فؤاد أبو راس

فؤاد أبو راس / لا ميديا -
من السهل على بعض الكتّاب أن يهاجموا القبيلة اليمنية حين تعجز مشاريعهم السياسية عن استدعائها إلى معاركهم الخاصة. ومن السهل أيضاً اختزالها في موقف عابر أو قراءة انتقائية مشحونة بمرارة فقدان النفوذ والمصالح.
القضية أعمق من اختلاف في الرأي حول دور القبيلة والدولة؛ إنها خيبة أمل من أولئك الذين أرادوا للقبيلة أن تكون جزءاً من مشاريع الارتزاق التي تورطوا فيها، ثم صُدموا حين عجزوا عن جرّها إلى المستنقع ذاته. أرادوها وقوداً لمعاركهم، وخزاناً بشرياً لمشاريعهم، وسلّماً للعودة إلى امتيازاتهم القديمة، فلما وقفت في صف وطنها وكرامتها تحولت في خطابهم إلى هدف للتشويه والانتقاص.
القبيلة اليمنية في أصلها بنية اجتماعية عريقة، وسند أهلي، وحاضنة قيمية، ومكوّن أصيل من مكونات اليمن. تحميلها فشل السياسيين وفساد النخب وانهيار المؤسسات محاولة مكشوفة للهروب من المسؤولية وإلقاء الخيبة على المجتمع بدل مواجهة أسبابها الحقيقية.
والذين يهاجمون القبيلة اليوم يعرفون أنها كانت الحامل الاجتماعي والسياسي والعسكري للدولة التي عاشوا في ظلها عقوداً طويلة. على أكتاف رجالها قامت سلطات، وبأبنائها امتلأت المعسكرات، وبمواقفها ثبتت توازنات الحكم، وبصمتها أتيح لغيرها أن يطيل البقاء في مواقع النفوذ دون بناء دولة مؤسسات راسخة.
ومن هنا تنكشف ازدواجية الخطاب: حين كانت القبيلة تمنحهم الحشود سموها عمقاً وطنياً، وحين كانت تمنحهم الرجال سموها رصيداً للجمهورية، وحين رفضت أن تتحول إلى أداة في مشاريع الارتزاق صارت في خطابهم عاجزة ومتهمة بالتخلي عن الثوابت.
هذا التحول في اللغة يكشف خصومة مع مجتمع كامل لأنه أفشل رهانهم. لقد أرادوا القبيلة تابعة لمصالحهم لا شريكة في وطنها، وأرادوها بندقية مأجورة لا كرامة راسخة. وحين عجزوا عن ذلك، بدؤوا بمحاكمتها أخلاقياً وسياسياً.
والقبيلة اليمنية لم تفشل في صناعة الدولة. الفشل الحقيقي يتحمله مَن استثمروا القبيلة طويلاً لبناء نفوذهم، ثم تركوا الدولة بلا مؤسسات، والجيش بلا عقيدة وطنية جامعة، والإدارة بلا كفاءة، والمال العام بلا حراسة، والقرار السياسي بلا رؤية. وحين سقطت منظومتهم، عادوا يبحثون عن شماعة، فوجدوا القبيلة أمامهم.
من أبناء هذه البيئة القبلية خرج رجال دولة وقادة جيش ووجاهات اجتماعية ومقاتلون وإداريون وسياسيون ساهموا في تشكيل وجه اليمن لعقود، لذلك يصبح الهجوم على القبيلة ضرباً من نكران الجميل السياسي، ومحاولة لطمس الدور الذي صنع لهم الحضور والنفوذ والمكانة.
إن اتهام القبيلة بأنها سلمت واستسلمت، اتهام ظالم. فالقبيلة اليمنية ليست بياناً يصدره شيخ، بل آلاف البيوت والأسر والرجال الذين حملوا أعباء الحرب والجوع والحصار والانقسام، ودفعوا من أرواحهم وأرزاقهم وكرامتهم أثماناً باهظة.
ومن الإنصاف التمييز بين المجتمع والواجهة، وبين الإنسان والمشيخ، وبين القبيلة كقيمة والقبيلة كاستخدام سياسي. خطأ الشيخ يخصه، وانحراف الوجيه يتحمله صاحبه، وموقف الفرد لا يختصر تاريخ قبيلة ولا يحاكم مجتمعاً كاملاً.
ومن يريد دولة حقيقية عليه أن يبدأ باحترام القبيلة اليمنية بوصفها كياناً اجتماعياً أصيلاً، لا أداة سياسية عند الحاجة، ولا خصماً عند الاختلاف. اليمن لا يقوم بإهانة القبيلة الفلانية أو العلانية، ولا يستخف بقبائل اليمن ومكوناته، بل حين تتحول هذه المكونات إلى طاقة وطنية داخل مشروع جامع يحفظ الكرامة ويصون القانون.
القبيلة اليمنية ليست سراباً؛ السراب الحقيقي أن يظن أصحاب المشاريع الخاسرة أن بإمكانهم بناء دولة وهم يطعنون المجتمع الذي ستقوم عليه الدولة. ومن عجز عن جرّ القبيلة إلى مشاريع الارتزاق ثم انقلب عليها بالتشويه والانتقاص، فمشكلته أعمق من خلاف سياسي؛ إنها مشكلة مع اليمن ومع كرامته.

أترك تعليقاً

التعليقات