هدنة تحت النار
 

فؤاد أبو راس

فؤاد أبو راس / لا ميديا -
عند منتصف ليلة الجمعة أُعلنت هدنة بين لبنان والكيان الصهيوني، هدنة فُرضت على العدو تحت النار، ولم تولد من رغبة هادئة في التوقف. جاءت من قلب اشتباك تتداخل فيه الجبهات مع المفاوضات، والبندقية مع الرسالة السياسية، ويضغط فيه الميدان على طاولة التفاوض. كانت الهدنة جزءاً من معادلة إقليمية تتحرك فيها واشنطن وهي تراقب الجبهات، وتفاوض فيها طهران وهي تمسك بأوراق القوة، وتتحرك باكستان في مساحة الوساطة، مدركة أن أي مسار سياسي يحتاج إلى ضبط الإيقاع العسكري، بينما يشكّل لبنان أحد أهم ميادين الضغط الفعلي.
لذلك لم تكن الهدنة صدقة سياسية يمنحها العدو، بل نتيجة مباشرة للضغط. الكيان لا يذهب إلى التهدئة حين يكون واثقاً من الحسم، بل يواصل العدوان ما دام يظن أن الزمن يعمل لصالحه والطريق مفتوح أمامه. أمّا حين يقبل بالتوقف في لحظة حرجة، فهذا يعني أن الكلفة ارتفعت، والحسابات لم تعد مضمونة، وأن الاستمرار لم يعد طريقاً مريحاً ولا آمناً.
في هذه اللحظة برز الجنوب اللبناني كصاحب دور حاسم؛ هناك كُتبت معاني القوة والصمود وفرض التوازن. رجال الجنوب لم يدافعوا عن حدود وقرى فحسب، بل حموا معنى يقول إن العدو لا يدخل حيث يشاء ولا يخرج بالصورة التي يريدها، وأن تفوقه الناري لا يمنحه تلقائياً شهادة نصر مكتمل. ما جرى في الجنوب لم يكن حدثاً جانبياً، بل عاملاً مركزياً دفع الكيان إلى القبول بالهدنة مدركاً أن كلفة الاختراق أضحت أعلى من قدرته على الاحتمال.
لو كان في موقع أفضل لما رأينا هدنة بهذا التوقيت وبهذه الصيغة؛ كان سيواصل الضغط، يرفع شروطه، ويقدّم التوقف كتتويج لإنجاز عسكري؛ لكنّه دخل الهدنة بحثاً عن صياغات تحفظ ماء الوجه، وصور يقدّمها لجمهوره حتى لا تبدو اللحظة تراجعاً تحت النار.
من هنا يمكن فهم إصراره على بنت جبيل؛ فالمدينة ليست مجرد نقطة على الخريطة العسكرية، بل ذاكرة موجعة ورمز نفسي وسياسي يلاحقه منذ أن أُطلقت في وجهه العبارة التي اختزلت هشاشته البنيوية أمام بيئة المقاومة: «أوهن من بيت العنكبوت».
كان يريد الوصول إلى ملعب بنت جبيل كي ينتزع لقطة رمزية يقول بها إنه تجاوز عقدته واستعاد شيئاً من هيبته؛ لا لأن الملعب وحده يغيّر موازين الحرب، بل لأن الصورة في تلك اللحظة كانت أثمن لديه من أي تقدم تكتيكي محدود. غير أن الميدان قلب المشهد مرة أخرى؛ فكلما ازداد تعلقه بالهدف الرمزي انكشفت حاجته النفسية إليه، وكلما حاول صناعة نصر معنوي ظهر النقص الفادح في رصيد المعنى والثقة لديه. بنت جبيل لم تسقط في معناها، بل رفعت كلفة اقتحامها على العدو، وأعادت لعبارة «أوهن من بيت العنكبوت» حياة جديدة؛ لم تعد توصيفاً بلاغياً، بل خلاصة يثبتها سلوكه هو: كيان يمتلك سلاحاً وتكنولوجيا ودعماً غربياً، ثم يدخل هدنة تحت الضغط ويحاول تغليف مأزقه بضجيج إعلامي كثيف.
وزاد مأزق الكيان أن الجبهة اللبنانية لم تكن وحدها؛ إذ وقفت معادلة ردع إيرانية فُرضت على المنطقة إعادة الحساب؛ فلم يعد القرار الأمريكي الصهيوني حراً كما كان يُراد له، ولا الجبهات مفتوحة على شهيته بلا ضوابط. إيران لم تكن متفرجاً سياسياً، بل هي طرف قادر على التأثير في ميزان القوى وإدخال واشنطن في حسابات أكثر تعقيداً، وهذا ما جعل الهدنة جزءاً من مسار تفاوضي أوسع، لا ملفاً لبنانياً يمكن فصله عن السياق الإقليمي.
الهدنة كُتبت تحت النار، كتبها رجال الجنوب بثباتهم، وكتبها الردع الإيراني بوزنه، وكتبها محور المقاومة وهو يعيد ترتيب إيقاعه، وقرأها العدو ليكتشف أن فائض القوة لا يصنع نصراً مستقراً ولا يقيناً داخلياً صلباً. لسنا أمام هدنة تُغلق المشهد، بل أمام لحظة تكشف جوهره. الجنوب انتصر في ميدان الإرادة، وإيران ثبتت حضورها في ميزان الردع، وبقيت بنت جبيل مدينة صغيرة في الحجم، هائلة في الدلالة، تؤكد في كل محاولة مرة أن هذا الكيان، مهما تضخم سلاحه وضجيجه وحلفاؤه، سيظل «أوهن من بيت العنكبوت».

أترك تعليقاً

التعليقات