداد، صاحبُ الصوتِ المبطّن بالشجن، والقلب المسكون بعشق اليمن، وُلد في المكلا عاصمة محافظة حضرموت، حيث تعلم في مدارسها وفي مجالس علمائها الزاخرة بالمعارف، والمتميزة بالتصالح مع الحياة والتناغم الاستثنائي مع الفن.
هناك، لا يبدو غريباً أن تكون الفتيا مموسقة، وأن يتم التعبير عن المشاعر الإنسانية من دون الاصطدام بالدين أو استفزاز المتدينين. وفي الحقيقة كان الأمر كذلك في صنعاء ولحج وكوكبان وحراز وتعز وتهامة... وغيرها، حيث كانت بيوت العلم أعشاشاً للعشاق، وكانت عمائم العلماء مظلات لحدائق الآداب والفنون. ولعل القاضي عبدالرحمن الآنسي والقاضي علي بن محمد العنسي قديماً، والشاعرين عباس المطاع وعباس الديلمي حديثاً، أمثلة مؤكدة لذلك.
في المكلا، ساجَلَ عبد الرحمن الحداد النّوارس، وتشرّبَ إيقاعاتِ الأمواجِ التي تُراوح بين الهمسِ والصَّخب، فأجاد الغناءَ في مدارِ العاطفةِ وفي محرابِ الوطن، وشكل ثنائياً جميلاً مع الشاعر الملحن حسين المحضار.
ومع مرور الوقت وانتقاله إلى عدن ثم صنعاء، تعززت موهبته بالمعرفة واتساع الأفق، فصار مدرسةً فريدةً، بإجادته أبرز الألوان الغنائية اليمنية، ومساهمته في تحرير أغانٍ صنعانية من «سلطة العود» وسجن الأداء الفردي، ووقوفه في المنطقة التي توحد ذائقة النخبة والمزاج الشعبي.
ولخصوصية أدائه وقوة بصمته، لا يعرف الملايين ممن أطربهم طيلة عقود أن «زمان الصبا» و«صادت فؤادي» لحناهما تراثيان وكلماتهما من إبداعات الشاعر محمد بن عبدالله شرف الدين، ولا يعرفون من أي محبرة جاءت كلمات أغنية «حرام عليك تقفل الشباك» ولا من سبك قوام لحنها.
خلال عمل فيلم الإذاعة اليمنية ضمن سلسلة وثائقية لقناة «الجزيرة»، أشرنا إلى أن إذاعة صنعاء كانت مؤسسة وحدوية احتضنت المبدعين من مختلف المناطق، قبل أن يركل اليمنيون براميل حدود التشطير، وكان عبدالرحمن الحداد فيها أحد الأمثلة على وحدة الوجدان التي تتخطى عوائق السياسة وغرور وأوهام القرويين.
الوداع الوداع أيها الصوت الخالد، الذي جمع قلوب اليمنيين حين فرقتهم الأطماع والعصبيات!

أترك تعليقاً

التعليقات