بانوراما سورية..أعداء وقلق و«عصفورية»
- تم النشر بواسطة خاص / لا ميديا
دمشق - خاص / لا ميديا -
الأخبار هذه الأيام كثيرة في دمشق، والتساؤلات أكثر، حول المستقبل والهوية والمسار الضبابي الذي تسير فيه سورية، حتى يكاد المتتبع للوضع فيها يقف محتاراً، ماذا يكتب، وماذا يتابع!
- «إسرائيل» تتمدد في الجنوب السوري، الذي أصبح مثل الضفة الغربية وقطاع غزة وجنوب لبنان، حيث تدخل الدوريات «الإسرائيلية» إلى محافظات الجنوب، وهي درعا والسويداء والقنيطرة، وحتى ريف دمشق، وتعتقل أشخاصاً وتحقق معهم، وتقتلع أشجار الزيتون، وتنصب المراصد، ووصل الأمر قبل أيام أن جنوداً «إسرائيليين» جاؤوا بسياراتهم وأسلحتهم، ولباسهم العسكري الواضح، واشتروا الخبر من بلدة جديدة عرطوز، التي تبعد مسافة 15كم فقط عن دمشق، وتسوقوا من أحد المولات، وبدون أن يعترضهم أحد.
- الطائرات الحربية «الإسرائيلية»، وطائرات الاستطلاع والمسيّرات تخترق الأجواء السورية، ولا تغادر سماءها، وبدون أن يعترضها أحد، لسبب بسيط، لأنه لم يعد لدى سورية ما تقاوم به هذه الانتهاكات.
- أما التغول «الإسرائيلي» الأكبر فهو ما أعلنه رئيس حكومة الكيان، بنيامين نتنياهو، بأنه اتصل برئيس السلطة السورية، «أحمد الشرع» (أبو محمد الجولاني) خلال مجازر السويداء، العام الماضي، وطلب منه وقف الهجوم فوراً، وانصاع الجولاني للأمر، ليكشف حجم الضعف الذي تبديه السلطة أمام العدو «الإسرائيلي».
- تركيا بدورها تتصرف في سورية وكأنها أم الصبي، والولي الشرعي عليه وعلى السلطة السورية. وهناك ضباط أتراك في قيادة وحدات الجيش السوري. وأطماع تركيا في الشمال السوري ليست خافية على أحد، ويعلنها الساسة الأتراك على الملأ، وآخر موقف تركي الإعلان أنها لن تنسحب من سورية طالما تواصل التهديد «الإرهابي». وهذه العبارة المطاطة يستحيل أن تنتهي، بغض النظر عن أي سلطة في تركيا أو في سورية، لأن مجرد وجود راعي غنم قرب الحدود يمكن أن تعتبره السلطات التركية «تهديداً إرهابياً».
وبسبب هذا التداخل وتضارب المصالح بين الكيان الصهيوني وتركيا، أصبحت سورية ساحة تصفية حسابات بين «جار الجنوب» وجار الشمال، والشعب السوري هو من يدفع الثمن.
- بين أن تشارك سورية في حرب اليمن إلى جانب القوات السعودية، وأن تقوم بمهمة ضد حزب الله في لبنان، كلها طلبات حقيقة، ومهمات مطلوب أداؤها من السلطة السورية؛ لكن الواقع على الأرض ليس بهذه السهولة، وهذا يضع السلطة في وضع صعب، وعليها اجتراح الحل الذي يوائم بين ما هو مطلوب منها وما هي قادرة على تنفيذه.
- موضة مضحكة مبكية في سورية هذه الأيام، وهي تنمّر المسؤولين على الشعب السوري وشتمهم له ولمؤسسات الدولة.
فوزير الأوقاف، محمد خير شكري، يقول «الوزارة متل حذائي»، لتنطلق بعدها جوقة المطبلين والمزمرين معتبرين كلامه مجرد تعبير فج عن زهده في السلطة، بينما الواقع يقول إنه متشبث بها بكل ما يملك من قوة، خاصة وأنه لم يترك قريباً له إلا ووظفه بأعلى الرواتب، وبغض النظر عن الكفاءة، وفي مقدمتهم ابنه، الذي أصبح سفيراً لسورية الجديدة في ألمانيا.
- أما الرئيس السابق لشركة البترول السورية، يوسف قبلاوي، وهو فلسطيني بجنسية أمريكية، فقد وصف الشعب السوري بالقطيع، لأنه بدأ بالحديث عن فساده وسرقاته ونهبه للثروة السورية من النفط، بعدما تعفن كل ما يحيط به، وأصبحت رائحته نتنة تزكم الأنوف، ليضطر للاعتذار، لكن هذا «المرياع» اضطر لتقديم استقالته بعد أيام، إثر صفقة غش في البنزين أدت إلى تعطل محركات آلاف السيارات، وليهرب بعدها مع ما تيسر له إلى خارج سورية.
- مسؤول تم تعيينه في منصب من أهم المناصب في الدولة، احتوت سيرته الذاتية على شهادات الدكتوراه والماجستير والدبلوم، من جامعات في أمريكا وأوروبا وآسيا والواق واق، من كل أصقاع الأرض، وبما يحتاج إلى حائط كامل ليتسع لها؛ لكن الأطرف أن السيرة نفسها قدمته على أنه كان يعمل في عدة دول، والتدقيق بهذه المعلومات يكشف أنه كان يعمل في غرب الكرة أرضية، وفي الوقت نفسه يتابع تحصيله الشهادات من شرقها، والعكس صحيح. وأطرف تعليق لوصف هذه الحالة كان: «يبدو أنه الخضر عليه السلام».
ثالثة الأثافي في هذه «العصفورية» السورية كانت مع محافظ دمشق، الذي قال، خلال لقاء له مع نقابة المهندسين، بأنه أصبح يفهم أكثر من المهندسين، مع أنه لا يحمل سوى شهادة ثانوية، ما اضطره أيضاً للاعتذار.
- مع هذا الوضع المعقد، السؤال اليوم في دمشق ليس هل وصلت السلطة السورية إلى نهايتها، وإنما كيف؟ ومتى؟ وهل بوجود الجولاني أم بدونه؟
السؤال لم يأتِ من فراغ، وإنما من الأزمات الكبيرة التي أصبح يعاني منها الشعب السوري، وسط الغلاء الفاحش والانفلات الأمني والفساد وتسريح العمال والموظفين وتوقيف رواتب مئات الآلاف منهم، وحالة الترف التي يبديها رجال السلطة والحكومة، وسط شعب أصبح يصنف تسعون بالمئة منه تحت خط الفقر، وكذلك مع الفشل في تلبية الطلبات الأممية والأمريكية لتبني السلطة وتعويمها.
وتؤكد المعلومات أن التنفيذ العملي لهذه الخطوة قد بدأ، والحديث يدور في كواليس العواصم الإقليمية والدولية الفاعلة حول كيفية التغيير، والشخصيات التي ستقود المرحلة التالية، مع مؤشرات ترجح إمكانية بقاء الجولاني في الفترة الانتقالية، بهدف إنجاز التغيير بدون صدامات أو توترات أمنية.
باختصار: سورية (بلاد الشام) قلب العروبة النابض، وعمود النور، والمظللة بأجنحة الملائكة، وأرض الحضارات والديانات والمدارس الفكرية والفلسفية، تئن وتعاني. لكن رغم هذه السوداوية في مشهد اليوم، لا ننسى أن سورية (بلاد الشام) مر عليها الكثير من الغزاة والمحتلين والطامحين، وانتهوا جميعاً إلى مجرد صفحات في التاريخ، وبقيت سورية. وما يجري اليوم لن يكون استثناء في مسيرتها عبر تاريخها الطويل والعريق.
- نختتم هذه البانوراما بتعليق قرأته وأنا أكتب هذه المقالة لصديق يقول فيه: «يا حنَّان يا منَّان، يا قهار يا جبار يا عليم، أن تنتقم من كل وزير لا يخدم شعبه الهمام، ويسرق المال العام، وتبليه بمرض يجعله لا ينام، ولا يغادر الحمام، وتقرب أجله في قادم الأيام، والى جهنم وبئس المقام»، فاتصلت به وقلت له: سامحك الله يا صديقي العزيز؛ بهذا الدعاء لن تترك لنا «ملاكاً» يأخذنا إلى الجنة.
توضيح: «عصفورية» تسمية تطلق في سورية وبلاد الشام على مشفى المجانين.










المصدر خاص / لا ميديا