عادل بشر / لا ميديا -
في تحول لافت يعكس عمق التغيرات في موازين القوة البحرية في المنطقة، لم يعد البحر الأحمر ممراً اعتيادياً للأساطيل الأمريكية كما كان لعقود، وإنما تحول إلى ساحة محفوفة بالمخاطر دفعت واشنطن إلى إعادة رسم خطوط تحركها بشكل غير مسبوق. أحدث تجليات هذا التحول تمثل في قرار حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» الالتفاف حول القارة الإفريقية، متجنبة المرور عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، في خطوة تكشف حجم التحدي الذي بات يفرض نفسه على واحدة من أقوى القوى البحرية في العالم.

مسار أطول ورسالة أوضح
موقع معهد البحرية الأمريكية USNI المتخصص في الأخبار العسكرية الخاصة بالمارينز والبحرية، أوضح في تقرير له، أمس، أن حاملة الطائرات جورج إتش دبليو بوش (CVN-77) تتجه إلى منطقة الخليج العربي للمشاركة في الحصار البحري على إيران، لكنها فضلت المرور عبر جنوب إفريقيا بحرا وتفادي البحر الأحمر لتجنب المواجهات مع من وصفهم بـ»الحوثيين».
وأورد الموقع أن حاملة الطائرات كان مقررا أن تمر عبر مضيق جبل طارق والبحر الأبيض المتوسط ثم قناة السويس والبحر الأحمر، حيث الممر الاعتيادي والأقرب لتلتحق بباقي السفن العسكرية في بحر العرب.
ويضيف الموقع أن الحاملة، بدلاً من ذلك، تبحر رفقة السفن الحربية والمدمرات المرافقة لها عبر جنوب القارة الإفريقية، وتوجد الآن أمام سواحل ناميبيا، وهذا يعني أنها قد تصل إلى منطقة بحر العرب في ظرف أسبوعين.
ويؤكد الموقع أن المسار البحري الملتف حول أفريقيا يتيح لحاملة الطائرات والسفن المرافقة تجنب العبور عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، اللذين شكّلا محوراً لنشاط القوات المسلحة اليمنية في العمليات العسكرية بالمسيرات والصواريخ ضد السفن الأميركية، ما بين سنتي 2024 و2025، دعماً وإسناداً لغزة والشعب الفلسطيني.
ويرى خبراء أن هذا التحول في المسار يحمل دلالات استراتيجية عميقة. فاختيار طريق رأس الرجاء الصالح يعني إضافة آلاف الأميال البحرية، وتأخيراً زمنياً ملحوظاً، فضلاً عن ارتفاع التكاليف اللوجستية. وفي الحسابات العسكرية، لا يتم اللجوء إلى مثل هذا الخيار إلا عندما يصبح الطريق الأقصر محفوفاً بمخاطر لا يمكن التحكم بها.
توقف غير معلن لحاملات الطائرات
أحد أبرز المؤشرات على هذا التحول يتمثل في تأكيد الموقع أن أيا من حاملات الطائرات الأمريكية لم تتجرأ على عبور مضيق باب المندب منذ كانون الأول/ ديسمبر 2023، حين مرت حاملة الطائرات «يو إس إس دوايت دي أيزنهاور» (CVN-69)، في إشارة إلى تاريخ هروب الحاملة المذكورة بفعل العمليات اليمنية آنذاك، والتي توسعت حتى تمكنت من طرد 5 حاملات طائرات تابعة للولايات المتحدة، ما مثل نقطة تحول تاريخية في الهيمنة البحرية بالمنطقة.
ولفت الموقع إلى أنه، منذ ذلك التاريخ، اختفى هذا النوع من القطع البحرية من هذا الممر الحيوي، وأن المدمرات التي حاولت، لاحقاً، عبور المندب، تعرضت لهجمات متواصلة من قوات صنعاء.

تأكيد لضربات سابقة
وبخلاف الإعلام العربي، وخاصة الخليجي، الذي تعمّد تغييب هذا الحدث من نشراته الإخبارية، كونه يُبرز إحدى أوراق القوة التي تمتلكها صنعاء ومحور المقاومة، أولت وسائل إعلام غربية وحتى عبرية، خبر موقع البحرية الأمريكية، بالكثير من الاهتمام، وذهبت أبعد من ذلك بالقول إن «هذا الحدث يُبرز صحة الأخبار السابقة التي تحدثت عن تهديد حوثي حقيقي لحاملة الطائرات ترومان السنة الماضية».
وأعاد الإعلام الغربي التذكير بالهجمات المتتالية التي نفذتها القوات المسلحة اليمنية على الحاملة «ترومان» والبارجات والسفن الحربية المرافقة لها في البحر الأحمر، والخسائر التي تكبدتها نتيجة تلك الهجمات، وأبرزها إسقاط 3 مقاتلات من طراز إف18 زعمت واشنطن حينها أن احداها سقطت بنيران صديقة عندما قامت السفينة الحربية بمناورات لتجنب الصواريخ صنعاء، والأخرتين سقطتا من سطح حاملة الطائرات نتيجة إستدارة حادة للحاملة هرباً من صاروخ يمني كاد يصيبها مباشرة.
وقالت صحيفة «كالكالسيت» العبرية أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرر توقيع هدنة مع صنعاء خلال أيار/ مايو 2025، بعدما كاد صاروخ فرط صوتي أن يضرب حاملة الطائرات ترومان في البحر الأحمر.
سياق تصاعدي
يأتي هذا فيما كان سيد الجهاد والمقاومة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، قد تحدث في خطابه الأخير الخميس المنصرم، عن نجاحات استراتيجية كبرى حققتها جبهة اليمن، تمثلت في إغلاق البحر الأحمر تماماً أمام التحركات العسكرية الأمريكية والصهيونية الرامية لاستهداف إيران ودول محور المقاومة، محولاً الممر الملاحي إلى منطقة محرمة على قوى العدوان.
وأوضح أن القوات المسلحة اليمنية انتقلت بفاعلية إلى مرحلة «العمليات المشتركة» مع دول المحور، مؤكداً أن العمليات اليمنية تأتي ضمن مسار تصاعدي مدروس وتصعيد واعد يتناسب مع متطلبات المواجهة الكبرى لعام 2026.
وتوعد الأعداء بخيارات كبيرة ومؤثرة وعمليات مباغتة خارج الحسابات التقليدية، مشيراً، إلى أن اليمن لن يتردد في استخدام كل أوراق القوة لانتزاع حق الأمة في الاستقرار، وفرض معادلة أمنية جديدة في المنطقة تنهي زمن العربدة الأمريكية الصهيونية في البحار.
وكانت القوات المسلحة اليمنية قد أعلنت في بيان صادر عنها أواخر آذار/ مارس الماضي رفضها استخدام البحر الأحمر لأي عمليات عسكرية تستهدف إيران أول دول المنطقة.

انعكاسات أوسع
يرى خبراء أن تأثير هذا التحول لا يقتصر على الجانب العسكري فحسب، وإنما يمتد إلى أبعاد اقتصادية وجيوسياسية أوسع. فالبحر الأحمر يمثل أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس على حركة التجارة والطاقة.
كما أن اضطرار قوة كبرى مثل الولايات المتحدة إلى تعديل مساراتها يرسل إشارات إلى بقية الفاعلين الدوليين، بأن قواعد اللعبة في هذا الممر لم تعد كما كانت، وأن البيئة الأمنية فيه أصبحت أكثر تعقيداً.
في المحصلة فإن قرار «بوش» الالتفاف حول إفريقيا، يُعد وفقاً للحسابات العسكرية والسياسية، مؤشراً على تحول أعمق، قد يتكرس في المرحلة المقبلة إذا استمرت الظروف الحالية. ومع تصاعد التوترات الإقليمية، يظل البحر الأحمر مرشحاً لمزيد من التحولات التي قد تعيد تعريف دوره في الاستراتيجية الدولية.