مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الراعي.. حارس الصمت الأخير
كان الراعي مهنة تمشي على مهل، تشبه الجبال أكثر مما تشبه الناس.
لا ساعة تضبط وقته، ولا جدار يحدّ أفقه، كل ما يملكه: قطيع، وعصا، وكلب، وناي يقول ما لا يُقال.

فجر الخروج.. وخطوات محسوبة
يخرج مع الفجر، لا لأن الشمس تطلبه، بل لأن الغنم لا تعرف الانتظار.
خطواته محسوبة على الأرض، كأنه يعتذر منها في كل مرة يطفئها، ويمضي والقطيع خلفه كفكرة جماعية لا قائد لها إلا الثقة.

مسؤولية القطيع
لم يكن القطيع مجرد رزق، بل كائناُ واحداُ يتنفس بألف صدر.
يعرف الراعي شاته المريضة من مشيتها، والضائعة من ثغائها، ويعرف أن الخسارة تبدأ دائماُ بشاردةٍ واحدة لم ينتبه لها في الوقت المناسب.

صداقة لا تعرف الخيانة
إلى جانبه، كان كلبه، عينٌ ثانية، وقلبٌ لا يخون.
لا أوامر تُقال، إيماءة تكفي، نظرة تُغني عن الكلام.
كان الكلب يفهم الخطر قبل أن يتشكل، ويحرس الصمت كما يحرس القطيع.

يمضغ الوقت على حجر
عند الظهيرة، حين يهدأ كل شيء، يجلس الراعي على حجرٍ يعرفه، ويصير الكون كله بحجم هذا المستراح القصير.
لا حديث، لا شكوى، فقط مضغ بطيء للوقت وانتظار المساء.

لحن يشبه الطريق الطويل
ومع الغروب، يخرج الناي، لا ليُطرب أحداً، بل ليُخفف عن صاحبه ثقل النهار.
نفخة أولى خجولة، ثم لحن يشبه الطريق الطويل، لحن لا يُكتب ولا يُحفظ، بل يُعزف مرة واحدة ثم يضيع.

كلب يحرس النغم والغنم
كان الكلب يتمدد قربه، ينصت بلا فهم، لكن بلا غياب.
يحرس اللحن كما يحرس الغنم، فبعض الأصوات أيضاً تحتاج مَن يحميها من الوحشة.

حياة لا تتسع ولا تضيق!
هكذا عاش الراعي؛ نهاره حراسة، ومساؤه شجن، وحياته دائرة لا تتسع ولا تضيق.
وحين اختفى، لم يُعلن أحد الحداد؛ لكن الصمت في الجبال ازداد فجأة.

خاتمة:
انقرض الراعي، وبقيت صورته في الذاكرة كفكرة عن البساطة الممكنة.
رحل ومعه كلبه ونايه، وبقيت الأرض أقلَّ حديثاً، وأكثر وحدة.
فبعض المهن حين تختفي تأخذ معها نغمةً كاملة من سيمفونية الحياة.

أترك تعليقاً

التعليقات