دقيقة صمت ملأت النفوس صخباً
 

إيهاب زكي

إيهاب زكي / لا ميديا -
نحن في أيام الذكرى الثانية، ذكرى دقيقة الصمت التي ملأت النفوس صخبًا، ليس الصمت الذي يُنتجه السكوت، بل الصمت الذي يفرضه السكون، سكون كل شيء تقريبًا، حتى كأنّ الأرض توقفت عن الدوران، فكل الأصوات خشعت، وكل القلوب أُفرغت، لحظة اغتيال السيد، صخبٌ من ضجيج القهر وصرخات الثأر وأزيز السؤال: لِمَ تركت؟
قبل السيد حسن نصر الله كانت الأمة في حالة استكانةٍ ومَسكنة، وكان الصراع العربي -"الإسرائيلي" يضع أوزاره لصالح "إسرائيل"، واستسلم الجميع لفكرة أنّ "إسرائيل" وُجدت لتبقى، وأنّها القدر الذي لا رادَّ له، وعلى المتضررين اللجوء لطاولات التفاوض، لتحصيل أدنى الحقوق الدنيا، حقوق منزوعة السيادة والكرامة، فيما تعطى "إسرائيل" حق تقرير مصير المنطقة، وحق المنع والمنح، وحق أن تصوغ ثقافة شعوب المنطقة، حتى تتلاءم مع منطق "الغوييم".
كانت مصر قد خرجت من الصراع منذ "كامب ديفيد" في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، ثم تبعتها منظمة التحرير الفلسطينية في التسعينيات من القرن نفسه عبر "اتفاقيات أوسلو"، ثم الأردن عبر "اتفاقيات وادي عربة"، قبل أن تنفجر موجات التطبيع في أغلب العواصم العربية، عبر فتح مكاتب التمثيل ومكاتب التجارة "الإسرائيليية"، ثم محاولات حثيثة لأنسنة العدو، واعتبار الصراع مجرد وجهة نظر، والحقوق المغصوبة مجرد رأي.
وكان السيد يغرد خارج السرب، سرب الحمائم التي أهدت "إسرائيل" غصن الزيتون، فمنحتها "إسرائيل" سكاكين الذبح، وفي الوقت الذي كان حزب الله يسجل ملاحمه الأسطورية في 1993 ثم في عام 1996، كانت أمريكا تجمع العرب في شرم الشيخ ليدينوا انتصارهم، وليتعاونوا على كسر آخر سيوفهم، وعلى أن يهشموا آخر ما تبقى لهم من أنفةٍ وكرامة.
ثم جاء التحرير عام 2000، حيث أول أرضٍ عربية يتم تحريرها عبر المقاومة، دون طاولات تفاوض، وبلا تنازلات واشتراطات وبروتوكولات، تمنح الكيان بالسلم ما عجز عنه بالحرب، وكان هذا التحرير بمثابة الشوكة في عيون الخانعين، الذين أسطروا جيش العدو بأنّه لا يُقهر، ليبرروا خنوعهم، فقد تمّ قهره ودحره، إلى حدّ أنّ هروبه كان خاطفًا، فلم يستطع لملمة شتات عملائه، وتركهم يتسولون الأسلاك الشائكة ويتوسلون فتح البوابات.
وكان السيد نصر الله حينها ينحت في الوعي قاعدة "أوهن من بيت العنكبوت"، فهذه "الدولة" التي قهرت جيوش العرب وجنرالاتهم وملوكهم ورؤساءهم، قهرها السيد وحزبه، قهرها رجالٌ آمنوا بأنّهم في ركاب الحق، وأنّهم سيواجهون في سبيل ذلك كل عتاة الأرض، وقد أعدّهم السيّد ليومٍ إن عزم عليهم زحزحة الجبال لأزاحوها.
ثم ضرب لنا السيد نصر الله موعدًا مع الوعد الإلهي بالنصر في العام 2006، فحاز المجد من أطرافه، وجعل من أمةٍ هزيمةٍ كسيحة، أمّة معتادة على النصر، ونفخ فيها من سموّ روحه، فاستعادت روحها العليّة، التي أنهكتها وضاعة الهزائم، وقد أقام بناء جدرانها التي كانت تريد أن تنقضّ، دون أن يسألها إطعامًا أو شكرًا.
لكنّ هذه الانتصارات لم يرها الأعداء مجرد منجزاتٍ عسكرية، بل رأى فيها الخط الأحمر الذي تمّ تجاوزه، وأنّ أمةً تتحد خلف رجلٍ بذكاء السيد نصر الله وفطنته، عقليته الوحدوية والاستراتيجية، ورؤيته النافذة وأخلاقيته الفذة، لن تنتهي سوى بزوال "إسرائيل" ووأد مشروع الاستعمار، وأنّه حان الوقت لتغيير مسار الحرب، وإعادة الأمة إلى ثقافة القطيع، وتعريتها من كل عقلٍ، لتسير على درب غرائزها.
وتصدّر إعلام النفط شيطنة ملاكنا الحارس، ونشر الطائفية وترسيخ المذهبية، حتى قال السيد نصر الله يومًا، لا نريد منكم عونًا، بل فقط لا تطعنونا في الظهر، ولكن كانت هذه مهمتهم، أن يطعنوا ظهر كل من دافع عنهم، فهذه يا سيد الانتصارات أخلاق العبيد، والعبودية هنا ليست سياسة بل خُلق، فكمّ كنت وحدك؟
وحدك انتقلت بالأمة من عصور الهزائم إلى زمن الانتصارات، ووحدك أرَّختَ لزوال "إسرائيل"، التي زُرعت في رأس الأمةِ كأبدية الوجود، ووحدك جرّعتها مرارة الهزائم، ووحدك أذقتها قسوة الخوف، ووحدك مرغت أنفها بالوحل، وهي تخضع بنظرها إلى سبابتك، ووحدك حنَّطتها أزمانًا وهي على "إجر ونص"، ووحدك كنت البدر في ظلماء غزة، ووحدك كنت جيشًا.
ويوم استشهادك لم يكن نهاية حقبة، اسمها زمن الانتصارات، بل كان بداية حقبة اسمها أثمر الغرس، ويومها حين تفاخر مجرم الحرب نتنياهو، بأنّه قتل محور المحور، كان يظنّ أنّه حقق نصره المطلق، ولم يدر في خلده أنّ محور المحور لا تفنى جاذبيته، وكل الأجسام تدور في فنائه، وأنّ الثأر ليس رأسًا برأس، أكُلُّ الرؤوس سواء؟ بل رأسٌ بدولة، فإنّ رجالًا تركهم السيد، لو عزم عليهم زحزحة الجبال لأزاحوها لم يتبخروا، إنّهم هناك يتربصون بـ"دولتك".

أترك تعليقاً

التعليقات