علي عطروس / لا ميديا -
فاتحةٌ وحمد...
بسم الله؛ ليس على طريقة من يستجدون السيادة من خلف زجاج البيت الأبيض، ولا بمنطق المهزومين الذين يرطنون بلغة المؤسسات الدولية المفخخة، بل بثبات من يسفون تراب الحق، ويختمون المائيات بالبارود والباليستي. لا يُقرأ التاريخ من نشرات الأخبار المبتذلة، ولا من كواليس «البنتاغون» المثقوبة بفضائح إبستين. لقد انتهت حقبة الرجاء السياسي، وطُويت إلى غير رجعة أوهام المحاصر الذي يتوسل فتح موانئه، لتستقر بدلاً منها معادلة سيادية يمنية حاسمة وعابرة للبحار: الحصار بالحصار!
سنتان مرّتا على استشهاد سيد شهداء الأمة، أسطورة الرفض والأنفة، سماحة السيد حسن نصر الله، وما زالت الإمبراطوريات «الأطلسية» تحسب في حساباتها الضيقة الخاطئة أن الاغتيال يطوي الجغرافيا أو ينهي المشروع.
في 27 أيلول/ سبتمبر 2024، اتجه نصر الله إلى مجمّع تحت الأرض في الضاحية الجنوبية لبيروت، أسفل مبنى سكني متعدد الطوابق، فباشر العدو الصهيوني الغادر عملية جوية هيستيرية، مستهدفاً الموقع بـ84 قنبلة، محشوة بـ83 طناً من المتفجرات الصافية والغازات السامة القاتلة. ظنوا أنهم بتلك الكثافة النارية يقتلعون العمامة السوداء ويطوون الصفحة، وحسبوا أن غياب الجسد يعني غياب الفكرة. لكننا هنا، في ملحق «21 أيلول السياسي»، لا نملأ بياض الورق لنستدر الدموع أو نكتب المراثي، بل ننسج الحروف لنحرق أقنعة الزيف ونذيع بيانات النصر. وحين نستحضر نصر الله، لا نستحضر رجلاً مجرداً، بل نستحضر عقيدة كاملة في السيادة والرفض والكرامة الوطنية الممتدة.
«إن غياب الجسد لم يزد الفكرة إلا حضوراً، والعمامة السوداء لا تُقتلع بل تُورَّث؛ فكل شهيد ينشئ جيشاً، وكل صاروخ يسيّر إحداثيات التاريخ، والأمانة التي كانت تُدار من حارة حريك باتت اليوم محصنة بأيدي رجال الله في صنعاء والقدس».
إن الرجل الذي هزم الكيان الصهيوني وكسر أنفه في العامين 2000 و2006، وحوّل حزب الله من تنظيم جهادي إلى «دولة ظل» خدماتية وعسكرية تصنع توازن الرعب الإقليمي، قد صنع من الحلم استراتيجية، ومن العقيدة جغرافيا، ومن المقاومة مدرسة أصلية لتطهير الوعي. ستون عاماً من عمر الزمان، أربعة وستون عاماً من قلب الأحداث، أثمرت للأمة انتصاراتٍ خالدة، ولوطنٍ عزاً ومهابة.
أهلاً بكم في زمن يُلقَّن فيه الإمبريالي العجوز وسماسرة الخليج دروساً على أطول الطرق عن كيفية الشنق بخيط أوهامهم على خشبة مسرح العالم.


تحـــول موازيـــن الـــردع: من انتصارات 2000 و2006 إلى الكود 110 والردع الممتد
 المحطات التاريخية للردع (إنجاز 2000 وحرب تموز 2006)
لم يتحدث الشهيد نصر الله يوماً من فراغ المنصات الخطابية، بل كان مهندساً استراتيجياً يقرأ الجغرافيا السياسية والعسكرية بالدقة العقائدية نفسها التي يقرأ بها النص القرآني.

 إنجاز العام 2000 (تثبيت معادلة التحرير المطلق)
في أيار/ مايو 2000، أرغمت المقاومة الإسلامية قوات الاحتلال الصهيوني على الانسحاب الذليل والشامل من الجنوب اللبناني، مُنهيةً 22 عاماً من الاحتلال الغاشم، دون قيد أو شرط أو مفاوضات استسلامية. وكما أكد نصر الله: «إن الإنجاز الذي تحقق عام 2000 هو أهم وأعظم إنجاز تحقّق في التاريخ المعاصر. إنجاز انتصار 2000 هو التحرير، وإنجاز 2006 هو الحماية من خلال توازن الردع». لقد أغلق بني غانتس -وهو مكسور الروح- بوابة فاطمة، ظناً أن الباب الحديدي يمنع مفاعيل الهزيمة؛ لكن التحرير تحول إلى جرح وجودي هشم أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”.

 حرب تموز 2006 (تأسيس معادلة الحماية وتوازن الردع)
صمد حزب الله، بأقل من 5000 مقاتل مسلحن بالإيمان والبارود، طيلة 33 يوماً متواصلة في مواجهة أعظم أساطيل وجيوش التكنولوجيا الغربية والصهيونية. أثمر هذا الصمود كسر التفوق الميداني للعدو، وإيجاد قواعد اشتباك صلبة، محوّلةً لبنان من مسرح مفتوح لسلاح الجو الصهيوني يعربد فيه كيف يشاء إلى حصنٍ يفرض “توازن الرعب” ويحمي مدنييه بقوة السلاح.

 عقيدة “وحدة الساحات” وتكامل المحور
انتقل سماحة السيد حسن نصر الله بالمقاومة من أطر الحسابات العسكرية المحلية والإقليمية الضيقة إلى أفق “العقيدة الجيوسياسية الشاملة”. أسس مفهوم “وحدة الساحات”، الذي أخرج الفعل المقاوم من قطريته المصنوعة استعمارياً إلى العمل كجسم واحد وخوذة واحدة في مواجهة الغزو الأطلسي.
تجسدت هذه العقيدة عملياً وبأعلى معايير الممارسة الثورية في معركة “طوفان الأقصى” (تشرين الأول/ أكتوبر 2023)؛ حيث دخل حزب الله المعركة في يومها الثاني مباشرة لإنهاك أجهزة العدو، لتتكامل معه القوات المسلحة اليمنية بالصواريخ الباليستية، والمسيّرات العابرة للمدى، والحظر البحري، ما أرسل كل مشاريع الإذعان والتطبيع إلى أرشيفات المزبلة التاريخية.

 “الكود 110” والردع الممتد إلى باب المندب
يشكل “الكود 110” الذي فرضته القوات المسلحة اليمنية في قلب جغرافيا الملاحة الدولية تجسيداً عملياً لروح عقيدة نصر الله في فرض السيادة بالقوة، وليس امتداداً تنظيمياً لحزب الله. أعلنت صنعاء حظر الملاحة البحرية المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بالعدو الصهيوني في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وصولاً إلى المحيط الهندي.
لم يعد البحر الأحمر شاهداً صامتاً، بل تحول اليمن من جغرافيا مهمشة ومحاصرة إلى مركز ثقلٍ مؤجَّل، وشريان قرار كوني يمسك بمفاصل التجارة الدولية، ليتحول الغضب الملحمي الأمريكي وغطرسة البارجات الأطلسية إلى ركود وانكسار فوق صخرة “كوه كلنغ” وعقيدة “الكود 110”، مؤكداً للكون أن الردع لا يُستجدى من واشنطن، بل يُكتب بالدم والعقل والباليستي.

 الردع في الوعي والإعلام “الإسرائيلي”
حُفرت مصداقية نصر الله في عمق المخيلة الأمنية والسياسية للكيان الصهيوني، حتى تحول خطابه إلى جزء عضوي من السلاح والنار وتوازنات القوة:
 الحرب النفسية لنصر الله قامت على المصداقية المطلقة. عباراته، مثل “حيفا وما بعد حيفا”، تحولت إلى خريطة تهديد عسكرية يفهمها الجمهور “الإسرائيلي” فوراً.
(تسفي بارئيل - محلل «هآرتس»).

 لا يوجد عدو عربي يشغل الرأي العام في “إسرائيل” مثل السيد نصر الله. نحن “الإسرائيليين” نصغي إليه ونصدقه.
(قناة «كان» الصهيونية - وثائقي 2019).

 صاحب كاريزما تلفزيونية من الطراز الأول، وقائد مثالي فعال وجدّي، والأكثر فصاحة ووضوحاً في منطقتنا.
(رعنان شاكيد - ناقد “إسرائيلي”).
 “إسرائيل” وصلت إلى وضع جنوني؛ إذ أصبح قسم من الجمهور ينظر إلى زعيم العدو باعتباره المصدر الحقيقي للمعلومة.
(د. أودي ليبل - دراسة عن الدعاية 
“الإسرائيلية” بعد 2006).

 سمدار بيري - محللة «يديعوت أحرونوت») نقلت عن مسؤول استخباري مخضرم أن قرار اغتيال نصر الله كان معقداً لسنوات؛ لأنه كان يحظى بمكانة “زعيم دولة”.
 من وجهة نظر “إسرائيلية”، عملياً لا أحد يستطيع أن يحلّ محلّ نصر الله.
(أورنا مزراحي - 
نائبة رئيس مجلس الأمن القومي سابقاً).

 بنيامين نتنياهو أقر بأن القضاء على نصر الله كان “شرطاً ضرورياً لتغيير موازين القوى في المنطقة”.

 العدو قال.. وكذّبته المقاومة 
قال العدو: “اغتيال نصر الله أنهى قدرة حزب الله على الردع، وأنهى مشروع المقاومة”.
وكذّبته المقاومة: بعد عامين من الاستشهاد؛ إذ لا يزال حزب الله يفرض معادلات الردع في جنوب لبنان، ولا يزال اليمن يمسك بمفاصل باب المندب، ولا يزال محور المقاومة يعمل كجسم واحد. الاغتيال لم يُنهِ المشروع، بل حوّله من قيادة فردية إلى نظام مؤسسي أكثر صلابة.



حزب الله وأنصار الله  أيـن ومتـى؟
 الوقوف التاريخي مع اليمن في زمن الصمت
في زمن الخنوع العربي الشامل، وسقوط الأنظمة الوظيفية في مستنقع التآمر والهرولة نحو خطط الوصاية الأمريكية، وقف سماحة السيد حسن نصر الله موقفاً تاريخياً إيمانياً، دفاعاً عن مظلومية الشعب اليمني منذ اللحظة الأولى لعدوان آذار/ مارس 2015.
لن ينسى اليمنيون مواقف سماحة السيد نصر الله، الذي كان “صمام أمان المنطقة” و”محور المحور”؛ إذ رفع صوته الحيدري في وجه جريمة القرن، يوم خذل الجميع اليمنيين وتاجر بأشلاء أطفالهم سماسرة النفط.
وجاء هذا الموقف التاريخي مجسداً في المقولة الخالدة التي أطلقها سماحته في 17 نيسان/ أبريل 2015 خلال “مهرجان الوفاء والتضامن مع الشعب اليمني”: «إن لم يكن الشعب اليمني من العرب فمن العرب؟ إن الشعب اليمني هو أصل العرب ورمز الشهامة والإيمان، ومن يعتدي على الشعب اليمني يجب أن يبحث له عن شهادة لإسلامه وعروبته».
وعبّر السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي عن المكانة الاستثنائية لسماحة السيد نصر الله بقوله الموثق: «إن شهيد الإسلام والإنسانية، سماحة السيد حسن نصر الله، حاضرٌ في وجدان الأمة والإنسانية، وحاضر بالنتائج الكبرى التي حققها الله على يديه، وهو من القادة التاريخيين النادرين الذين غيروا مجرى الأحداث».

 العدو قال.. وكذّبته المقاومة
قال العدو: “اليمن هامش في الصراع الإقليمي، ولا يملك قراراً سيادياً”.
وكذّبته المقاومة؛ فاليمن اليوم يمسك بمفاصل التجارة الدولية في باب المندب، ويفرض معادلة الردع على الأساطيل الأمريكية، ويصنّع الصواريخ الباليستية والمسيّرات العابرة للمدى. اليمن لم يعد هامشاً، بل مركز ثقل.


لا عزاء لعديمي الشرف والعزة وعربان الجاز والغاز
دماء الشهداء لا تضيع في مهب الريح، بل تتحول إلى طوفان جارف يقتلع عروش الخونة والمستكبرين. لا عزاء لمن ارتضوا الذل والخنوع لبارجات واشنطن ولخصيان النفط والجاز. فالرجل الذي هشم زجاج البيت الأبيض وعلّم الشعوب كيف تُشنق الإمبراطوريات بخيوط أوهامها، يبتسم اليوم من عليائه؛ لأن الأمانة باتت في أيدٍ أمينة، ومفاتيح السيادة بيد رجال الله في اليمن ولبنان وفلسطين وإيران والقدس حتماً على الطريق.
لقد أحدث استشهاد سماحة السيد حسن نصر الله فراغاً في محور المقاومة بدون شك؛ غير أن الحرب لم تنتهِ، بل امتدت من الضاحية الجنوبية إلى مضيق هرمز وباب المندب، ومن صواريخ الكاتيوشا إلى الباليستي العابر للقارات... وتحولت من الخنق إلى الخناق لأعناقهم لا رقابنا.
وإن كان لي شرف ما جمعته وسطرته أعلاه فسأختم بشرفٍ موازٍ وأستخلص من سيرة الشهيد الأسمى الوصايا الخمس التالية:
  ترسيخ عقيدة “وحدة الساحات” كإطار عملياتي موحّد، لا كشعار تضامني.
  توسيع نطاق “الكود 110” ليشمل المحيط الهندي وبحر العرب، لا البحر الأحمر فقط.
  بناء “جيل الطوفان” استخبارياً وأمنياً لاختراق غرف القرار الصهيوني.
  تحويل اليمن إلى “عمق استراتيجي دائم” لا مجرد جبهة إسناد مرحلية.
  إغلاق ملف الخلافات الداخلية لصالح الجبهة الواحدة، فالمعركة لا تحتمل الترف السياسي.
«يا سيد شهداء الأمة، إن رحلت جسداً فإنك تأبدت فكرة. مشعلك لم ينطفئ، وبوصلتك لم تنكسر. اليمن يحمل الأمانة، والكود 110 يدك عروش الغزاة، والعهد هو العهد... والقدس موعدنا».

 قال العدو.. وكذّبته المقاومة 
قال العدو: “اليمن لا يملك القدرة على مواجهة الأساطيل الأمريكية، وسيُجبر على التراجع”.
وكذّبته المقاومة: بعد عامين من “الكود 110”، لا تزال القوات المسلحة اليمنية تفرض حظرها البحري، ولا تزال الأساطيل الأمريكية عاجزة عن كسر المعادلة. اليمن لا يتراجع، بل يتوسع.


صانع الوعي المقاوم وسيد الحرب النفسية 
 مهندس الوعي وباني مجتمع المقاومة
صاغ المحللون السياسيون والاجتماعيون مفاهيم استراتيجية لتشريح التجربة الاستثنائية للشهيد الأقدس:
- «خالق الدولة الخفية»: حوّل حزب الله من تنظيم عسكري مجرد إلى دولة ظل خدماتية واجتماعية وصحية ومؤسساتية متكاملة، محولاً الولاء المحلي والوطني إلى أصل استراتيجي دائم يحمي ظهر المقاومة.
- «أفسونجي الروايات»: أستاذ تحويل ألم المعركة والهزيمة المفترضة إلى إمكانية نجاح صلبة، وقادر على صياغة الرواية المتماسكة التي تجعل من كل شهيد جذراً لجيش جديد.
- «مهندس الصوت الواحد»: صاغ لغة جماعية عابرة للطوائف والمناطق، ودمج الأصوات المتعددة في بوصلة واحدة سُمع صداها من بيروت إلى طهران.

 الطروحات الفكرية الكبرى.
-  معجزة الثورة العالمية. 
قدّم المفكر العربي الدكتور سيف دعنا قراءة تاريخية وفلسفية عميقة تفكك موقع سماحة السيد حسن نصر الله في مسار الثورات العالمية الكبرى:
- المقارنة التاريخية: استعرض “دعنا” التحولات التي لم تخرج من مركز الرأسمالية، بل من الجنوب العالمي الهامشي؛ بدءاً من ثورة هايتي (1791-1804)، مروراً بالطراد «أورورا» (1917، وتأميم جمال عبدالناصر قناة السويس (1956)، وإطلاق «حملة هوشي منه» (1975)، وعودة الإمام الخميني (1979)، وصولاً إلى إغلاق بوابة فاطمة (2000).
· سياق “الردة الثورية الشاملة” (1989-1991): بيّن “دعنا” أن المعجزة الحقيقية لنصر الله تكمن في الظرف التاريخي الذي تولى فيه القيادة. ففي أواخر الثمانينيات وسقوط جدار برلين وتفكك حلف وارسو ثم الانحلال الرسمي للاتحاد السوفييتي عام 1991، خضع العالم للاستسلام المطلق للتسلط الأمريكي، وسادت مقولة فرانسيس فوكوياما حول “نهاية التاريخ”.
- الاستثناء المعجزة: في 16 شباط/ فبراير 1992، وعند ارتقاء السيد عباس الموسوي، تولى نصر الله الأمانة العامة معلناً: “هذا الطريق سنكمله”. لم تكن هناك قطبية ثنائية ولا ظهير دولي يوفر حاضنة تسليحية، بل قاد المقاومة في زمن الردة الشاملة وحقق انتصار أيار 2000، مقيماً الحجة التاريخية عبر “مانيفستو بنت جبيل”.
- مواجهة المنظومة الكونية في تموز/ يوليو 2006: أثبت “دعنا” أن حزب الله كان حركة “مناهضة للمنظومة” (Anti-systemic movement)؛ إذ واجه الحزب في حرب تموز أمريكا والكيان الصهيوني والغرب مجتمعين، محطماً مشروع كونداليزا رايس لـ”الشرق الأوسط الجديد”.

 هندسة الثأر الاستراتيجي وجيل الطوفان 
فكك الكاتب إبراهيم الأمين أبعاد عملية “البيجر” الغادرة والمنطق الحاكم لمفهوم الثأر:
- التفاصيل الاستخبارية: كشف الأمين أن المادة المتفجرة عُجنت داخل بطارية البيجر على شكل شريط بسُمك ورقة عادية. وأكد أن المادة لم تُصنع في “إسرائيل”، بل صُنعت واختُبرت في مركز نظامي تابع للجيش الأمريكي.
- مفهوم الثأر العدل: شدد الأمين على أن الثأر لنصر الله وشهداء المقاومة ليس عملاً عشائرياً انفعالياً، بل هو مهمة استراتيجية متكاملة تتطلب مكراً أمنياً مضاداً واختراقاً لغرف بيت العدو الورقي عبر «جيل الطوفان».

 صاحبة العباءة الواسعة 
قراءتان وجدانيتان وتنظيميتان لشخصية سماحة السيد:
- صاحب العباءة الواسعة: أوضح بزّي أن نصر الله منع الحزب من التحول إلى شركة عمياء أو تنظيم مذهبي ضيق. وعقب حرب 2006، أوعز نصر الله للوحدة الثقافية «توسعة العباءة» وإلغاء الشروط التنظيمية الصارمة لاستيعاب كافة العلماء من مختلف المدارس الفكرية (قم والنجف).
- رأينا انعكاس صورتنا في نظّارة سماحة السيد: استعرض بزّي حمولة جيل الشباب في الضاحية الجنوبية الذين عاشوا صعود المقاومة، وكيف تشرّب هذا الجيل خيار “بين السلة والذلة...” ونادوا “لبيك يا نصر الله” (فؤاد بزي).

 التسامي الأخلاقي والفدائية الإنسانية 
- جمع سماحة السيد في سلوكياته: الصدق المحمدي الذي يجعل الكلمة عهداً، والزهد العلوي الذي يحرر الإنسان من أسر الممتلكات، والثبات الحسيني في مواجهة الظلم، والفدائية المسيحية التي تجعل الحياة فداءً للمبدأ.
- النص الإنجيلي والربط اللاهوتي: رد المرتضى على الخصوم السياسيين بالاستشهاد بالوصية الإنجيلية الموثقة للقديس بولس: «أسندوا الضعفاء»، مؤكداً أن نصر الله طبق هذه الوصية المسيحية العميقة والمكرمة الإسلامية بنجدة المظلومين في غزة (الوزير السابق الدكتور محمد وسام المرتضى).

 سلامة الجثمان وحفظ الرمزية 
أورد الصحفي غسان بن جدو التفصيلة الرمزية الاستثنائية المتعلقة باستخراج جثمان الأمين العام؛ فرغم استهدافه بـ83 طناً من المتفجرات والغازات السامة، خرج جثمان سماحة السيد طاهراً كاملاً، لم يُخدش منه سوى بقطرات دم خرجت من أذنه، في دلالة عقائدية ورمزية على طهارة المسيرة ونظافة الصفحة التي لقي بها ربه.

 قال العدو.. وكذّبته المقاومة 
قال العدو: “نصر الله كان زعيماً ديكتاتورياً يختبئ خلف الأقنعة، وشعبيته مصنوعة إعلامياً”.
وكذّبته المقاومة؛ إذ كان نصر الله يظهر بوجهه الحقيقي، بلا لاتكس ولا مؤثرات. جمهوره لم يكن مصنوعاً، بل كان حقيقياً - خرج بالملايين في جنازته، وما زالت صوره تُرفع في كل ساحة مقاومة. الشعبيات لا تُصنع بالمال، بل تُبنى بالتضحيات.