دمشق - خاص / لا ميديا -
مرة جديدة يعتدي الكيان «الإسرائيلي» على سورية، وهذه المرة في منطقة بعيدة جغرافياً عن الكيان، حيث أقصى الشمال السوري، وزاد عليه هذه المرة، أنه استهدف بالضربة العمق الاستراتيجي التركي.
ثمان غارات جوية على الأقل، ضربت مدارج وحظائر في قاعدة أبو الظهور الجوية في ريف إدلب، شمال غرب سورية، وعلى بعد 70 كيلومتراً فقط، من الحدود التركية.
ما حملته الأخبار والكواليس من معلومات، كشفت أن الأمر أخطر وأبعد من مجرد عدوان، من جملة الاعتداءات التي نفذتها حكومة العدو، في مناطق متفرقة من سورية، منذ سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، ووصول الجولاني ومجموعاته المسلحة إلى الحكم.
وفي تسلسل الأحداث..
«إسرائيل» ضربت وصمتت، ولم تعلن مسؤوليتها بداية، لكن المبعوث الأمريكي إلى سوريا، والسفير لدى تركيا، توم باراك، كشف أن «إسرائيل» تقف وراء الهجوم.
استغرق الصمت «الإسرائيلي» نحو عشرين ساعة، ليخرج بعدها مكتب رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو، ويعلن مسؤولية «إسرائيل» عن الهجوم، وقال إن سوريا كانت على وشك خرق تفاهم مع «إسرائيل»، للحفاظ على الوضع الأمني القائم، من خلال السماح بنشر قوات تركية، في قاعدة جوية قرب حلب.
وأضاف أن «سورية تجاهلت تحذيرات إسرائيل، بشأن هذا الانتشار»، وأن «إسرائيل لن تتسامح مع التهديدات التي تمس أمنها».
المعلومات اللاحقة، أكدت أن الحكومة «الإسرائيلية»، أعلمت البيت الأبيض مسبقاً بالضربة، وبأن الهدف هو ردع تركيا، عن إرسال شحنة من منظومات الأسلحة المتطورة إلى المطار.
كما تحادث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هاتفياً مع أردوغان، قبل الهجوم بنحو ثلاث ساعات، ورفض الرواية «الإسرائيلية».
وبحسب المعلومات أيضاً، فإن نتنياهو لم يستجب لطلب واشنطن، عدم قصف المطار، والعمل على حل الأمر عبر قناة منع الصدام.
وأوضح مسؤول في البيت الأبيض، بأن ترامب «تلقى إحاطة بشأن الغارة الإسرائيلية» دون تفاصيل.
أما أخطر ما كشفته المعلومات، كان الاتصال الهاتفي المباشر، بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ورئيس «الموساد الإسرائيلي» رومان غوفمان، قبل العدوان بيومين، ولأكثر من مرة، ناقشا خلال الاتصالات، الوجود العسكري التركي في سوريا عموماً، وفي مطار أبو الظهور خصوصاً.
وبحسب معلومات مؤكدة من عدة مصادر، فإن رئيس «الموساد» سأل الشيباني، عن التحركات الحاصلة في مطار أبو الظهور.
وأشارت المعلومات، إلى أن دمشق كانت على علم منذ فترة بالأسئلة «الإسرائيلية» بشأن القاعدة، وأرسلت رسائل عبر الأمريكيين إلى «الإسرائيليين»، تشرح فيها أسباب إعادة تأهيل المدرج، وتؤكد عدم وجود نيات عدائية، وجرى التأكيد على أنه لا نية لتشكيل خطر على أي من دول الجوار، وأن التركيز هو على إعادة البناء، وجعل سوريا عقدة لممرات الطاقة وخطوطها، وضبط الحدود ضد التهديدات والتهريب.
وتضمّن الرد السوري أن مطار أبو الظهور، الذي سيضم طائرات مسيّرة تركية، من نوع بيرقدار وغيرها، يهدف إلى دعم عمليات محاربة داعش والميليشيات، وضبط الحدود مع العراق ولبنان لمنع تسلل الأسلحة والميليشيات.
الجانب «الإسرائيلي» لم يقتنع بالتبريرات السورية، وقدم وثائق وصورا حول ما يجري في المطار، واعتبر ذلك خطراً تركياً عليها، وأنها ستقصف المدارج، وتمنع وصول الطائرات، وإقامة قاعدة في الموقع.
وبعد العدوان، قال الشيباني في تصريحات لموقع «أكسيوس» الأمريكي، بأنه لا توجد نية لإنشاء قاعدة تركية، أو إقامة وجود عسكري تركي دائم في المطار.
وأضاف: «أوضحت لإسرائيل، أننا لا نتعاون مع تركيا لحشد عسكري في القاعدة، إلا أنها شنت الهجوم».
وفي المواقف وتداعيات ما بعد العدوان، طلبت إدارة ترامب، من الحكومة السورية ضبط النفس، وأبلغتها بأن معالجة المشكلة، ستكون أسهل بعد الانتخابات «الإسرائيلية».
أما المبعوث الأمريكي توم باراك فقال إن «العقول الهادئة، نجحت في منع تدهور الموقف».
الموقف «الإسرائيلي»، عبر عنه وزير الدفاع يسرائيل كاتس الذي أكد بأن «إسرائيل» تعتزم الإبقاء على قواتها داخل الأراضي السورية، وهو ما أكده أكثر من مسؤول سياسي وعسكري «إسرائيلي».
الموقف التركي كان لا فتاً، بأنه كان متناقضاً مع حجم لهجة التهديد التركية بحق الكيان، والمسؤولين «الإسرائيليين»، في الفترة الأخيرة، والتي وصلت حد تهديد وزير الداخلية التركي، مصطفى تشيفتشي، بأن تركيا ستعمل على الوصول إلى القدس، واكتفى مسؤول تركي آخر بالقول إنه «لم يكن هناك وجود تركي في القاعدة» متهماً «إسرائيل» بـ»اختلاق ذرائع، لقصف الدول المجاورة، وزعزعة استقرار المنطقة».
وقال مدير الاتصال في الرئاسة برهان الدين دوران «لدينا من الخبرة ما يكفي، لكيلا نقع في فخ شخصيات مثل نتنياهو، هدفهم تقويض السلام والاستقرار في منطقتنا».
أما الإعلام التركي الموالي لأردوغان، فقد تعامل مع الموضوع، على أنه رسالة انتخابية من نتنياهو للداخل «الإسرائيلي»، ومحاولة لاستدراج أنقرة، إلى مواجهة أوسع، وليس تهديدا «إسرائيليا» لتركيا، أو للأمن القومي التركي، وأصبح الرهان التركي يستهدف احتواء التصعيد دبلوماسياً والتعويل على دور أمريكي وتجنّب الوقوع في الفخ «الإسرائيلي».
ثمة نقطة غامضة في العملية، تؤكد حجم التغلغل «الإسرائيلي» داخل المراكز العسكرية والأمنية السورية والتركية، في سورية، وهي دقة توقيت القصف، فور مغادرة الوفد التركي للمطار مباشرة، وهذا يؤكد وجود من أعطى الإحداثيات والتوقيت لـ»الإسرائيليين» بدقة.
أيضاً رافق الاعتداء على مطار أبو الظهور، حدث له دلالاته الكبيرة، تم تمريره خلف غبار القصف، وبدون ضجة إعلامية، وبنفس توقيت ضرب المطار، وهو قيام «إسرائيل» بعملية خاصة، بالتنسيق مع سلطة الشرع، استعادت فيها رفات آخر جندي «إسرائيلي» موجود في سورية، وهو الجندي يهودا كاتس، الذي قتل في «معركة السلطان يعقوب» التي وقعت خلال الاجتياح «الإسرائيلي» للبنان عام 1982.
صراع على النفوذ، والسيطرة على الإرادة السياسية والعسكرية والاقتصادية لسورية، بين تركيا والكيان الصهيوني، وسط غياب القدرة، والإمكانات، والوسائل للدفاع عن سورية، الدولة والشعب، والخاسر الأول والأخير، هو الشعب السوري.