هل انتهت الهيمنة الأمريكية على العالم؟!
- عدلي عبد القوي العبسي الأثنين , 29 يـونـيـو , 2026 الساعة 1:36:22 AM
- 0 تعليقات

عدلي عبدالقوي العبسي / لا ميديا -
بات هذا السؤال: (هل انتهت الهيمنة الأمريكية على العالم؟!) هو الأكثر إلحاحا، والأكثر ترددا في وسائل الميديا والتواصل الاجتماعي ومراكز الأبحاث والمنتديات الثقافية والفكرية، وفي الأوساط السياسية في معظم بلدان العالم.
نعم، هي المسألة التي برزت على صدارة النقاش والجدل العالمي؛ مسألة التغيير في شكل النظام العالمي السياسي والتغيير في أطر الهيمنة وصناعة القرار الدولي، وفي طبيعة الدول الحاكمة والمتنفذة الآن (سياسيا واقتصاديا) والمؤثرة في صياغة ترتيبات وتفاهمات تسيير شؤون العالم، أي على المستوى الدولي السياسي الجيوسياسي والاستراتيجي.
نكرر السؤال: (هل انتهت الهيمنة الأمريكية على العالم؟!).
باختصار وإيجاز وتبسيط في الجواب، نقول: نعم. مكتفين بالإحالة إلى ظواهر وأحداث هي مؤشرات واضحة على صحة هذا الجواب.
فكما ترون أن الجميع بات يتحدث الآن أن أمريكا قد تراجعت فعليا إلى مستوى دولة عظمى فقط، بعد أن كانت قبل عقدين من الزمن دولة إمبراطورية تهيمن على العالم، فيما كان يسمى «العولمة الأمريكية الأحادية القطب».
نعم، فعليا أمريكا خسرت (الهيمنة العالمية)، وبتنا الآن في عالم متعدد الأقطاب، ونلمس خسران الهيمنة واقعيا على جميع المستويات، منذ أن برزت إلى الوجود المستجدات والتحولات الجيوسياسية والاجتماعية والتكنولوجية العالمية التالية:
أولاً: نشوء المنظمات والمشاريع الأوراسية الكبرى: ولأن أوراسيا هي قلب العالم كما يقول العلماء الجيوسياسيون، فإن التحولات والتغيرات الكبرى فيها تؤثر على المشهد العالمي ككل ولها تداعياتها ونتائجها المهولة في رسم النظام العالمي الجديد، وأبرز هذه التحولات والتغيرات تتمثل في التكتلات السياسية والاقتصادية والعسكرية الكبرى، وما صاحبها من بروز مشاريع جديدة عملاقة عابرة للقارات وجيوسياسية قارية وتحالفات عسكرية أمنية استراتيجية قوية، إلى حد نشوء معسكر شرقي جديد ودول متضامنة ومتعاونة معه ومنسقة معه بأشكال متفاوتة من التضامن والتعاون والتنسيق، وأهم هذه المنظمات والمشاريع هي: «منظمة شنغهاي»، و»تحالف بريكس»، و»مشروع طريق الحرير»، و»بنك التنمية»، و»خطوط الطاقة الكبرى، مثل: سيبيريا وممر الشمال وممر القطب الشمالي».. إلخ، كلها خلقت واقع التمدد الجيوسياسي الجديد الاقتصادي الثقافي العالمي الأوراسي إلى معظم بقاع العالم.
ثانياً: استراتيجيات نزع الدولرة والأدوات المالية البديلة (العملة الرقمية، والتعامل بالعملات المحلية، ونظام المدفوعات البديل لـ»سويفت»)، بالإضافة إلى الشراكات الاستراتيجية الثنائية مع دول مهمة مثل إيران والبرازيل وباكستان والجزائر.
ثالثاً: الحروب الهجومية التي تم شنها على جدار الحصار الغربي على أوراسيا، لتحطيم هذا الجدار: (حرب أوكرانيا حطمت الجدار في شرق أوروبا، وحطمت هيبة «الناتو»، وأذلت أوروبا وأدخلتها في جحيم الأزمة الاقتصادية والسياسية، وكشفت للعالم أن مشروع تطويق روسيا هو مشروع فاشي جنوني غير واقعي، وأنه سيجلب دمارا على الحضارة الغربية في حالة الاستمرار فيه إلى مدياته القصوى).
ورأينا أيضا كسرا لسور التطويق هذا جنوبا في جنوب آسيا، من خلال النتيجة الصادمة لـ(حرب الهند وباكستان)، وفي السياسات البارعة لجذب الهند وباكستان إلى الأطر الأوراسية وإبعادهما قدر المستطاع عن الفلك الأمريكي الغربي، والتعاون الاستراتيجي مع كل منهما على حدة. ولمسناه أيضا في السياسة الصينية الحكيمة والصبورة لتطويق تايوان والضغط العسكري والسياسي عليها تمهيدا لاستعادتها إلى الوطن الأم، وكذلك رأيناها في «الشرق الأوسط»: حرب السابع من أكتوبر/ تشرين الأول وحرب مارس/ آذار 2026، التي تشكل امتدادا لها، والتي تكللت بالنصر التاريخي العظيم، وحطمت هيبة أمريكا على المستوى العالمي وكادت أن تنهي الوجود الصهيوني والخليجي الرجعي معا، وأظهرت مدى العجز الصهيوأمريكي الكبير والفاضح، وحجم الفشل السياسي والعسكري غير المسبوق في التحكم بـ«صناعة الطاقة والممرات البحرية»، وفي المحاولات العقيمة لفرض الإملاءات بالقوة على محور المقاومة والصياغة الأحادية لخرائط المنطقة جيوسياسيا، وإعادة السيطرة على ثرواتها ومزاياها الجيوسياسية الهامة والمؤثرة عالميا، وكشفت لنا مدى التحول في موازين القوى إقليميا ودوليا لصالح القوى الجديدة الصاعدة عالميا، والتي ساهمت في صناعة هذا النصر وهذا التحول العظيم.
رابعاً: الصعود التكنولوجي (الصيني -الروسي) الرهيب خلال العقدين الماضيين في عدة مجالات حيوية وكسر التفوق الغربي واللحاق والتجاوز في مسار الثورة العلمية التكنولوجية، خاصة في مجالات: السلاح والطاقة المتجددة والمعلومات والذكاء الصناعي والطب والفضاء.
خامساً: استمرار خط الانحدار الأمريكي عبر تعمق الأزمة الداخلية المديونية العظيمة وتفاقم الأزمة الاقتصادية وتداعيات الحروب التجارية العالمية الكارثية والفاشلة التي شنتها الدولة الأمريكية على معظم دول العالم، الانقسام الحاد في نخبة الحكم، تعاظم الفساد بشتى صوره، والتشظي الاجتماعي والتحول الديموغرافي لغير صالح العرقية البيضاء، التغيرات الثقافية والفكرية لدى الأجيال الجديدة من الشباب الأمريكي، التي تمردت على السرديات الأمريكية والتراث الفكري السياسي والقيم الأمريكية التي سادت لعقود ومئات السنين، صعود التيار الشعبي اليميني المتطرف «ما سمي بحركة ماجا»، والذي عكس تأزم البورجوازية الأمريكية وذهابها إلى الخيار الفاشي المدمر، ما زاد من تعقيد الأزمة السياسية الناتجة بالأساس عن الأزمة الاقتصادية، وزاد من حدة الصراع السياسي حتى كادت أن ترمي بالدولة إلى أتون الحرب الأهلية، (ولا زال السيناريو الأسوأ هذا محتملا)، مع ما يجره من مخاطر تفتت الدولة الأمريكية وانفصال عدة ولايات عنها مثل تكساس وكاليفورنيا ولويزيانا وغيرها.
نعم، نقولها وبكل ثقة، نحن الآن في وضعية عالمية جديدة، وفي واقع جديد هو واقع ما بعد الهيمنة الأمريكية على العالم.










المصدر عدلي عبد القوي العبسي
زيارة جميع مقالات: عدلي عبد القوي العبسي