مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
صانع الحلويات الشعبية.. شيخ السُكّر وحارس البهجة القديمة
في الأزقة التي تتناثر فيها أصوات الباعة ووقع الخطى، كان هناك دكان صغير يشعّ نوراً مختلفاً؛ ليس نور مصباحٍ أو فرن، بل نور السكر حين يبتسم.
هناك، يقف صانع الحلويات الشعبية، رجل يتعامل مع العجين كما يتعامل الشعراء مع الكلمات: يعجن، ويخمّر، ويصغي... قبل أن يطلق حلاوته في الهواء.

حين يولد العجين
يصل قبل الجميع. يفتح بابه على مهل كمن يوقظ طفلاً نائماً، ويبدأ يومه بنكهة دافئة: رائحة الخميرة وهي تستيقظ في العجين، وصوت القدر النحاسي وهو يتحضر لاستقبال القطر.
لا أحد يعرف جمال الفجر كما يعرفه صانع الحلو؛ لأنه أوّل من يرى اليوم وهو يتشكل من السكر.

ممالك صغيرة على نار هادئة
في داخل الدكان، تتراصف القدور النحاسية كأنها ممالك ذهبية لها قوانينها الخاصة.
هنا يتلألأ القطر مثل جدول صغير، وهناك ترتفع رغوة الهريسة وهي تتنفس، وبينهما يصفر الزيت مثل عصفور محتار.
كان يعرف حرارة النار باللمس، ويعرف جاهزية القطر من لمعانه، ويعرف مزاج الحلوى من رائحتها قبل أن تنضج.

رقصة النار والجبن
يأخذ خصلة الكنافة بين أصابعه، يفردها كأنها خصلات شعر طفلة، ثم يسكب السمن الساخن فيدور الصوت في القدر مثل رقصة شرقية حارة.
حين يضغطها براحتيه، تستجيب الكنافة فتخضع ليدٍ خبيرة. وعندما يخرجها من الفرن، يتحوّل الدكان إلى عيد صغير من رائحة السمن والجبن.

ابتسامة الطفولة
في زيتٍ يغلي
لا شيء يُضحك الأطفال مثل صوت الطقطقة حين تسقط العوامة في الزيت.
كان يرفع وجهه إليهم مبتسماً: "خلص.. قربت تستوي"، ثم يرفعها بالمصفاة، فيرقص القطر حولها كأنه يلبسها ثوباً من الضوء.
أما المشبّك، فكان يلفّه بمهارة ساحر، قرصاً دائرياً يشبه شباكاً تصطاد الفرح.

أمّ البيت بشكل حلوى
الهريسة لم تكن مجرّد طبق؛ كانت أغنية أمّهات.
يخلط السميد مع الحليب، ويرشّ السمن فوقها كما ترشّ الجدة الحب فوق أحفادها.
وحين يخرجها من الفرن، ترتفع معها رائحة بياض القلب.
كل زبون يأخذ قطعة، ويشعر أنه يحمل معه طعماً من بيت قديم.

لأجل الروح لا لأجل الحلو
كان الدكان محجّة للموظفين الصباحيين، وملجأ لطلاب المدارس الذين يسرقون دقيقة من وقتهم ليأخذوا قطعة مشبّك، وملتقى العشّاق الذين يشترون كنافة ساخنة في مساء ماطر.
وللجيران، كان صانع الحلو رجلاً لا يبيع؛ بل يُواسي. فقطعة الحلو في الزمن الجميل كانت تعادل كلمة طيبة أو مصافحة طويلة.

ماء يكتب به الزمن الجميل
في نهاية اليوم، يجلس على مقعده الخشبي، يمسح القدور، ويعيد ترتيب الملاعق كمن ينسّق نبض قلبه.
تسقط نقطة قطر على الطاولة، فتلمع في الضوء، كأن الزمن الجميل كله انحصر في تلك القطرة: صافية، صادقة، وتختزن تعب اليوم وحلاوته.

خاتمة:
صانع الحلويات الشعبية لم يكن فقط يملأ أفواه الناس بالسكر، بل كان يملأ قلوبهم بطمأنينة صغيرة، تعادل قيمة الحياة كلها.
كان يعرف أن الحلو ليس طبقاً، بل لغة مودة بين الناس.
وفي المدن القديمة، حيث تختلط ضحكة طفل برائحة الكنافة، كان صانع الحلو هو الشاعر المجهول الذي يكتب أبياته.. بالسكر والحنطة والنار.

أترك تعليقاً

التعليقات