قفص الألفاظ المعلبة
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
ما أقسى تلك اللحظات؛ التي ترى فيها روحك التي كانت ذات يوم؛ مدينةً مسكونةً بالحلم؛ ضاجةً بالطموح؛ مزينةً بغراسٍ زرعها الثوار من نبتة الإحساس بالناس؛ وحمل همومهم؛ وسقاها دمهم حتى نمت وقويت سوقها؛ وقد تحولت إلى مدينة أشباح؛ يغشاها الحزن؛ وتعبث بها القوارض والحشرات! لا صوت تسمعه بداخلها سوى صوتِ عواصف تنهيداتك وتأوهاتك وهي تعصف ببقايا حطام لآمالك وتطلعاتك؛ وتصطدم بعظام وجماجم أمنياتك النخرة ساخرةً منك يا كومة قش هذا العدم السرمدي!
حينها تقول: متى نخرج من هذه الطقوس التي جعلت كل ما نرجوه في حياتنا في خانة الانتظار؟ لقد تسرب كل ما له معنى من دواخلنا كما يتسرب الماء من وعاء صدئ، وبتنا نعيش تفاهة كل شيء.
هنا، يموت المعنى؛ ويستشري العبث؛ حَيْثُ يَتَسَلَّلُ الصَّمْتُ، كَمَوْجٍ خَفِيٍّ لكنه قاتل ومدمر.
لا تنكر ذلك؛ فلطالما قُدِمَ الخواء على أنه امتلاء؛ واحتفى الكل بالقشورية وصانعيها، وباتت العيون ترى السَّطْحَ صَفِيحَةَ حَدِيدٍ، والضحالةَ منتهى الغوص في بواطن الأمور، بعد أن اتفق الخراسون على أن يسكن العُمْقُ زَنْزَانَةَ الخَيَالِ.
نعم؛ هو زمن التفاهة؛ تفاهة كل شيء؛ فلمَ اليقظة إذن والمُجْتَمَعُ كله من حولك داخلٌ في حالة من السبات الدائم؛ بعد أن سكر بما قدمه له الوهم؛ القائم مقام المعني بحياته على مستوى الوجود والقضية والموقف والمصير؟ أما آن لك أن تستريح؛ فالجميع هناك قد دخلوا تحت جناح الخيال؛ وناموا تَحْتَ تيجَانٍ منسوجة من العجز؛ بعد أن لبسوا ثوباً من مادة واحدة وعلى مقاس واحد وبلون واحد؟ لا عجب؛ ففي كثير من الأحيان تحَاكُ التَّفَاهَةُ ثَوْباً لِلجَمِيعِ.
مثلاً عندما ينظر المرؤ في ساحة السّيَاسة يصاب بنوبة انهيار فكري؛ فكل شيء يمر عكس المراد، وهناك من يبيعك العقاقير المسكنة بتلك الكلِمَات التي يقدمها المهرجون باعتبارها أضوَاءً ترتعش على جبين الجموع التي باتت تدرك أن الأفعال دُمَى تَتَهادَى فِي أَزِقَّةِ الوَعْدِ الكَذُوبِ، عندها تسقط الثوابت، ويصاب الكل بالشلل، ولا يبقى إلا مَنْ يُعَلِّمُ نَفْسَهُ رَقْصَةَ البَبَّغَاء في قفص الألفاظ المعلبة.

أترك تعليقاً

التعليقات