تقرير / لا ميديا -
نجحت المعـارك الميدانية والدبلوماسية التي تخوضها إيران، في إرغام الإدارة الأميركية على اتخاذ أولى خطواتها العملية والتنفيذية بموجب «مذكرة تفاهم إسلام آباد» الموقعة الأسبوع الماضي؛ حيث أعلنت وزارة الخزانة الأميركية رسمياً، أمس الاثنين، تعليق حزمة واسعة من عقوباتها المفروضة على قطاع النفط والغاز والطاقة الإيراني حتى الحادي والعشرين من أغسطس/ آب المقبل. وأصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع للوزارة الأميركية رخصة عامة مؤقتة ومدتها 60 يوماً تتيح صراحةً وبشكل قانوني استئناف كافة الأنشطة والمعاملات المالية والتجارية المرتبطة بإنتاج النفط الخام ذي المنشأ الإيراني، وبيعه، ونقله، وتفريغه في الموانئ، بالإضافة إلى السماح الكامل بتداول المنتجات النفطية والمشتقات البتروكيماوية.
وتأكيداً على عمق هذا التراجع الأميركي، شملت الرخصة الصادرة كافة الخدمات اللوجستية المرافقة لقطاع الطاقة الإيراني التي كانت محظورة في السابق، بما في ذلك خدمات التأمين الدولي، وإعادة التأمين، وعمليات الشحن البحري، وإدارة السفن، والتسجيل البحري، والتزوّد بالوقود، وأعمال الإنقاذ؛ فضلاً عن السماح صراحة باستيراد النفط الخام الإيراني ومشتقاته إلى داخل الولايات المتحدة إذا كانت جزءاً من الأنشطة المصرح بها، وإجازة تسديد كافة الأموال والمدفوعات المستحقة للحكومة الإيرانية أو للجهات التابعة لها بالدولار الأميركي دون قيود. وعقّب وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، على إصدار هذه الرخصة مبيناً أن الخطوة تأتي انسجاماً مع المحادثات الجارية في سويسرا، ومشيراً في الوقت ذاته إلى أن إيران التزمت في المقابل بضمان حرية الملاحة والعبور المفتوح في مضيق هرمز، إلى جانب السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالدخول إلى منشآتها النووية.
وجاء هذا القرار الأميركي ليفجر موجة ارتدادية عنيفة وأزمة سياسية حادة داخل كيان الاحتلال الصهيوني؛ حيث وصف رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» المعارض، أفيغدور ليبرمان، عبر منصة «إكس»، هذا الاتفاق بأنه «الكارثة السياسية الأكبر في تاريخ إسرائيل منذ إقامتها عام 1948». واعتبرت الأوساط العبرية أن الاتفاق يمثل تبخراً كاملاً للرهانات والخطط «الإسرائيلية» التي قادها بنيامين نتنياهو لإسقاط النظام في طهران وإقناع دونالد ترامب بخيار المواجهة العسكرية، مؤكدة أن النتيجة كرست إيران باعتبارها القوة الأكثر نفوذاً في المنطقة وعزلت الكيان، وسط تحذيرات من سعي نتنياهو لتفجير جبهة لبنان لإحباط المسار التفاوضي.

الوفد الإيراني يعود بمكتسبات مهمة
عقب مفاوضات شاقة، عاد الوفد الإيراني رفيع المستوى برئاسة رئيس مجلس الشورى وكبير المفاوضين، محمد باقر قاليباف، إلى العاصمة طهران بعد اختتام جولة مباحثات مكثفة استمرت زهاء 18 ساعة متواصلة في منتجع بورغنشتوك السويسري، محققاً إنجازات تفاوضية فرضت الرؤية الإيرانية الحازمة القائمة على قاعدة «الالتزام مقابل الالتزام». وأوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أن الاجتماعات التي انطلقت صباح الأحد شهدت نقاشات معمقة حول مختلف القضايا، حيث شدد الوفد الإيراني على ضرورة التزام الطرف المقابل بتنفيذ تعهداته بصورة عملية وملموسة قبل الانتقال إلى أي مرحلة لاحقة، مؤكداً إحراز تقدم كبير وملموس في ملف رفع الحظر البحري وتسهيل الصادرات النفطية عبر الإعفاءات الأميركية الأخيرة، والإفراج الممنهج عن الأموال المجمدة؛ وهو ما وثّقه محافظ البنك المركزي الإيراني، عبدالناصر همتي، بإعلانه أن نتائج المفاوضات الصعبة والمكثفة سارت تماماً وفق الأهداف الإستراتيجية التي وضعتها طهران مسبقاً لاستعادة حقوقها المالية والمصرفية.
وأثمر الإصرار الإيراني المشروط بوقف العدوان كمتطلب أساسي لبناء الثقة ودفع المسار التفاوضي، عن انتزاع اتفاق سياسي إقليمي ودولي بارز؛ إذ نص بيان قطري -باكستاني مشترك صدر عقب الحوار، على اعتماد خارطة طريق واضحة للتوصل إلى اتفاق نهائي شامل خلال 60 يوماً يركز على البرنامج النووي ورفع العقوبات كلياً، إلى جانب التوافق على إنشاء آلية جديدة ومستقلة للإشراف على جهود إنهاء الحرب في لبنان وضمان الالتزام بوقف العمليات العسكرية. وتقرر في هذا السياق تشكيل مجموعة عمل مشتركة (خلية خاصة بلبنان) تضم ممثلين عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والولايات المتحدة الأميركية، والجمهورية اللبنانية، وبإشراف ومبادرة مباشرة من الوسطاء في الدوحة وإسلام آباد، بهدف وضع حد لانتهاكات وقف إطلاق النار الصهيونية، وضمان الانسحاب الكامل لقوات الاحتلال من جنوب لبنان، ومنع أي تصعيد ميداني؛ حيث أكدت طهران أن الوفود السياسية أنجزت مهمتها في هذه المرحلة، بينما ستواصل الفرق واللجان الفنية والتقنية المختصة أعمالها طوال الأسبوع في سويسرا وفقاً للبند الثاني عشر من المذكرة لمتابعة الجوانب التنفيذية وتفكيك العقبات اللوجستية والاقتصادية.

طهران تنسق خطواتها الإقليمية.. وحرس الثورة يفرض السيادة على هرمز رداً على تهديدات واشنطن
وفي إطار مواكبة هذه التطورات وصياغة الترتيبات الإقليمية الضامنة للمرحلة الانتقالية، أعلن مدير عام العلاقات العامة في مكتب الرئاسة الإيرانية، حبيب عباسي، أن الرئيس مسعود بزشكيان سيتوجه اليوم الثلاثاء إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد في زيارة رسمية تستغرق يوماً واحداً لبحث العلاقات الثنائية ومتابعة تنفيذ التفاهمات المشتركة. وفي حراك موازٍ، غادر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف يرافقه وزير الخارجية عباس عراقجي طهران متوجهين إلى العاصمة العُمانية مسقط، في زيارة رسمية للقاء السلطان هيثم بن طارق، لبحث رفع مستوى التعاون الثنائي وإرساء الترتيبات والخطط السيادية الإيرانية الخاصة بإدارة وتنظيم حركة العبور والملاحة في مضيق هرمز بما يحمي الأمن الإقليمي، وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع مشاورات إقليمية أجراها وزير الخارجية عباس عراقجي في طهران صباح السبت مع وزير الداخلية الباكستاني، محسن نقوي، لتنسيق المواقف بين أطراف الوساطة.