عادل بشـر / لا ميديا -
فوجئ مزارعو فاكهة "المانجو" ومنتجو خام "لُب المانجو" المحلي، بإدخال شحنة ضخمة من "لُب المانجو" الخارجي، في وقت تؤكد فيه وزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية أن الإنتاج المحلي من "لب المانجو" تجاوز حجم الاستيراد السابق وحقق فائضاً يمكن أن يفتح الباب أمام التصدير.
وتكشف وثيقة رسمية، حصلت (لا) على نسخة منها، عن قيام وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار في صنعاء بالإفراج عن شحنة من خام "لب المانجو" المستورد، كانت محتجزة في منفذ ذمار الجمركي على متن 45 حاوية، رغم تلقي ذات الوزارة مذكرة رسمية قبل أقل من شهر من وزارة الزراعة تطالب فيها بمنع وإيقاف استيراد لب المانجو "تماماً".
وتعيد الواقعة فتح ملف الاستيراد وحماية المنتج المحلي، وتطرح سؤالاً جوهرياً، إذا كانت البلاد قد وصلت إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي من خام "لب المانجو"، فلماذا يستمر دخول كميات كبيرة من المنتج المستورد إلى السوق؟

استيراد رغم فائض الإنتاج
بحسب البرقية الصادرة عن إدارة غرف العمليات المركزية بوزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار بتاريخ 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، جرى التوجيه بالإفراج عن شحنة من خام "لب المانجو" المستورد تقدر بـ818 طناً، تعود لإحدى الشركات الخاصة المحلية.
وتشير الوثيقة إلى أن الإفراج جاء بناءً على طلب الشركة ومبررات تتعلق بقيامها بشراء كميات سابقة من المنتج المحلي بلغت نحو 122 طناً.
وجاء الإفراج عن هذه الشحنة بعد أسابيع من مخاطبة وزارة الزراعة لوزارة الاقتصاد بضرورة وقف استيراد لب المانجو، استناداً إلى بيانات رسمية تتحدث عن ارتفاع الإنتاج المحلي وتجاوزه حجم الاحتياج.
ففي مذكرة مؤرخة في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، حصلت (لا) على نسخة منها، خاطب نائب وزير الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية إبراهيم حسن المداني، القائم بأعمال وزير الاقتصاد والصناعة والاستثمار، مطالباً بمنع وإيقاف استيراد خام لب المانجو.
وتستند المذكرة إلى مخاطبات رسمية سابقة، بينها مذكرة بتاريخ 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2025م، بخصوص تسويق منتج المصانع المحلية من لب المانجو ومنع الاستيراد، وذلك عطفاً على مذكرة نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الإدارة المحلية، ومذكرة محافظ محافظة الحديدة، بشأن دخول 3003 أطنان من لب المانجو المستورد إلى الأسواق المحلية عبر المنافذ البرية وميناء الحديدة، رغم صدور تعميم بوقف استيراده بتاريخ 10 أيار/ مايو 2025.
وتشير وزارة الزراعة إلى أن بيانات الاستيراد لعام 2024 بلغت نحو 10 آلاف طن، في حين تجاوز إنتاج مصنع "وطني فوود" والمؤسسة الاقتصادية اليمنية خلال الموسم السابق 2024 نحو 8 آلاف طن.
لكن الوزارة تقول إن الصورة تغيرت خلال الموسم التالي 2025م، إذ ارتفعت الطاقة الإنتاجية لمصنع "وطني فوود" إلى أكثر من 10 آلاف طن، فيما تجاوز إنتاج مصنع مجمع باجل التابع للمؤسسة الاقتصادية اليمنية 3 آلاف طن، ليصل إجمالي الإنتاج المحلي إلى أكثر من 13 ألف طن، مشيرة إلى أن هذا الرقم يعني تحقيق الاكتفاء الذاتي، مع زيادة تقدر بنحو 30% مقارنة بفاتورة الاستيراد السابقة.
وشددت وزارة الزراعة في مذكرتها، على ضرورة إيقاف ومنع استيراد خام "لب المانجو" نهائياً، وطالبت القائم بأعمال وزير الاقتصاد والصناعة بـ"التوجيه لمنع استيراد لب المانجو"، كون استمرار دخول المنتج المستورد في هذه المرحلة لا يهدد المزارعين والمصانع المحلية فقط، وإنما يعرقل مسار توطين الصناعة ويضعف الحوافز أمام المستثمرين الذين استجابوا لتوجهات الدولة ووسعوا خطوط إنتاجهم.

من "المنع" إلى "التقييد"
بخلاف ما جاء في مذكرة وزارة الزراعة والثروة  السمكية، من تأكيد على صدور تعميم بوقف استيراد خام "لب المانجو" بتاريخ 10 أيار/ مايو 2025م، وما تضمنته المذكرة من التشديد على "إيقاف ومنع" الاستيراد، يقدّم مسؤول في وزارة الاقتصاد والصناعة رواية مختلفة بشأن الوضع القانوني للاستيراد.
وقال المصدر في تصريح لـ(لا) إن "خام لب المانجو من السلع التي تم تقييد استيرادها، وليس حظر أو منع استيرادها بشكل كامل".
ووفقاً للمصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، فإن السياسة المعتمدة تقوم على تقليص كميات الاستيراد تدريجياً، وإلزام المستوردين بشراء نسب محددة من المنتج المحلي، بما يؤدي إلى خفض الاعتماد على المنتج الخارجي وصولاً إلى الاستغناء عنه.
وبحسب هذا التفسير، فإن الإفراج عن الشحنة البالغة 818 طناً جاء بعد قيام الشركة المالكة بشراء كمية من المنتج المحلي، وهو ما اعتبرته الوزارة شرطاً يسمح بإدخال الكمية المستوردة.
ويستند المصدر إلى قرار صادر عن وزارتي المالية والاقتصاد والصناعة والاستثمار في حزيران/ يونيو 2025، بشأن حظر وتقييد استيراد عدد من السلع والمنتجات الخارجية، واستبدالها بالمنتج المحلي، حيث جاء خام "لب المانجو" من بين المنتجات المدرجة ضمن السلع التي شملها القرار تحت بند "تقييد كمية استيرادها".
وهنا تظهر المفارقة، فوزارة الزراعة -طبقاً لمذكرتها الرسمية- تؤكد منع الاستيراد نهائياً، نظراً لأن الإنتاج المحلي من "لب المانجو" تجاوز حجم الاستيراد وحقق فائضاً، بينما تتعامل وزارة الاقتصاد مع استيراد هذا المنتج باعتباره مقيداً وقابلاً للإفراج وفق شروط محددة.

منافسة غير متكافئة
بالنسبة للمزارعين والمصنعين المحليين، فإن القضية لا تتوقف عند اختلاف التوصيف القانوني بين "المنع" و"التقييد"، بل تتعلق بشكل مباشر بمستقبل الإنتاج المحلي. فزيادة الإنتاج تعني بالضرورة حاجة المصانع إلى أسواق قادرة على استيعاب المنتج، بينما يؤدي دخول كميات مستوردة إلى زيادة المعروض، الأمر الذي ينعكس على الأسعار وقدرة المصانع المحلية على تصريف إنتاجها.
ويرى هؤلاء أن حماية المنتج المحلي لا تعني فقط حماية المصانع، وإنما تمتد إلى المزارع الذي يعتمد على تصريف محصوله، وإلى سلسلة إنتاج كاملة تشمل العمالة والنقل والتصنيع والتعبئة والتسويق.
ويقول مزارعون ومستثمرون إن الإنتاج المحلي من "لب المانجو" وصل العام الماضي إلى نحو 12 ألف طن من أجود الأنواع، بينها نحو 3 آلاف طن قابلة للتصدير، مطالبين بوقف الاستيراد ودعم الصناعات التحويلية المحلية.