أندرو ليبر - ليسي آن وارنر - مجلة «أميساري» - مؤسسة كارنيجي للسلام
ترجمة خاصة:أقلام عبدالملك مانع / لا ميديا -
 أندرو ليبر: في وقت سابق من هذا الشهر، أعلن الحوثيون، وهم حركة سياسية مسلحة تسيطر على معظم الأراضي اليمنية منذ أكثر من عقد، سيطرتهم على ساحل البحر الأحمر اليمني. وشكّل استيلاؤهم السريع على ميناء المخا أول تقدم عسكري كبير للجماعة منذ نحو خمس سنوات، ما أدى إلى انهيار وقف إطلاق النار الفعلي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة. كما هدد هذا التقدم تجارة النفط العالمية في وقت أدى فيه الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار الطاقة في جميع أنحاء العالم.
في البداية، تجنب الحوثيون التدخل المباشر في الحرب الأمريكية -«الإسرائيلية» مع إيران، وهو ما عزاه بعض المحللين إلى نظرة الجماعة إلى الجمهورية الإسلامية المنهكة باعتبارها «حصاناً ضعيفاً». ومع ذلك، فإن تقدمهم نحو المخا يعكس تصعيداً مطرداً مع السعودية منذ منتصف يوليو/ تموز، بعد انهيار مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية الأولية. وخلال عطلة نهاية الأسبوع، قصف الحوثيون مستودعاً للوقود في المطار الرئيسي بالرياض، ما أدى إلى تصاعد سحابة من الدخان الأسود فوق العاصمة السعودية.
يعكس هذا التطور ديناميكيات الصراع اليمني الداخلي الذي لم يعد متجمداً، والتداعيات المستمرة للجمود العسكري والدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران في الخليج العربي. كما أنه أثار احتمال تدخل أمريكي إضافي في المنطقة ضد الحوثيين، رغم أن الرئيس دونالد ترامب امتنع حتى الآن عن استخدام القوة ضدهم.

كيف تُغير هذه الأحداث حسابات الأمن في المنطقة؟
 أندرو ليبر: تقدم الحوثيين يمنحهم السيطرة (مؤقتاً) على مضيق باب المندب، وهو ممر مائي حيوي في الطرف الجنوبي للبحر الأحمر. كما أنه يثير احتمال فتح جبهة ثانية في الصراع الخليجي الحالي، جبهة قد تستهدف منشآت النفط السعودية والمراكز السكانية، وتهدد ممراً مائياً إضافياً في البحر الأحمر لتجارة الطاقة العالمية وشحنات البضائع الأخرى. وقد أدت هجمات الحوثيين السابقة على حركة الملاحة في البحر الأحمر إلى تقليص حركة الشحن عبر المضيق، ورفع تكاليف التأمين والأمن للسفن المتبقية.
سعت الحملات الجوية السابقة التي شنتها السعودية (بدعم من دول أخرى) إلى إخراج الحوثيين من أراضيها للحد من نفوذ إيران والجماعات المتحالفة معها على حدود المملكة. إلا أن هذه الجهود ساهمت في كارثة إنسانية في اليمن، وأدت إلى ترسيخ وضع قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في حالة جمود متوتر مع الحوثيين. كما انتهت التدخلات العسكرية اللاحقة التي قامت بها إدارتا بايدن وترامب ضد قوات الحوثيين بهزائم استراتيجية.
كما أن التقدم الأخير للحوثيين يفنّد ادعاءات السعودية أنها قادرة على احتواء الحوثيين بمفردها من خلال مزيج من الدبلوماسية الهادئة وتوحيد قوات الحكومة اليمنية المتشرذمة.
 ليزلي آن وارنر: في مضيق باب المندب، يسيطر الحوثيون الآن على جزيرة بريم (المعروفة أيضاً باسم ميون)، ما يسمح لهم بمضايقة حركة الملاحة البحرية وتعطيلها بشكل أكثر شراسة. كما أن تقدم الحوثيين يقربهم مسافة 80 ميلاً (حوالي 125 كيلومتراً) من معسكر ليمونير في جيبوتي، الذي يضم قوة المهام المشتركة الموحدة -القرن الأفريقي، وهو المنشأة العسكرية الأمريكية الدائمة الوحيدة في القارة. وقد شملت مهمته سابقاً عمليات لدعم الاستجابة للأزمات في القرن الأفريقي، بالإضافة إلى العمليات القتالية الأمريكية ضد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية عبر المضيق في اليمن. ومنذ اندلاع الصراع «الإسرائيلي» -الفلسطيني وحماس، وما نتج عنه من تداعيات على الأمن البحري في البحر الأحمر، أفادت التقارير بأن جيبوتي لم تسمح للولايات المتحدة باستخدام قاعدتها في عمليات هجومية ضد الحوثيين. وتواصل البلاد الموازنة بين انتقادها للنهج «الإسرائيلي» في غزة، وبين أهميتها كدولة ذات موقع جغرافي استراتيجي آمن نسبياً، تضم العديد من القواعد العسكرية الأجنبية.
أثناء إدلائه بشهادته أمام الكونجرس العام الماضي، حذّر الجنرال مايكل لانغلي، قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا آنذاك، من أن الحوثيين يمتلكون بالفعل القدرة على ضرب المنشآت العسكرية، إذا ما قرروا تصعيد هجماتهم ضد الولايات المتحدة أو مصالحها. ويشير تقرير حديث للأمم المتحدة إلى تبادل للأسلحة والتدريب التقني بين حركة الشباب -فرع تنظيم القاعدة في الصومال- والحوثيين، إذ إن الأولى تزود الثانية بالعملات الصعبة لدعم إدارتها السياسية وسيطرتها العسكرية الإقليمية، بينما الثانية تزود الأولى بأسلحة متطورة لمحاربة الحكومة في مقديشو. 
مع تعزيز وجود الحوثيين في باب المندب، بات لدى الحوثيين وحركة الشباب مساحة عملياتية أوسع للتعاون. وفي الوقت نفسه، وسّع الحوثيون نطاق القتال، ما أجبر أي جهد دولي لمواجهتهم وحلفائهم الإيرانيين على تشتيت جهودهم.
تأتي هذه التطورات في وقتٍ تُشير فيه الولايات المتحدة منذ سنوات إلى أنها في نهاية المطاف ستوقف تمويل الدعم اللوجستي للأمم المتحدة لبعثة الاتحاد الأفريقي لتحقيق الاستقرار ومكافحة حركة الشباب في الصومال. ومن المتوقع أن يُتيح هذا القرار، الذي سيدخل حيز التنفيذ بنهاية العام 2027، مزيداً من حرية الحركة للجماعة المسلحة في المناطق التي تنشط فيها.

 كيف يؤثر هذا على شحن الطاقة في السعودية؟
 أندرو ليبر: تُفاقم سيطرة الحوثيين على ممرات الشحن في البحر الأحمر (على الأقل طرفها الجنوبي) الوضع الكارثي لشحنات الطاقة السعودية. ففي الفترة نفسها تقريباً التي سيطرت فيها مليشيات عراقية على باب المندب، ألحقت أضراراً جسيمة بخط أنابيب الطاقة الحيوي بين الشرق والغرب. وكان هذا الممر، بالإضافة إلى موانئ جدة وينبُع على البحر الأحمر، قد مكّن السعودية من تعويض جزء كبير من التكاليف الاقتصادية المباشرة للحرب الأمريكية الإيرانية.
إلا أن الهجوم المزدوج على خطوط الأنابيب ومصادرة النفط في البحر الأحمر يُنذر بإجبار السعودية على الاعتماد بشكل أكبر على «المعابر السرية» المحفوفة بالمخاطر لمضيق هرمز لتجنب الهجمات الإيرانية، وإلا ستواجه انخفاضاً حاداً في عائدات النفط. ومن اللافت للنظر أن المملكة قد بدأت بالفعل في إلغاء شحنات نفطية رئيسية إلى أوروبا.
مكاسب الحوثيين تعقد أكثر جهود دول الخليج العربية الرامية إلى التوصل إلى موقف موحد للتفاوض مع إيران بشأن إعادة فتح مضيق هرمز. ستسعى السعودية للتوصل إلى نوع من التفاهم مع الحوثيين كجزء من أي اتفاق عربي مع إيران، بينما سيحرص القادة الإيرانيون على تصوير الصراع اليمني على أنه خارج نطاق العلاقات الخليجية.

هناك أيضاً بُعدٌ خاص بـ«صومالي لاند» لا يحظى باهتمام كبير خارج الأوساط المتخصصة. هل يمكنك توضيح ذلك؟
 ليزلي آن وارنر: في أعقاب هجمات حماس على «إسرائيل» عام 2023، ووتزامناً مع استمرار الحرب الأمريكية -«الإسرائيلية» على إيران هذا العام، استهدف الحوثيون الملاحة التجارية في البحر الأحمر، بما في ذلك مؤخراً بالقرب من باب المندب الذي يبلغ عرضه 18 ميلاً (حوالي 30 كيلومتراً) ويربط البحر الأحمر بخليج عدن. يُعد باب المندب ممراً مائياً حيوياً يمر عبره ما يقارب 12٪ من النفط المتداول بحراً. وقد أجبر تصاعد التهديدات العديد من السفن على تغيير مسارها حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا. وهذا زاد الأهمية الاستراتيجية لـ«صومالي لاند»، الدولة المعترف بها جزئياً والتي أعلنت استقلالها عن الصومال عام 1991، وعزز وجهة نظر بعض دوائر السياسة الخارجية في واشنطن بضرورة اعتراف الولايات المتحدة باستقلال «صومالي لاند».
لم تعترف الحكومة الفيدرالية في مقديشو قط بـ«صومالي لاند»؛ إذ تعاملها كمنطقة تتمتع بالحكم الذاتي. وتصاعدت التوترات بين هرجيسا، عاصمة «صومالي لاند»، ومقديشو في العام 2024، عندما وقّعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع «صومالي لاند»، تمنح بموجبها إثيوبيا، الدولة غير الساحلية، حق استئجار لمدة خمسين عاماً لحوالي 20 كيلومتراً من ساحل «صومالي لاند» لإقامة قاعدة بحرية ومنفذ تجاري، على أن تعترف إثيوبيا دبلوماسياً رسمياً بـ»صومالي لاند» في المقابل. أثارت المذكرة معارضة شديدة من مقديشو، التي اتهمت أديس أبابا بانتهاك سلامة أراضيها. وفي كانون الأول/ ديسمبر 2024، توسطت تركيا في إعلان أنقرة بين إثيوبيا والصومال، الذي ألزم الطرفين باحترام سلامة أراضي كل منهما والعمل على وضع ترتيبات تجارية «مُفيدة للطرفين» لتسهيل وصول إثيوبيا إلى موانئها.
في أوساط السياسة الدفاعية، يُنظر إلى زيادة التدخل العسكري الأمريكي في «أرض الصومال» كإجراء احترازي للوجود العسكري الأمريكي في جيبوتي، إذ يحكم الرئيس إسماعيل عمر جيلة منذ ما يقلرب ثلاثة عقود ويقترب من الثمانين من عمره. إضافةً إلى ذلك، ومع إنشاء أول قاعدة عسكرية صينية خارجية في جيبوتي عام 2017، أصبحت جيبوتي المكان الوحيد في العالم الذي يشهد وجوداً عسكرياً دائماً لكل من الولايات المتحدة والصين. 
قبل اعتراف «إسرائيل» الأحادي الجانب بـ»صومالي لاند» كدولة مستقلة في كانون الأول/ ديسمبر 2025، لم تعترف أي دولة بـ«صومالي لاند». وقد دارت تكهنات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستحذو حذوها، نظراً لعلاقة ترامب الوثيقة برئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو، وتصريحاته المتكررة المسيئة للمنحدرين من أصل صومالي، وللصومال ككل. إضافةً إلى ذلك، زار رئيس «صومالي لاند»، عبدالرحمن محمد عبدالله (المعروف أيضاً باسم إيرو)، واشنطن، الأسبوع الماضي، داعياً إلى الاعتراف بـ»صومالي لاند». وحتى الآن، لا توجد مؤشرات علنية إلى تغيير السلطة التنفيذية الأمريكية سياستها بشأن الاعتراف بـ«صومالي لاند» كدولة مستقلة.

ما الذي ستترقبونه مع تطور هذه القصة؟
 أندرو ليبر: فيما يتعلق بالجانب اليمني، سأراقب لأرى ما إذا كانت قوات الحوثيين ستتمكن من توطيد سيطرتها على المدن الساحلية، مثل المخا وذو باب، بالإضافة إلى جزيرة بريم في البحر الأحمر.
سأتابع أيضاً ما إذا كان الضغط الداخلي سيتزايد على الحاكم الفعلي للسعودية، محمد بن سلمان، للتحرك حيال المعضلة الأمنية التي تواجه المملكة، كما حدث قبيل تدخل السعودية في اليمن الشتاء الماضي. حالياً، يركز المعلقون السعوديون بشكل أكبر على حث المجتمع الدولي على اتخاذ إجراءات.
حتى الآن، امتنع ترامب عن التدخل، واقتصر تواصل الدبلوماسيين الأمريكيين مع نظرائهم الحوثيين على ضمان عدم توريط الولايات المتحدة بشكل مباشر في النزاع. وتشير التقارير إلى أن السعودية تواصلت مع الصين في محاولة لكبح جماح القوات الحوثية عبر إيران.
 ليزلي آن وارنر: من منظور السياسة الأمريكية تجاه أفريقيا، أراقب ما إذا كان تدهور الوضع الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يُبرر زيادة التدخل الأمريكي. أتوقع أن يقتصر هذا التدخل على تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون الأمني، وأنه لن يتطلب وجوداً دبلوماسياً أو عسكرياً أمريكياً رسمياً. في الواقع، لم يمنع عدم الاعتراف بـ«صومالي لاند» التدخل الأمريكي رفيع المستوى في المنطقة. وقد أشار تقرير حديث لوزارة الخارجية الأمريكية إلى الكونجرس إلى أن الجيش الأمريكي «يجري اتصالات منتظمة مع سلطات «صومالي لاند»، ويبحث مجالات التعاون المحتملة».
تدرس الولايات المتحدة أيضاً تعزيز علاقاتها مع إريتريا، الواقعة شمال «أرض الصومال» وجيبوتي على البحر الأحمر. في الأسبوع الماضي، سمحت واشنطن بانتهاء العقوبات المفروضة على أعضاء الحزب الحاكم وقوات الأمن المرتبطة بسلوك إريتريا خلال نزاع 2020-2022 في شمال إثيوبيا، حين كانت إريتريا تقف إلى جانب الحكومة الإثيوبية. ونظراً لتوقع تجدد الصراع في شمال إثيوبيا (وأن إثيوبيا وإريتريا قد تباعدتا مجدداً، ما سيجعلهما على طرفي نقيض في هذا الصراع)، فضلاً عن تصاعد انعدام الأمن في البحر الأحمر وباب المندب، فلن أستغرب إذا ما وفرت هذه التطورات مبرراً إضافياً لانخراط الولايات المتحدة مع إريتريا، بغض النظر عن سجلها في مجال حقوق الإنسان.
أتابع أيضاً تأثير ذلك على الأمن البحري، نظراً للزيادة الطفيفة في القرصنة الصومالية، التي بلغت ذروتها قبل أكثر من عقد. حينها، تصدّت للتهديد مجموعة من الإجراءات التي تقودها الصناعة ودوريات بحرية متعددة الجنسيات؛ لكن ثمة متغيرات جديدة هذه المرة. أولها أن النظام الدولي بات أكثر توتراً، ما يعني ضعف التنسيق حول الوسائل العسكرية وغير العسكرية لمواجهة التهديدات المتطورة في باب المندب. ثانيها أن العلاقات عبر المضيق أصبحت أكثر تطوراً واستراتيجية، مع أن الروابط بين الحوثيين وحركة الشباب هي في الأساس علاقات نفعية وليست أيديولوجية. ثالثها أن ساحة المعركة قد تطورت؛ فحركة الشباب وتنظيم «داعش» في الصومال يستخدمان بالفعل طائرات بدون طيار للاستطلاع، وقد نفّذ التنظيم الأخير أولى غاراته المؤكدة بطائرات بدون طيار في يناير 2025. ونظراً لاتجاهات تقنيات الطائرات بدون طيار التجارية الجاهزة في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، فمن المرجح أن يتوسع نطاق استخدام هذه التقنيات.
أتوقع أيضاً ارتفاع تكاليف التأمين لقطاع الشحن نتيجة انعدام الأمن، وارتفاع تكاليف الشحن المرتبطة بأي تغيير في مسار الملاحة من باب المندب حول رأس الرجاء الصالح. وستُحمّل هذه التكاليف حتماً على المستهلكين. وقد عانت الاقتصادات الأفريقية، على وجه الخصوص، من سلسلة من الصدمات الجيوسياسية في السنوات الأخيرة، مع فترة وجيزة بينها لتعزيز قدرتها على الصمود، وسيتعين عليها الاستعداد لارتفاع أسعار السلع.
وأخيراً، هناك جانب إنساني. فبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فرّ أكثر من 3000 شخص من اليمن عبر المضيق إلى جيبوتي. وفي مناشدة للأمم المتحدة والشركاء الدوليين لتقديم الدعم، توقع وزير الداخلية الجيبوتي أن يصل عدد الواصلين إلى 10000 شخص، وهو رقم من شأنه أن يُرهق الموارد المتاحة.