بين شكاوى المزارعين ونفي مؤسسة الحبوب .. سنابل بلا قمح في الجوف و«ذيل القط» المتهم الرئيسي
- تم النشر بواسطة عادل عبده بشر / لا ميديا
عادل بشر / لا ميديا -
تلقت (لا) خلال الأيام الماضية شكاوى من عدد من مزارعي القمح في محافظة الجوف، أفادوا فيها بأن محاصيلهم التي أوشكت على الحصاد جاءت مخيبة للآمال، حيث أنتجت، بحسب وصفهم، سنابل فارغة لا تحمل حبوب قمح.
وقالوا إنهم بعد أشهر من الجهد في زراعة القمح ورعايته تفاجأوا بأن السنابل خالية من أي محصول، وأن ما تعبوا على رعايته طوال الأشهر الماضية لم يُنتج سوى أعلاف للمواشي.
واتهم المزارعون في شكاواهم المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب بتوزيع بذور «مغشوشة»، معتبرين أن ما حدث تسبب لهم بخسائر مادية جسيمة بعد موسم كامل من الجهد والإنفاق، ومطالبين بتعويضهم عن الخسائر التي لحقت بهم.
المزارعون المتضررون وهم من مديريات (المتون والحميدات وبرط العنان) قالوا إنهم تسلموا بذور القمح ضمن البرنامج المعتمد للموسم الزراعي الشتوي الحالي، وقاموا بزراعتها وفق المواعيد المعتادة. وأكد بعضهم أن النمو الخضري بدا جيدًا في مراحله الأولى، غير أن المفاجأة ظهرت عند تكوّن السنابل، حيث تبين أن جزءًا من المساحات المزروعة لا يحمل حبوبًا، وإنما يحمل سنابل تشبه القمح في الشكل لكنها خالية من المحصول.
المؤسسة ترد: «اتهامات باطلة»
بدورنا في (لا) تواصلنا مع المدير العام التنفيذي للمؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب المهندس صلاح أحمد المشرقي، ونقلنا إليه الاتهامات الموجهة للمؤسسة، وسألناه عن مصدر البذور وآلية توزيعها والإجراءات المتخذة حيال الشكاوى.
المشرقي وصف الاتهامات بأنها «باطلة وغير منطقية»، مؤكدًا أن المؤسسة لم توزع بذورًا مغشوشة في هذا الموسم أو المواسم السابقة، ولن تفعل ذلك مستقبلًا. وقال إن «المزارع، صغيرًا كان أو كبيرًا، يمثل صمام أمان الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي، وإن توجيهات الدولة تركز على دعم صغار المزارعين وتوفير بذور محسنة عالية الجودة».
وأوضح أن المؤسسة وزعت هذا الموسم في الجوف نحو 42 ألف كيس من بذور القمح «درجة أولى» المحسنة وعالية النقاوة والإنتاجية، استفاد منها قرابة 4700 مزارع في مختلف مديريات المحافظة، مشيرًا إلى أن نسبة الإنبات وصلت -بحسب الفحوصات- إلى 99.7٪ وأن غالبية الحقول شهدت نموًا قويًا وإنتاجًا جيدًا، بل إن البذرة الواحدة أنتجت في المتوسط ما بين 40 و100 فرع، ووصل بعضها إلى 240 فرعًا، وكل فرع يحمل سنبلة تحوي ما بين 70 و100 حبة قمح.
لجنة تقصي حقائق متعددة الجهات
وبشأن الشكاوى المحددة، أكد المهندس صلاح المشرقي أن المؤسسة تلقت مذكرة رسمية من مكتب الزراعة في الجوف تفيد بوجود «حشائش غريبة» في بعض الحقول، وعلى إثر ذلك تم تشكيل لجنة تقصي حقائق، ضمت كبار المختصين والخبراء في زراعة وإنتاج القمح، من عدة جهات معنية، بينها قطاع الثروة النباتية، والإدارة العامة لوقاية النبات، وهيئة البحوث الزراعية، والإدارة العامة للإرشاد الزراعي، والاتحاد التعاوني الزراعي، إضافة إلى مكتب الزراعة بالمحافظة والمؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب، ومُنحت اللجنة كامل الصلاحيات لتقوم بواجبها العلمي والفني.
وأفاد بأن اللجنة نزلت إلى الحقول المتضررة، والتقت بالمزارعين، وجمعت معلومات ميدانية، كما سحبت عينات عشوائية من بذور القمح من مخازن مؤسسة الحبوب في صنعاء وأخضعتها لاختبارات مخبرية، واطلعت على آليات الغربلة والتعقيم والتخزين والنقل.
وقال المشرقي إن نتائج التحقيق خلصت إلى أن البذور الموزعة «نقية 100٪ وخالية من أي بذور مغشوشة أو بذور حشائش» وأن المشكلة التي ظهرت في بعض الحقول لا تعود إلى البذور، وإنما إلى عوامل زراعية تتعلق بعمليات الحراثة والتسميد ومكافحة الحشائش، والسبب الإهمال غير المتعمد من قبل المزارعين المتضررين.
«ذيل القط».. المتهم البديل
أبرز ما كشفه تقرير اللجنة -وفق رواية المؤسسة- هو أن النبات الذي اعتقد بعض المزارعين أنه قمح «علفي» أو بذور مغشوشة، هو في الحقيقة نوع من الحشائش يشبه القمح في مراحله الأولى، ويُعرف بـ»حشيشة ذيل القط»، واسمها العلمي Phalaris.
وتنتمي هذه الحشيشة إلى فصيلة النجيليات، مثل القمح، ما يجعل التمييز بينها وبين نبات القمح صعبًا في بداية النمو. وعند اكتمالها، تنتج سنابل تشبه في شكلها ذيل القط، وقد تحتوي السنبلة الواحدة على أعداد كبيرة جدًا من البذور، تنتشر عبر الرياح أو من خلال مخلفات الحيوانات إذا استُخدمت كسماد عضوي غير مخمّر.
وترى اللجنة أن بعض المزارعين لم يطبقوا عمليات الحراثة العميقة والسطحية بالشكل الصحيح قبل الزراعة، كما استخدم بعضهم أسمدة حيوانية طازجة دون تخمير، ما ساهم في نقل بذور الحشائش إلى الحقول. وأشار التقرير كذلك إلى أن إحدى المزارع المتضررة تقع في موقع تتجمع فيه مياه السيول، التي قد تنقل بذور الحشائش من مناطق أخرى.
بين الإرشاد والمسؤولية
ورغم تأكيد المؤسسة العامة لتنمية وإنتاج الحبوب تنفيذها برامج إرشادية سنوية، تشمل زيارات ميدانية ومدارس حقلية وورشا تدريبية، إلا أن تقرير اللجنة أوصى بتكثيف برامج التوعية في المديريات الثلاث التي ظهرت فيها الشكاوى، والتركيز على طرق مكافحة حشيشة «ذيل القط» وغيرها من الحشائش المشابهة.
المهندس صلاح المشرقي وفي ختام تصريحه لـ(لا) أكد التزام المؤسسة بتنفيذ توصيات اللجنة بدءًا من هذا الموسم، عبر برامج إرشادية إضافية ومركزة، داعيًا الإعلاميين وناشطي التواصل الاجتماعي إلى «تحري الحقيقة من مصادرها» قبل إطلاق الاتهامات، ومساندة الجهود الرامية إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب.










المصدر عادل عبده بشر / لا ميديا