«لا» 21 السياسي -
قبل أن تولد ثورة إيران بسبع سنوات، وقبل أن يُصاغ اسم «حزب الله» بعقود، كانت صرخة «صبية من الجنوب» تدوي بصوت عبد الحليم حافظ في العام 1970: «الغدر نازل عالدروب.. وقفوا الرجال زي الجبال». لم تكن إيران يومها هي التي تُلحن الأغنية، بل كان الوجع اللبناني الصرف هو الذي يستشعر أنياب الذئب القادم من خلف الحدود. اليوم، يعود الوكلاء الإعلاميون للصيصان الصهيونية ليعزفوا أسطوانة «الأذرع» و«الوكلاء»، متناسين أن من يستمد شرعيته من تراب الجنوب لا يحتاج إذناً من أحد ليكون وطنيّاً، وأن المقاومة الفرنسية لم تكن ذراعاً للندن، بل كانت قلب باريس الذي رفض السقوط.
تأملوا مشهد «الجيش الذي لا يُقهر»؛ جنودٌ وضباطٌ يعترفون لصحافة كيانهم («هآرتس» و«يديعوت») بأن «ظهورهم انكسرت» من ثقل ما نهبوه! ليس ثقل العتاد أو جثث القتلى، بل ثقل «الأرائك والسجاد وأجهزة التلفاز» المسروقة من بيوت اللبنانيين. هؤلاء الذين جاؤوا بشعارات تلمودية لتطهير الأرض، تحولوا في لحظة إلى عصابة روبابيكيا دولية، يسرقون دراجة نارية من هنا وسجادة من هناك، تحت أنظار قادتهم الذين يباركون اللصوصية كجزء من عقيدتهم القتالية.
أي أخلاق هذه التي تفتخر بها «دولة القسطل المبخوش»، وهي التي لا تستطيع حماية تمثال للسيد المسيح في الجنوب من حقد جنودها الذين يرون في الصليب المشرقي «دَنساً» يجب تطهيره؟! إنها الرسالة الواضحة لكل متصهين عربي أو مسيحي: بالنسبة لهؤلاء، أنتم «أغيار» (Goyim)، غنائم مؤجلة، وعبيد تحت الطلب، وما كسرُ تمثال المسيح إلا بروفة لما سيفعلونه بكل من يظن أن الكيباه الصهيونية قد تحمي عمامة أو صليباً.
وعلى مقلب الكرامة، تبرز «آمال خليل»؛ تلك الصحفية التي هددها العدو بـ«فصل الرأس عن الجسد» فرفضت الرحيل، لأنها أدركت أن الرأس الذي لا ينحني لا يمكن فصله عن جسد المقاومة. سقطت آمال وهي تشهد على بطولات الجبابرة الذين فتكوا بـ20 وَبْشاً تلمودياً بينما كانت هي تحت الردم. أخبروا روحها الطاهرة أن مستشفى «زيف» في صفد لم يعد يتسع لأشلاء من ظنوا أن الجنوب «نزهة للنهب»، وأن ميكانيزم البكاء الرسمي في بيروت لن يحجب حقيقة أن «مردة الزمان» قد مرّغوا أنف «سنتكوم» في وحل أصفهان والناقورة.
بينما يذهب المفاوض الواهم إلى واشنطن ليناقش سيادة مخروقة، ينسى أن المفاوض الصهيوني يتبع قاعدة: «افصل التعهد عن التنفيذ». يريدون نزع سلاح «حزب الله» ليحل محله جيش «كشافة» لا يملك من السلاح إلا التحية العسكرية، لتبقى السماء اللبنانية والمياه الليطانية مشاعاً لأطماعهم التوراتية. يراهنون على ثغرة «الأقليات» لإحداث تفكك داخلي؛ لكنهم يصطدمون بوعي مسيحي مشرقي يدرك أن «صهيون» لا تريد شريكاً، بل تريد حرس حدود يتم التخلص منهم فور انتهاء الصلاحية، كما فعلوا في العام 2000.
إن المقاومة ليست ذراعاً لأحد، بل هي الذراع التي نبتت للوطن حين بُترت أذرع جيوشه الرسمية. هي الوكيلة عن ضمير الشعب، بينما الوكالة الحقيقية هي تلك التي يمارسها من ارتضى أن يكون صدى صوت للناطق العسكري الصهيوني.
سيبقى الجنوب «أُم القرى» للمقاومين، وستبقى أساطير المليارات وأساطيل الدم والرمال عاجزة أمام طفل جنوبي يرمي حجر السيادة على نافذة بيت العنكبوت الصهيوني.
المجد للشهداء، والخزي للصوص السجاد، والنصر لمن لا يعرفون في قاموسهم معنىً للانكسار.