ترامب سئم من الحرب وإيران لن تنقذه من مأزق صنعه بنفسه
- تم النشر بواسطة ترجمة خاصة:إياد الشرفـي / لا ميديا
موقع (Atlantic) الأمريكي - جوناثان ليمير
ترجمة خاصة :إياد الشرفي / لا ميديا -
يرغب الرئيس ترامب بشدة في إنهاء الحرب مع إيران. لقد أعلن النصر مرات عديدة، بما في ذلك قبل حوالى ثلاثة أسابيع، عندما أعادت إيران فتح مضيق هرمز لفترة وجيزة. وقد مدد مراراً وتكراراً مواعيد وقف إطلاق النار بدلاً من تنفيذ تهديداته (التي كانت في بعض الأحيان كارثية) باستئناف الأعمال العدائية. هذا الأسبوع، تخلت إدارته فجأة عن محاولة مرافقة السفن عبر المضيق، جزئياً بسبب الخوف من أن يؤدي ذلك إلى مواجهات عنيفة ومتصاعدة.
سئم ترامب من الحرب، التي ثبت أنها أصعب بكثير واستمرت لفترة أطول بكثير مما كان يتوقع. ويراقب حزبه بحذر ارتفاع أسعار البنزين وتراجع شعبيته. لا يريد أن يتورط في صراع الشرق الأوسط كما فعل بعض أسلافه، ولا يريد لهذا الصراع أن يُفسد قمة لقاءاته مع زعماء العالم، وأنه مستعد للمضي قدماً.
لكن يبدو أن إيران لا ترغب في إنهاء الحرب، أو على الأقل ليس بنتيجة مقبولة للمفاوضين الأمريكيين. ترامب الآن في مأزق. فقد أخبرني خمسة من مساعديه ومستشاريه الخارجيين أن الرئيس مقتنع بأنه يستطيع تسويق أي اتفاق على أنه انتصار. لكن في الوقت الراهن، لا يستطيع الرجل، الذي ألف كتاب «فن التفاوض»، حتى إقناع إيران بالجلوس إلى طاولة المفاوضات. اليوم، لا تزال واشنطن تنتظر رد إيران على آخر عرض، وهو مذكرة تفاهم من صفحة واحدة، تُعدّ امتداداً لوقف إطلاق النار أكثر من كونها معاهدة لإنهاء الصراع.
يواجه ترامب سؤالاً محيراً: كيف تُنهي حرباً عندما يرفض خصمك التنازل؟ وبينما يسعى ترامب جاهداً للخروج من الأزمة، استغل المتشددون في طهران الحرب لتعزيز قبضتهم على السلطة. ويبدو أن إيران مصرة على تحقيق ما برعت فيه تاريخياً: إذلال رئيس أمريكي.
لم يتوقع ترامب قط أن تسير الأمور على هذا النحو. فبعد العملية العسكرية الناجحة التي نتج عنها اختطاف نيكولاس مادورو من كاراكاس، وجّه الرئيس أنظاره نحو إيران، مصرحاً لمقربيه بأنها ستكون «مواجهة أخرى».
قال لي اثنان من المستشارين الخارجيين: «فنزويلا». وناقشا، كغيرهما، شريطة عدم الكشف عن هويتهما، الاستراتيجية الداخلية. كان ترامب يعتقد أن الجيش الأمريكي لا يُقهر، وأن لديه فرصة لإسقاط النظام الثيوقراطي في طهران، وهو هدفٌ استعصى على أسلافه. كان يُعيد رسم خرائط العالم، ويتوقع تحقيق النصر في غضون أيام، أو أسبوع أو أسبوعين على الأكثر. نجح الهجوم الأمريكي - «الإسرائيلي» الأولي في قتل المرشد الأعلى الإيراني، وشمل موجات من القصف يُقال إنها دمرت جزءاً كبيراً من القدرات الصاروخية للبلاد. لكن طهران لم تستسلم، بل هاجمت جيرانها في الخليج العربي وسيطرت على مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من نفط العالم. وبمزيج من الألغام والزوارق الهجومية الصغيرة والطائرات المسيّرة، أغلقت إيران الممر المائي فعلاً. ارتفعت أسعار الطاقة بشكل كبير، ووصل الصراع إلى طريق مسدود، ووقف هش لإطلاق النار. فشلت جولة واحدة من المفاوضات الرسمية رفيعة المستوى. ولا توجد جولات أخرى مقررة.
ظاهرياً، لم يُبدِ ترامب سوى الثقة، بل إنه يُقلل أحياناً من شأن الحرب، واصفاً إياها بـ»رحلة قصيرة» أو «منعطف» أو «حرب مصغرة». ويعلن النصر الوشيك بشكل شبه يومي، وهو تباهٍ يُضاهيه فيه وزير الدفاع بيت هيغسيث في إحاطاته الصحفية في البنتاغون. وفي الاجتماعات المغلقة، يكون التصريح أقل حدة؛ لكن المسؤولين الأمريكيين يعتقدون أن الحصار البحري المفروض على موانئ إيران، والذي فُرض الشهر الماضي، ربما يُؤتي ثماره ويُضيّق الخناق على اقتصاد البلاد. وتوقع مسؤولان أن إيران، في مواجهة الانهيار، ستُجبر على التفاوض.
لكن السؤال الحقيقي هو التوقيت؛ فقد توقع عدد من الخبراء أن إيران قادرة على الصمود أمام ضغوط الحصار لشهور، لا لأسابيع.
ويتفق مع هذا الرأي تقييم استخباراتي أمريكي قُدِّم لصناع القرار هذا الأسبوع، مشيراً إلى أن إيران قد تتمكن من الصمود ثلاثة أو أربعة أشهر أخرى على الأقل. إذا حدث ذلك، واستمرت إيران في إبقاء المضيق مغلقاً، فستستمر الأسعار بالارتفاع في الغرب، بما في ذلك الولايات المتحدة خلال عام انتخابات التجديد النصفي. عندها يصبح الأمر مسألة معاناة: أي الطرفين يمكنه تحمّل أكبر قدر من الصعوبات الاقتصادية؟
الصبر ليس من صفات ترامب
أخبرني أحد مستشاريه الخارجيين، الذي يتحدث معه بانتظام، أن الرئيس «ملّ» من الحرب. ويعتقد آخرون أنه محبط من تعنت إيران. وبينما يشعر ترامب أحياناً بالانفصال عن الهموم السياسية لحزبه، فقد انهالت الشكاوى على الجمهوريين بشأن ارتفاع الأسعار، وخاصة أسعار البنزين. وكان العديد من أعضاء الحزب الجمهوري يستعدون بالفعل لخسارة مجلس النواب؛ فكلما طالت الحرب، كما يعتقدون، زاد احتمال خسارة مجلس الشيوخ أيضاً.
رغم جمود المفاوضات، فإن ترامب متردد في استئناف الأعمال العدائية، حسبما أفادني مساعدوه ومستشاروه. ثمة قلق بشأن تناقص مخزون الذخائر الأمريكية. وقد أعرب ترامب هذا الأسبوع عن تردده في قتل المزيد من الناس. وأعرب بعض حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة (بما في ذلك، في بعض الأحيان، السعودية والإمارات) عن قلقهم من أن استئناف الهجمات الأمريكية سيجعلهم، مرة أخرى، أهدافاً للرد الإيراني. بالأمس القريب، أطلقت إيران النار على سفن البحرية الأمريكية في مضيق هرمز، وردت الولايات المتحدة بضرب مواقع في إيران. ولكن رغم موجة العنف، أصر ترامب على أن وقف إطلاق النار لا يزال سارياً، وقلل من شأن الضربات، ووصفها بأنها «ضربة خفيفة». كما أشار مستشاروه إلى أنه يريد تهدئة أي عمل عسكري قبل رحلته إلى بكين الأسبوع المقبل للقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ. وقد أعربت الصين عن استيائها من الحرب وإغلاق المضيق. يرغب ترامب في ادعاء أن القتال قد انتهى بينما يسعى لعقد صفقات تجارية واقتصادية جديدة مع شي جين بينغ.
استنفاد قائمة الأهداف العسكرية
ومما يزيد الأمر تعقيداً أن الولايات المتحدة استنفدت إلى حدٍّ كبير قائمة أهدافها العسكرية الهامة، وفقاً لما ذكره مستشارو الرئيس. وللاستمرار في التصعيد، وهو أسلوب ترامب المعهود، اضطر إلى تهديد أهداف مدنية مثل محطات توليد الطاقة والجسور وحتى محطات تحلية المياه. وفي إحدى المرات، هدد قائلاً: «ستموت حضارة بأكملها الليلة»، وهو تهديد صريح بارتكاب جرائم حرب. كما يمتلك ترامب خيارات لغزو بري محدود - كالمطالبة باليورانيوم عالي التخصيب أو مهاجمة جزيرة خارك، مركز قطاع الطاقة الإيراني؛ لكنه يتردد في تعريض حياة القوات الأمريكية للخطر.
وهكذا يواصل ترامب تحديد مواعيد نهائية لإجبار إيران على الرضوخ؛ لكن طهران تستمر في تحديه. ولأسابيع، ظل ترامب يُهدد باستئناف الهجمات؛ لكنه في كل مرة يجد طريقة للتراجع. باستثناء بعض الأصوات المتشددة، لا يزال معظم المقربين من ترامب مترددين في استئناف الهجوم، حتى مع استمرار حالة الجمود. ومع فرض الحصار البحري لمواجهة إغلاق إيران للمضيق، كشفت الإدارة الأمريكية يوم الاثنين عن «مشروع الحرية»، الذي نشر البحرية الأمريكية لمساعدة بعض السفن على عبور الممر المائي. ورغم أن بعض السفن تمكنت من عبور المضيق في اليوم الأول، تخلى ترامب سريعاً عن الخطة. أطلقت القوات الإيرانية النار على سفينة شحن كورية جنوبية، ووقعت اشتباكات مع سفن حربية أمريكية، وأعلن البنتاغون تدمير سبعة زوارق إيرانية صغيرة. لكن مسؤولي الإدارة لم يرغبوا في المخاطرة بتصعيد كبير للأعمال العدائية، لاسيما احتمال شن هجوم على سفينة حربية أمريكية. وخوفاً من رد فعل انتقامي، تحرك بعض الحلفاء الخليجيين لقطع وصول القوات الأمريكية إلى قواعدهم ومجالهم الجوي.
توبيخ لا لبس فيه
ادعى ترامب أنه يعلق العملية لأن التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب بات وشيكاً. لكنه خاض هذه التجربة من قبل دون جدوى. ويعترف مسؤولون أمريكيون في جلسات خاصة، في ظل «انقسام القيادة الإيرانية»، بأنهم غير متأكدين من الجهة التي يتفاوضون معها أو من يملك صلاحية إبرام اتفاق في طهران. وقد حاول وسطاء باكستانيون استئناف المحادثات؛ لكن الحرس الثوري الإسلامي المتشدد تجاهل إلى حد كبير العناصر الأكثر اعتدالاً في طهران. وانتهت المفاوضات الرسمية، بقيادة فانس، نائب الرئيس، دون التوصل إلى اتفاق. لم تُعقد جولة أخرى من المحادثات، كان من المقرر عقدها في نهاية الشهر الماضي، لأن الوفد الإيراني غادر إسلام آباد قبل وصول المسؤولين الأمريكيين. كان ذلك بمثابة توبيخ لا لبس فيه.
يواصل البيت الأبيض -علناً- تصوير الحرب على أنها تسير على ما يرام، إذ صرّحت المتحدثة باسمه، أوليفيا ويلز، قائلةً: «يملك الرئيس ترامب زمام الأمور، وهو يُبقي بحكمة جميع الخيارات مطروحة لضمان عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً. الحصار الناجح للغاية يخنق الاقتصاد الإيراني، وقد أثبتت الولايات المتحدة تفوقها البري والبحري والجوي».
حتى بدون اتفاق رسمي، فكّر ترامب في إعلان نصر حاسم والمضي قدماً، بل ذهب وزير الخارجية، ماركو روبيو، إلى حدّ القول في وقت سابق من هذا الأسبوع إن الحرب قد انتهت. لكن القيام بذلك الآن سيُبقي أهداف الصراع، كما حددها الرئيس ومساعدوه في مناسبات مختلفة، دون تحقيق. صحيح أن البحرية الإيرانية قد دُمّرت إلى حد كبير؛ لكن إيران لا تزال تمتلك، وفقاً لبعض التقديرات، أكثر من نصف قدراتها الصاروخية الباليستية. لا تزال جماعاتها الحليفة، مثل حزب الله، تقاتل. لم يحدث تغيير حقيقي في النظام. ولا يزال مخزونها النووي يشكل تهديداً، ولا يوجد اتفاق لتقليصه أو نقله خارج البلاد. من شبه المؤكد أن إيران ستخرج من الحرب بمزيد من السيطرة، ضمنياً أو صراحةً، على مضيق هرمز، أكثر مما كانت عليه قبل النزاع، بما في ذلك إدراكها أنها قادرة على إغلاق الممر المائي مجدداً وإلحاق ضرر اقتصادي عالمي.
يريد ترامب إنهاء الحرب، ويريد اتفاقاً؛ لكن الاتفاقات تتطلب طرفين، ولا يوجد دليل على أن إيران مهتمة بإنقاذ ترامب من مأزق صنعه بنفسه.










المصدر ترجمة خاصة:إياد الشرفـي / لا ميديا