تقرير / لا ميديا -
جددت طهران، أمس الأحد، عهد الدم والبارود، في أضخم استفتاء شعبي ومقاوم يشهده التاريخ المعاصر؛ إذ أدى ملايين المشيّعين في مصلى الإمام الخميني بالعاصمة طهران صلاة الجنازة على الجثمان الطاهر لقائد ومرشد الثورة الإسلامية الإيرانية، آية الله العظمى السيد علي الخامنئي، وكوكبة من أفراد أسرته الأبرار، الذين ارتقوا شهداء إثر العدوان الأمريكي الصهيوني الغادر.
وأَمَّ المرجع الديني آية الله جعفر سبحاني جموع المصلّين، بحضور أبناء القائد الشهيد، ورؤساء السلطات الثلاث، وقادة محور المقاومة، وسط أجواء لاهبة بعنفوان الثأر المقدس.
وتأكيداً لعمق التلاحم المصيري بين أركان المحور، عقد رئيس مجلس الشورى الإسلامي، محمد باقر قاليباف، على هامش التشييع الملحمي، لقاءً استراتيجياً مع رئيس مجلس القيادة في المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس، القائد المجاهد محمد درويش، والوفد المرافق له، واضعاً النقاط على الحروف بالقول: «إن الثأر للإمام الشهيد والقصاص العادل لدمائه يتمثل في هدف واحد لا حيد عنه، وهو تحرير القدس كلياً؛ فليس بيننا وبين الولايات المتحدة أي سلام، ولن نعترف أبداً بما يسمى إسرائيل».
وشدد قاليباف، خلال لقائه التاريخي بقائد حركة حماس، على أن الدبلوماسية والمفاوضات ما هي إلا أدوات لفكّ العقد العسكرية وترسيخ إنجازات المجاهدين في الميدان، جازماً بأن العمل السياسي لا يُنتج أثراً إلا عندما تكون الدولة بأكملها على أهبة الاستعداد للدفاع المشرع. وأردف: «إن دعمنا لجبهة المقاومة وللمسلمين ثابت لا يتزحزح، فإذا اقتضت الحاجة والأمر يكون الدعم بالصواريخ، وإذا استدعى الأمر ممارسة ضغط سياسي، وعبر المفاوضات».
وخاطب قاليباف المجاهدين الفلسطينيين بكلمات بليغة قائلاً: «يجب علينا جميعاً أن نعاهد الله بصدق على أن نكون مستعدين للجهاد والشهادة وهزيمة العدو، فأيٌّ من الأمرين يتحقق فهو الفوز العظيم»، معرجاً على الانهيار الاستراتيجي لتحالفات واشنطن بالقول إن الحكومات الإسلامية أدركت يقيناً اليوم أن الارتهان لأمريكا والكيان الصهيوني لا يجلب لها إلا الخراب وانعدام الأمن.
من جانبه، أكد رئيس مجلس القيادة في حركة حماس، محمد درويش، أن المشاركة في وداع قائد الأمة هو واجب مقدس على كل مجاهد، معلناً: «في عقيدتنا لا يوجد إلا النصر أو الشهادة. أما الهزيمة فلا مكان لها في قاموسنا». وأضاف درويش أن ملحمة «طوفان الأقصى» كانت الهزيمة الأكبر والأعمق للكيان المسخ منذ تأسيسه، وسقطت معها هيبة واشنطن و»تل أبيب»، مبيناً أن العدو فشل طوال ثلاثة أعوام من الحصار والعدوان في كسر إرادة غزة، كما أخفق إخفاقاً تاماً في أوهامه لإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية خلال الحرب الأخيرة.

تيليغراف: العواصم الغربية مذهولة من مشاهد التشييع
هذا الزحف البشري الأسطوري والوحدة الفولاذية حطمت أوهام الدوائر الغربية؛ إذ أكدت صحيفة «تيليغراف» البريطانية في تقرير لها أن مشاركة ملايين الإيرانيين في مراسم الوداع وصلاة الجنازة تكشف بوضوح عن النفوذ الاجتماعي الكاسح والمكانة الإقليمية والدولية العميقة لآية الله الخامنئي.
وأشارت الصحيفة إلى الذهول الذي أصاب العواصم الغربية التي كانت تترقب اضطرابات وانهياراً داخلياً في إيران، فإذا بالشعب يخرج عن بكرة أبيه لتوديع قائده في حشود غصت بها شوارع طهران، مرجحة بنظر المسؤولين أن يصل عدد المشاركين في محطات الجنازة بين طهران، وقم، ومشهد، ومدن العراق المقدسة، إلى نحو 35 مليون مشيع، وهو رقم قياسي يضع هذه المراسم كأكبر جنازة شهدها التاريخ الحديث بشرعية شعبية لا تقبل التأويل.
وبدورها، رصدت القنوات الصهيونية، مثل «آي 24 نيوز»، المشهد برعب واعتراف صريح، مؤكدة أن ما يفعله الإيرانيون خلال أسبوع الجنازة هو عملية رصّ صفوف جبارة وإظهار وحدة حديدية يراها العالم علانية وتنسف كل رهانات التفكيك.

قادة الجيش والحرس يجددون البيعة للسيد مجتبى ويتوعدون القتلة
من جانبه، أصدر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بياناً عاصفاً خاطب فيه الخصوم قائلاً: «وجّهوا أنظاركم إلى إيران خلال هذه الأيام. هذه هي إيران التي ظننتم واهمين أنكم قادرون على إسقاطها في غضون أيام قليلة؛ فها هو البحر البشري الهادر يرفع شعارين حاسمين: المقاومة في مواجهة الأعداء، والثأر لدم القائد الشهيد».
وفي السياق ذاته، حذّر مستشار قائد الثورة، اللواء يحيى رحيم صفوي، من أن أمريكا والكيان ارتكبا خطأً استراتيجياً فادحاً باستهداف قائد الأمة، مؤكداً أن الجريمة لم تحقق أهدافها، بل أشعلت غليان الدماء، موجهاً تحية إجلال خاصة للمقاومة اليمنية الباسلة، ولحركة أنصار الله وقائدها السيد عبد الملك الحوثي، متطلعاً ليوم اللقاء القريب فوق أرض فلسطين المحررة.
وترسيخاً لخط الولاية والردع، أعلن قادة القوات المسلحة تلاحمهم المطلق خلف راية القيادة الجديدة؛ إذ أكد قائد الجيش الإيراني، اللواء أمير حاتمي، أن الجيش سيتابع الدرب بقوة وعزيمة لا تلين خلف قائد الثورة الإسلامية الجديد، آية الله السيد مجتبى الخامنئي، متعهداً للشعب بأن الأعداء لن يفرّوا من العقاب.
وجدد مساعد القائد العام للجيش، الأدميرال حبيب الله سياري، عهد الوفاء للقيادة الجديدة قائلاً: «نعد قائدنا وبيرق أمتنا سماحة السيد مجتبى بأننا سنواصل درب الثأر والمقاومة بإرادة حديدية وعزيمة صلبة»؛ وهو ما شدد عليه مستشار ومساعد قائد الثورة والجمهورية، محمد مخبر، جازماً بأن «قتلة إمامنا الشهيد لن يموتوا ميتة طبيعية وسينتقم منهم النظام والشعب لا محالة».
وفي قراءة سياسية لأبعاد هذا الحشد، أوضح مساعد قائد حرس الثورة للشؤون السياسية، العميد يد الله جواني، أن المراسم تحمل أربع رسائل صريحة وغير قابلة للتأويل: تجديد العهد مع إمامي الثورة، الالتزام الحتمي بمطلب الثأر والقصاص، البيعة المطلقة لآية الله السيد مجتبى الخامنئي، والمقاومة العاتية في وجه أمريكا والكيان الصهيوني.

خطوط حمراء
على الصعيد السياسي، قطع رئيس البرلمان الإيراني الشك باليقين بشأن مسار التفاهمات الجارية، مؤكداً أن الولايات المتحدة طرف غادر وغير موثوق به على الإطلاق، ولذلك وضعت طهران خطوطاً حمراء واضحة وحافظت عليها بكل صلابة، معلناً أن مسألة «جبهة المقاومة» ووقف الحرب الشاملة ضد جبهات المقاومة في إيران ولبنان وفلسطين هي خط أحمر لم ولن يتم التراجع عنه مطلقاً كجزء لا يتجزأ من أي تفاهم، مشيراً إلى أن تطبيق المذكرة صعب لكنه ممكن بفضل اقتدار الميدان، الذي شهد بالتوازي نشاطاً دبلوماسياً حثيثاً لوزير الخارجية عباس عراقجي مع قادة باكستان لترسيخ المعادلات الإقليمية.