دمشق - خاص / لا ميديا -
طوت الولايات المتحدة الأمريكية، صفحة تواجدها العسكري في سورية، التي دخلت معها شريكاً في التحالف الدولي لمحاربة «داعش»، بانسحابها في السادس عشر من نيسان الجاري، من آخر مكان كانت تتواجد به، قاعدة «قسرك» قرب الطريق الدولي M4 المؤدي إلى الحدود العراقية، في شمال شرق سورية، منهية بذلك عشر سنوات من التواجد غير الشرعي، وغير القانوني.
بانسحابها هذا، أنهت الولايات المتحدة تواجدها في تلك المنطقة، التي تشكل العصب الرابط، بين محافظات الشمال السوري، والمنطقة الحدودية لسورية، مع كل من تركيا والعراق والأردن، وساهمت خلالها هذه القواعد، في رسم توازنات القوى، والخريطة الجيوسياسية لسورية والمنطقة، منذ بدء الأحداث في سورية عام2011، وحتى سقوط نظام حكم الرئيس بشار الأسد، ثم ترتيب الأمور مع السلطات الجديدة في دمشق، وفق ترتيبات تختلف عما كانت قائمة عليه قبل التغيير.
وكانت القوات الأمريكية، قد انسحبت في 16 مارس/ آذار الماضي، من قاعدة «رميلان» بريف محافظة الحسكة، في شمال شرقي البلاد، المتخصصة بالإمداد اللوجستي والاستخباراتي وسلمتها إلى الحكومة السورية.
ثم أخلت مواقعها في حقلي «العمر» و«كونيكو» للنفط والغاز، ومن قاعدة «تل البيادر»، وكلها تقع شمال شرق سورية، في المناطق القريبة من الحدود العراقية والتركية.
وفي فبراير/ شباط الماضي، سلمت قاعدة الشدادي، وفي الشهر ذاته، أخلت قاعدة «التنف» الاستراتيجية، عند مثلث الحدود (السورية -الأردنية -العراقية)، وهي أهم قاعدة أمريكية كانت في سورية.
كما ترافقت هذه الانسحابات، مع تخفيض عدد الجنود الأمريكيين في سورية (من 2000 إلى 1000 جندي) كانوا يقومون بمهمات الاستطلاع، والاستخبارات، والتدريب، للفصائل المتحالفة معهم، وترتيب الأوضاع، تمهيدا لعملية الانسحاب النهائية التي حدثت.
اللافت أن هذا الانسحاب، لم يكن يحظى بإجماع، من موظفي الخارجية والبنتاغون الأمريكي، وجاء تنفيذاً لقرار اتخذه الرئيس ترامب، ومهد له عبر عدة تصريحات، عن نيته الانسحاب من سورية، كما أن القرار، لم يمر عبر القنوات الاستشارية والإدارية المعتادة، بل جاء مخالفا لتصريحات مسؤولين كبار، أكدوا مرارا ضرورة البقاء، بحجة محاربة تنظيم «داعش»، والتصدي لنفوذ إيران في المنطقة، وضمان الاستقرار السياسي في سورية.
هذا الانسحاب، الذي عكس تحولا جذريا، في التنسيق الميداني بين واشنطن ودمشق، بعد دخول السلطات السورية الجديدة، كشريك مع الأمريكيين، في التحالف الدولي لمحاربة «داعش» أثار تساؤلات عديدة، حول أسابه وتوقيته، وأيضاً حول البدائل، لأن ما جرى كان انسحاباً أمريكياً من سورية، وليس من كامل المنطقة، التي تمتلك أهمية استراتيجية وجيوسياسية، تشكل المؤشر الأهم، على توازنات القوى والقوة في المنطقة والعالم، والمؤشر على صعود وانهيار الامبراطوريات عبر التاريخ.
مسؤولون كبار في الإدارة الأمريكية، برروا الانسحاب، بالانتصار النهائي على تنظيم «داعش»، لكن الواقع الميداني يقول إن التنظيم لم ينته، وخطره لا يزال موجوداً، وخاصة بعد التغيير الدراماتيكي الذي حصل في سورية، ووصول «هيئة تحرير الشام» برئاسة أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع) إلى الحكم، وهو الذي كان لفترة من حياته ضمن التنظيم، قبل أن ينفصل عنه ويشكل «جبهة النصرة»، التي تتلاقى عقائدياً مع التنظيم، وبعد انضمام عناصر كثيرة، يشتبه بانتمائها سابقاً للتنظيم، إلى الوحدات العسكرية والأمنية، للسلطات السورية الجديدة، مما أوجد ثغرات أمنية حقيقية، كما حدث في عملية تدمر، عندما قام أحد عناصر الأمن المنتمين سابقاً لـ«داعش» بقتل ثلاثة ضباط أمريكيين، كان مكلفاً بحمايتهم.
كما كشف تقرير أمني أمريكي، عن كارثة أمنية، وقعت في يناير/ كانون الثاني الماضي، خلال الصدامات التي حدثت، بين وحدات من الجيش السوري الجديد، وتنظيم قوات سورية الديمقراطية «قسد» الذي كان يسيطر على منطقة شرق الفرات، في شمال شرق سورية، والتي انتهت بسيطرة القوات الحكومية على المنطقة، بضوء أخضر من الأمريكيين، حيث أدى غياب السيطرة على مخيم «الهول» الذي كان تحت إشراف قوات «قسد» إلى فرار أكثر من 15 ألف محتجز، من الموالين لتنظيم «داعش».
وفور الإعلان عن بدء الانسحاب الأمريكي، كسر المتحدث باسم التنظيم «أبو حذيفة الأنصاري» صمتا دام عامين، برسالة صوتية، دعت عناصره صراحة، لاستهداف قوات الحكومة السورية، التي تنسق مع الأمريكيين.
كما أكد تقرير لفريق المراقبة التابع للأمم المتحدة نشر في فبراير/ شباط الماضي، بأن التنظيم نجح في زرع «خلايا نائمة» داخل كافة المحافظات السورية، بما فيها العاصمة دمشق.
وكانت القوات الأمريكية، تدعم خلال تواجدها في المنطقة، تنظيم «قسد» بالتمويل والتدريب والخدمات اللوجستية والاستخباراتية، بهدف التصدي لتنظيم «داعش» حيث تمكنت «قسد» من بناء شبكات استخباراتية وخبرة عميقة، في تتبع خلايا التنظيم، لتنتقل هذه المهمة، للقوات العسكرية والأمنية، التابعة للسلطات في دمشق، مما ثار المخاوف، من حدوث اختراقات أمنية، بسبب انتماء عناصر كثيرة من هذه الوحدات، للتنظيم سابقاً.
ورغم التبريرات الأمريكية، لكن الواقع الميداني يقول أكثر من ذلك، حيث جاء هذا الانسحاب، في لحظة تحول «البوصلة الاستراتيجية» الأمريكية، نحو جبهات الصراع الكبرى مع الصين وروسيا، ومع بدء مؤشرات على الاستعداد لعملية عسكرية ضد إيران، وهو ما تأكد في العدوان الأمريكي «الإسرائيلي» الأخير على إيران.
كما أن الانسحاب الأمريكي من سورية، يوفر التكاليف المادية، التي كانت تستهلكها هذه القواعد، مقابل خدمات استراتيجية محدودة، خاصة بعد التغيير في السلطة، الذي حدث في دمشق.
كما أن الأهداف الاستراتيجية، للتواجد الأمريكي في المنطقة، لن تتأثر بانسحابها من سورية، باعتبارها تتواجد في عدد من القواعد الكبرى، في الدول المحيطة بسورية، وعلى مسافات قريبة من المناطق التي كانت تتواجد فيها، كقاعدة «إنجرليك» في تركيا، وقاعدة المفرق في الأردن، وعدة قواعد في العراق.
أكملت القوات الأمريكية انسحابها من سورية، تاركة مهمة ملء الفراغ للقوات السورية، لكن تركيبة السلطات الجديدة في دمشق، والفشل الأمريكي -»الإسرائيلي» في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للعدوان على إيران، سيترك أثره الكبير على التواجد الأمريكي في كل المنطقة، وعلى توازنات القوى فيها، وعلى خريطتها الجديدة التي ترتسم على وقع كل هذه التطورات، وهو ما سيجيب في حينه عن التقييم الحقيقي للانسحاب الأمريكي من سورية، وعن البدائل لهذا الانسحاب.










المصدر خاص / لا ميديا