إيران ليست صدام حسين يا أنصاف العرب
 

محمد القيرعي

محمد القيرعي / لا ميديا -
إيران ليست صدام حسين، والثورة الإيرانية ليست أحد الفصول الهزلية لمسرحية بعثه العراقي الاشتراكي المنحل، وإنما هي إيران العظمة والبسالة الوطنية والصمود الثوري والقومي اللامتناهي الذي قض مضاجع الغزاة بالصورة التي بات يدركها بجلاء في الوقت الحالي كل من جلاوزة العدوان الصهيو-أمريكي -الرجعي -العربي بعد أن اصطدمت مشاريعهم الإخضاعية الأخيرة والسابقة أيضا، بجدار صلب ومتين من الاستبسال الوطني المقاوم، الذي أبداه الإيرانيون في مقاربة ثورية ملحمية مسنودة بثبات أغلب أطراف المحور المقاوم على امتداد المشهد الديمغرافي العربي والإسلامي، من العراق إلى لبنان وفلسطين واليمن، والذين لم يبخلوا بالدماء الزكية والأرواح العطرة والطاهرة في إسناد ركيزتهم الثورية الأم في كل معتركاتها المفروضة قسرا لإخضاع شعبها وثورتها الصامدين في وجه كل أعاصير الردة والانبطاح والعدوان المتوالي.
إنها إيران التي خلعت عباءة الانبطاح الشاهنشاهي الملكي الرجعي إلى غير رجعة، معتمرة القلنسوة الثورية، ليس من باب الزينة والمزايدة الثورية كعادة أغلب الأنظمة العربية المعتمرة زورا قبعة الثورة، وإنما بغرض تخليص شعبها وأمتها الإسلامية من براثن القهر والتخلف والتبعية المهينة لأعدائها؛ أعداء السلام والإسلام والحرية والكرامة الوطنية والقومية، وبالصورة التي بينتها أحداث ونتائج العدوان الأخير، والتي عكست ليس فحسب قدرة الشعوب الثورية الحرة على اجتراح المآثر العظيمة والمستحيلة في سبيل الحفاظ على أمنها وكرامتها واستقلالها الوطني وطرق عيشها وتطورها القومي، بقدر ما برهنت على حقيقة مهمة ومفادها استحالة إخضاع شعب يعيش شغفه القومي المتقد بطموحات الخلاص والرفعة والكرامة القومية مهما تكالبت عليه قوى الشر والرذيلة.
فإذا ما وضعنا بعين الاعتبار ضراوة النتائج التاريخية التي ولدتها القيود والسياسات العدوانية طويلة الأمد بصبغتها الأممية المحمومة والموجهة لإخضاع الشعب والثورة الإيرانية عبر العزلة السياسية والحصار التقني والاقتصادي الجائر المفروضة على النظام الثوري خلال أغلب سني وعقود الثورة، بكل ما خلفته من نتائج كارثية طالت كل مناحي الحياة كالبنية التحتية والدورة الاقتصادية والإنمائية.. إلخ، إلا أنها لم تفلح في المجمل في تمكين التحالف الصهيو-أمريكي-عربي من تحقيق أي ظفر محتمل على حساب الثورة والكرامة الوطنية للإيرانيين.
فمع بدء وتيرة الحرب الغاشمة، أواخر شباط/ فبراير الفائت، طغى الخطاب التهويلي المحموم لكل من (نتنياهو وترامب) على أن أهدافهم الحربية لن تتوقف هذه المرة إلا بالاجتثاث الكلي للنظام الثوري وتفكيك برنامجه النووي وإعادة إيران إلى بيت الطاعة الصهيوأمريكية مجددا، بالصورة المخزية التي كانت عليها «في عهد الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي»، إلا أن النتائج الماثلة بعد شهر ونصف على بدء حربهم الإخضاعية تلك عكست بوضوح ليس فحسب مدى الإخفاق والفشل الذي مني به جلاوزة العدوان رغم الخسة والطبيعة الغادرة التي اتسمت بها هجماتهم الافتتاحية في شلّ قدرة النظام الثوري الإيراني على الحركة، بصورة كانوا يأملون في حال تحققها عمليا بدفع الجمهورية الإسلامية إلى الاستسلام للأمر الواقع، بقدر ما عكست في شقها الآخر مدى القدرة الجبارة التي بدا عليها الإيرانيون (شعبا وثورة وقيادة) في مواجهة المد الاجتثاثي للعدوان، فالمؤسسات الوطنية المختلفة ظلت تعمل بذات الوتيرة المعتادة عليها في أوقات السلم، فيما القيادات السياسية والعسكرية والأكاديمية والدينية العليا التي سقطت جراء الضربات الحربية الأولية الغادرة.. سرعان ما تم الاستعاضة عنها وبسلاسة منقطعة النظير بقيادات تمتلك القدرة والكفاءة ذاتها على إدارة شؤون البلاد والمناورة في مواجهة المشاق الراهنة والمحتملة.
الأمر الذي دفع بقطبي العدوان الرئيسيين (نتنياهو وترامب) مؤخرا إلى المسارعة الجادة في البحث عن مخرج يؤمن نهاية سريعة لهوسهم العدواني، وبما يحفظ ماء وجوههم، كما تبين من خلال محاولاتهم العبثية واليائسة لتحقيق إنجاز عسكري أو سياسي مهما تضاءل، وبما يمكنهم من مغادرة أتون صراع باتوا على إدراك واع باستحالة كسبهم له، ولتجنيبهم من ناحية ثانية مغبة الخضوع للمساءلة القانونية والدستورية الحتمية (والتي باتت محتملة جدا) أمام شعوبهم القلقة والمتوجسة أمام ضراوة الرد الإيراني المقاوم الذي طال كياناتهم الهشة، خصوصا مع تنامي الشكوك والتصريحات المتنامية في أوساط النخبة السياسية "الإسرائيلية" والأمريكية؛ وبالتحديد في محيط العديد من نواب وشيوخ وساسة الحزب الديمقراطي الأمريكي المناوئين لسياسات ترامب المتهورة، والذين بدأوا في التشكيك علانية بنوازع ترامب العدوانية حيال إيران، من خلال تأكيدهم بأنهم لم يلمسوا عمليا أي بشائر عن تهديدات إيرانية وشيكة بدرجة تتطلب من الولايات المتحدة و"إسرائيل" شن الحرب عليها.
وإذا ما أضفنا إليها المردود الاستراتيجي النوعي لحجم ونوعية الهجمات الإيرانية الردعية والمسعورة على حلفاء اليانكي من "أورشليم" إلى حواصل الانبطاحيين الكثر في الخليج الفارسي والمنطقة على وجه العموم، والمتزامنة بطبيعة الحال مع إقدام الجمهورية الإسلامية بإغلاق طرق الملاحة الدولية في مضيق هرمز الحيوي، بما ولده من تصاعد مهول في أسعار الطاقة النفطية، وتضرر اقتصاديات أغلب الدول الصناعية الكبرى جراء التأثير الحاصل والمباشر في أسواق الطاقة العالمية، بما ولدته تلك الهجمات النوعية من نتائج كارثية كان لها الأثر الفعلي والمباشر في تقويض دعائم المشروع الصهيوأمريكي العدواني.. وتهديد مصالحهم الاقتصادية والعسكرية الجيوسياسية في المنطقة.. على غرار تلك الضربة القاصمة التي دكت منطقة "رأس لفان" الصناعية بمشيخية قطر والتي تعد من الركائز الاقتصادية النفعية الرئيسية المرتبطة باقتصاد «إمبراطورية اليانكي الاستعمارية» وبالصورة التي دفعت بأمراء ومشائخ ومهرجي الخليج الفارسي إلى البحث المستعجل عن مخرج يجنبهم مغبة التورط غير المحمود في تلك الحرب العبثية العدوانية، خشية توسعها وبما قد يؤدي في المستقبل القريب (وهذا مؤكد) إلى تقويض تماسك أنظمتهم وممالكهم المشيخية الهشة وزوالها من الوجود.
وفي حين أن أغلب المؤشرات الحالية تؤكد بوضوح احتمالية خروج إيران من حواصل هذا العدوان الفاشي دون هزيمة فعلية، وبمستوى نفوذ إقليمي وسياسي أكبر وأوسع، وبما يمكنها من فرض حضورها وهيمنتها الإقليمية على ممرات الملاحة الدولية في منطقة الخليج و"الشرق الأوسط"، وبالأخص مضيقي هرمز وباب المندب، ما سيمنحها القدرة على التحكم في وجهات وتدفقات الطاقة، وذلك في الوقت الذي تتحمل فيه دول الخليج التكاليف الاقتصادية والاستراتيجية للعدوان الصهيوأمريكي، والذي لم تحسم نتائجه بالصورة المرجوة وفق المخطط العدواني المرسوم سلفا، فإن مثل هذا السيناريو بات كفيلا بدفع قطبي العدوان للعودة في تصوراتهم المروجة لوقف الحرب إلى نقطة البداية الأولى للصراع، أي إلى المطالبة المشروطة لليانكي و"أورشليم" بضمان اتخاذ التدابير الوقائية الدولية الكفيلة بمنع إيران من صنع قنابل نووية، بالإضافة إلى إلزام إيران يخفض تخصيب اليورانيوم لأقل من (67.3%)، والسماح للمفتشين النوويين الدوليين بالعودة للبلاد بصلاحيات رقابية كاملة وعدم قيامها بتخصيب يورانيوم مخصب.. بالإضافة إلى فرض قيود تقنية على مديات الصواريخ الإيرانية طويلة المدى، وصولا إلى إجبار إيران على وقف دعمها اللوجستي لحلفائها الإقليميين من أطراف المحور المقاوم في كل من لبنان والعراق وفلسطين واليمن ومناطق أخرى.
لقد بدا العدوان وكأنه "تسونامي" قد لا تحمد عقباه بالنسبة لإيران وثورتها الوطنية ومشروعها القومي الاستبسالي في الذود عن حياض الأمة واستعادة إرثها وكرامتها المفقودة، لكنه انتهى، وسينتهي، بحزمة آمال وحوافز ثورية ومعنوية متجددة قد يؤدي ألقها هذه المرة إلى تقويض أي قدرة أو نوايا تآمرية وعدوانية مستقبلية وإلى الأبد.. والعبرة وقت الكيل يا أنصاف العرب.

أترك تعليقاً

التعليقات