وجه الحكومة بإتلاف أي شحنات خارجية ومحاسبة المتواطئين في إدخالها 

عادل بشر / لا ميديا -
في خطوة حاسمة لحماية الإنتاج الزراعي الوطني وترسيخ مشروع الاكتفاء الذاتي، وجه فخامة رئيس الجمهورية المشير مهدي المشاط بإتلاف أي شحنات من بذور البطاطس يتم استيرادها من الخارج، ومحاسبة أي جهة أو شخص يثبت تورطه في إدخالها إلى البلاد بعد صدور قرار منع الاستيراد.
وجاءت التوجيهات الرئاسية تفاعلاً مع سلسلة من التقارير التي نشرتها صحيفة «لا» خلال الأشهر الماضية من العام الحالي وأواخر السنة الماضية، وكشفت الوثائق الرسمية عن مساعٍ متواصلة لإدخال شحنات من بذور البطاطس المستوردة إلى المحافظات الواقعة تحت سلطة المجلس السياسي الأعلى، رغم صدور قرار رسمي بمنع الاستيراد بعد تحقيق الاكتفاء الذاتي من البذور المنتجة محلياً.
ووفقاً لمذكرة رسمية موجهة من مكتب رئاسة الجمهورية إلى القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء محمد مفتاح، حصلت «لا» على نسخة منها، فقد جرى رفع ملف متكامل تضمن خلاصة لما نشرته الصحيفة بشأن شحنات بذور بطاطس مستوردة محتجزة في بعض المنافذ الجمركية، إلى جانب اتهامات من المزارعين بوجود ضغوط ومحاولات للإفراج عنها وإدخالها إلى الأسواق المحلية رغم قرار المنع.
وجاء في المذكرة أن الموضوع عُرض على رئيس المجلس السياسي الأعلى المشير مهدي المشاط، وقضت توجيهاته للقائم بأعمال رئيس الحكومة بـ»إتلاف أي بذور بطاطس تدخل البلد بعد قرار منع استيرادها، ومحاسبة أي متواطئ في إدخالها بعد قرار المنع، والعمل بحسب القرار وحماية المنتج المحلي فوراً».
وتحمل هذه التوجيهات دلالات تتجاوز مجرد التعامل مع شحنات مخالفة، إذ تعكس موقفاً رسمياً واضحاً بإغلاق أي منافذ قد تسمح بالالتفاف على مشروع وطني استراتيجي جرى العمل عليه لسنوات، وأثمر بتحقيق الاكتفاء الذاتي من بذور البطاطس المنتجة محلياً لأول مرة في تاريخ اليمن.
وكان الرئيس المشاط، وفقاً لمصادر مطلعة، قد ارتبط بصورة مباشرة بهذا المشروع بتوجيهات من القيادة الثورية، حيث دشن في تشرين الأول/ أكتوبر 2023 مشروع الاكتفاء الذاتي من بذور البطاطس الرتب العليا المنتجة محلياً، وأعلن في الوقت نفسه إغلاق باب الاستيراد بعد التأكد من قدرة الإنتاج الوطني على تغطية احتياجات السوق المحلية.
وخلال زيارة ميدانية أجراها آنذاك إلى الشركة العامة لإنتاج بذور البطاطس التابعة لوزارة الزراعة، اطلع الرئيس المشاط على البنية التحتية للمشروع ومراحل إنتاج البذور والقدرات الفنية والتقنية التي طورتها الكوادر اليمنية، مؤكداً أهمية حماية هذا الإنجاز الوطني وتعزيز الاعتماد على المنتج المحلي.
وتُعد الشركة العامة لإنتاج بذور البطاطس صاحبة الإنجاز الأبرز في هذا الملف، إذ تمكنت من إنتاج بذور البطاطس الرتب العليا محلياً بأيدٍ وخبرات يمنية خالصة، في خطوة أنهت عقوداً من الاعتماد على الاستيراد الخارجي الذي كان يستنزف ملايين الدولارات سنوياً.
وقبل ذلك بشهرين تقريباً، كانت وزارة الزراعة قد أصدرت في أغسطس 2023 قراراً رسمياً بمنع استيراد بذور البطاطس، استناداً إلى تقارير فنية أكدت أن الكميات المنتجة محلياً أصبحت كافية لتغطية الاحتياج السنوي على مستوى الجمهورية.
وبحسب تصريح للشركة العامة لإنتاج بذور البطاطس فإن السنوات التي أعقبت قرار المنع أثبتت نجاح الرهان على المنتج الوطني، حيث تمكنت من توفير احتياجات جميع المواسم الزراعية من البذور، بل وتحقيق فائض إنتاجي بلغ آلاف الأطنان فوق الاحتياج الفعلي للسوق المحلية، الأمر الذي يستدعي البحث عن سوق خارجية لتصريف المنتج.
ورغم هذه المؤشرات، ظل ملف بذور البطاطس المستوردة حاضراً بقوة خلال الأشهر الماضية، مع تصاعد تحذيرات المزارعين والجهات المختصة من محاولات متكررة لإدخال شحنات مستوردة عبر المنافذ الواقعة في المناطق الخاضعة لسيطرة تحالف العدوان، ثم السعي لنقلها إلى المحافظات الواقعة ضمن خارطة السيادة.
وكانت صحيفة «لا» قد خصصت سلسلة من التحقيقات والتقارير المعززة بالوثائق لكشف ما وصفه مزارعون ومختصون بـ»لوبي الدمار»، الذي يسعى إلى إعادة فتح السوق أمام البذور الأجنبية رغم توفر البديل المحلي بجودة عالية، وما يترتب على ذلك من أضرار اقتصادية مباشرة على المنتج الوطني ومراكز إكثار البذور والمزارعين.
ولم تتوقف المخاوف عند الجانب الاقتصادي فحسب، وإنما امتدت إلى الجوانب الزراعية والبيئية، خصوصاً بعد الكشف عن شحنة مكونة من 139 طناً من بذور البطاطس المستوردة ثبتت إصابتها بمرض العفن البني، أحد أخطر الأمراض الحجرية التي تصيب البطاطس عالمياً.
وأثارت تلك القضية موجة واسعة من القلق والاحتجاجات، بعدما كشفت الوثائق الرسمية أن الشحنة دخلت البلاد عبر المنافذ الواقعة تحت سيطرة المرتزقة، قبل أن يتم احتجازها في منفذ عفار الجمركي بمحافظة البيضاء لعدة أشهر، ليتفاجأ المزارعون والمكاثرون بنقل الشحنة إلى محافظة ذمار بهدف إتلافها من خلال تحويلها إلى سماد عضوي، وهي الخطوة التي قوبلت برفض وتحذيرات من المزارعين وخبراء الزراعة والهيئات البيئية وحماية المستهلك، الذين اعتبروا أن المرض يتمتع بقدرة عالية على البقاء في التربة والانتشار لفترات طويلة، بما قد يهدد الأراضي الزراعية والأمن الغذائي الوطني.
وخلال الأسابيع الأخيرة، نظم مزارعو ومنتجو البطاطس عدة وقفات احتجاجية أمام مكتب النائب العام، مطالبين بمحاسبة الجهات التي سمحت بدخول تلك الشحنات، والتحقيق في محاولات إغراق السوق بالبذور المستوردة رغم قرارات المنع، وتعويض المتضررين من الخسائر التي لحقت بهم نتيجة تلك الممارسات.
وفي الوقت الذي وصف فيه مختصون بالشأن الزراعي والبيئي التوجيهات الرئاسية بأنها تمثل نقطة تحول مهمة في هذا الملف، فإنهم يأملون من القائم بأعمال رئيس الوزراء والجهات المختصة في الحكومة، بأن يترجموا توجيهات فخامة رئيس الجمهورية على أرض الواقع، فالتوجيهات لا تكتفي بالتأكيد باستمرار قرار منع الاستيراد، وإنما تضع إطاراً واضحاً للتعامل مع أي محاولات للالتفاف عليه، من خلال إتلاف الشحنات المخالفة ومحاسبة المتورطين في إدخالها أو التواطؤ معها.
وأكدوا أن توجيهات رئيس الجمهورية تعكس حرص القيادة على حماية أحد أبرز الإنجازات الزراعية التي تحققت خلال السنوات الأخيرة، والمتمثل في الوصول إلى الاكتفاء الذاتي من بذور البطاطس، وهو الإنجاز الذي بات اليوم أمام اختبار حقيقي بين مشروع وطني يعتمد على الإنتاج المحلي ويعزز الأمن الغذائي، وبين مصالح تجارية لا تزال تسعى إلى إعادة فتح أبواب الاستيراد مهما كانت الكلفة على المزارعين والتربة والاقتصاد الوطني.