دول الخليج تدفع ثمن ولائها لواشنطن.. تقرير بريطاني: أمريكا و«إسرائيل» أكبر الخاسرين وإيران خرجت أكثر تماسكاً
- تم النشر بواسطة عادل عبده بشر / لا ميديا
عادل بشر / لا ميديا -
مع اقتراب هدنة الأسبوعين بين إيران وأمريكا من نهايتها، بعد غد الأربعاء، ومع استمرار حالة "الإسهال الإعلامي المُزمن" التي يعيشها رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، على مدى خمسين يوماً متواصلة، منذ بدء العدوان على إيران، والتي أعلن فيها عشرات المرات انتصاره على طهران، خرجت وسائل إعلام غربية، أمس، بقراءات لافتة حملت دلالات تتجاوز توصيف نتائج المعركة إلى إعادة تعريف موازين القوة في المنطقة، مؤكدة أن الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران انتهت، حتى الآن، بنتائج معاكسة تماماً لما خُطط له، وكان المعتدون وحلفاؤهم أكبر الخاسرين.
أبرز تلك القراءات التقرير الذي نشره موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، بعنوان "الحرب على إيران: لماذا تُعتبر إسرائيل والولايات المتحدة الخاسرين الأكبر؟"، موضحاً فيه أن واشنطن و"تل أبيب" لم تحققا أياً من أهدافهما المعلنة أو الضمنية، فيما خرجت طهران، رغم الخسائر والاغتيالات والدمار، أكثر تماسكاً، وأشد حضوراً في معادلة الردع الإقليمي.
التقرير يذهب أبعد من توصيف الفشل العسكري، ليضع الحرب في سياق هزيمة استراتيجية للمعتدين، معتبراً أنه "بالنظر إلى الأهداف المتغيرة باستمرار للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتي تراوحت بين إثارة الاضطرابات الداخلية وتغيير النظام، وتفكيك البرنامج النووي المدني الإيراني، والقضاء على قدراتها الصاروخية، وفتح مضيق هرمز دون قيد أو شرط، لم يتحقق أيٌّ منها، بل على العكس، فشلت الحملة إلى حد كبير".
هذه الخلاصة لا تعني -وفق التقرير- أن إيران لم تدفع ثمناً باهظاً، فقد تعرضت لخسائر فادحة في المدنيين، واغتيالات طالت قيادات من الصفين الأول والثاني؛ غير أن النتيجة السياسية والاستراتيجية جاءت معاكسة لمراهنات العدوان؛ إذ "تمكنت إيران، رغم كل ذلك، من الحفاظ على سلطتها الحاكمة، بل وتعزيزها".
من موقع الدفاع إلى فرض المعادلة
ما يلفت في التقرير أنه لا يتحدث عن مجرد صمود إيراني، وإنما عن انتقال طهران إلى موقع فرض الوقائع. فإيران، بحسب النص، "شنت حملة غير متكافئة متواصلة ومتصاعدة تدريجياً، وضغطت على المنطقة بأسرها، وأظهرت قدرتها على تعطيل إمدادات الطاقة العالمية من خلال فرض سيطرتها على مضيق هرمز".
وهنا تكمن، في نظر التقرير، نقطة الانعطاف الأخطر، وهي أن الحرب التي كان يُراد منها إخضاع إيران، انتهت بإبراز قدرتها على التحكم بأحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وفرضت على واشنطن إعلان وقف إطلاق نار "دون أي مفاوضات مسبقة ظاهرة مع إيران"، وهو ما يفسره التقرير باعتباره "انتصاراً إيرانياً".
ويضيف: "أما كيف يقدم ترامب هذه النتيجة على أنها انتصار أمريكي، فمن الصعب فهم ذلك".
وقدم التقرير نقداً لاذعاً لترامب، موضحاً أن "أفعاله تندرج ضمن نمط أوسع من التهديدات الفارغة، والاستراتيجيات المتغيرة، والخطاب التحريضي والمتطرف".
وقال: "الولايات المتحدة تقودها اليوم مجموعة من الشخصيات، معظمها غير خبيرة، ذات نزعة ذكورية مفرطة، تسعى للحفاظ على مكانتها العالمية المتراجعة. وبذلك، تخاطر هذه الشخصيات بمزيد من إضعاف مكانتها، بينما تُقوّي، دون قصد، خصومها المعلنين".
الأخطر أن الحرب -وفقاً للتقرير- بدلاً من أن ترمم صورة الردع الأمريكية، كشفت هشاشتها، وأعادت إلى الواجهة أخطاء استراتيجية شبيهة بغزو العراق 2003.
وأفاد بأن "إدارة ترامب قد تأثرت برئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وشركائه، للانخراط في هذا العدوان على إيران، في تجاهل تام للنداءات المخالفة من حلفاء الخليج، استناداً إلى مزاعم تحقيق نصر سريع وحاسم لم يتحقق في نهاية المطاف".
وأكد أن الكيان الصهيوني "الذي كان يراهن على نصر سريع يفرض وقائع جديدة في الإقليم"، خرج من هذه الحرب بخسائر كبيرة، لا فقط عسكرية، بل وسياسية، ومن بينها خسارة الدعم الأمريكي، الشعبي والسياسي، الذي كان يُعتبر أمراً مفروغاً منه، إضافة إلى انهيار صورة التفوق العسكري، لاسيما بعد عجز "إسرائيل" عن نزع سلاح حزب الله في لبنان، أو إضعاف قدراته التسليحية، فضلاً عن نجاح الحزب في التصدي بقوة للتوغلات البرية للاحتلال في الجنوب اللبناني.
الخليج يدفع ثمن الولاء
وفي بُعد آخر من المشهد، يكشف تقرير "ميدل إيست آي" أن حلفاء الولايات المتحدة في الخليج بدورهم خرجوا مثقلين بالخسائر، مشيراً إلى أن دول الخليج "بعد أن استثمرت بكثافة في الضمانات الأمنية الأمريكية، واجهت حقيقة أن المصالح الأمنية الإسرائيلية لها الأولوية في حسابات واشنطن الاستراتيجية".
وأكد أن "هذا التصعيد لم يؤدِّ فحسب إلى تقويض صورة الخليج التي تم بناؤها بعناية كبيئة استثمارية مستقرة وآمنة، بل كشف أيضاً عن مواطن ضعف في بنيته التحتية للطاقة"، مضيفاً أن "حلفاء الولايات المتحدة في الخليج يواجهون الآن عبء إصلاح الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، والخسائر المحتملة في حصة سوق الطاقة العالمية، وعدم اليقين المطول بشأن الأمن والحوكمة المستقبلية لمضيق هرمز".
فهذا المضيق، الذي أرادت واشنطن تحييده، بات -وفقاً للتقرير- "خاضعاً فعلاً للسيطرة الإيرانية"، في واحدة من أكثر النتائج انقلاباً على أهداف الحرب.
ما بعد الحرب.. إيران أكثر رسوخاً
النتيجة التي ينتهي إليها التقرير تبدو حاسمة، وهي أن العدوان لم يُضعف الجمهورية الإسلامية، وإنما زادها رسوخاً.
ويقول بوضوح: "إذا كان الهدف من العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية هو إضعاف أو زعزعة استقرار الحكومة الإيرانية، فإن النتيجة حتى الآن تبدو عكس ذلك".
وذهب تقرير الموقع البريطاني أبعد، مرجحاً أن "الحكومة الإيرانية ستصبح أكثر رسوخاً وحزماً في موقفها، كما يتضح من رفضها التنازل خلال المفاوضات الأخيرة في باكستان، واستمرارها في التمسك بالمطالب الاستراتيجية الأساسية"، وانعدام أي أساس للثقة بواشنطن، بعد سلسلة مما تعتبره طهران خيانات أمريكية متراكمة.
في المحصلة، وفقاً لتحليل "ميدل إيست آي"، لم تنجح واشنطن في إخضاع طهران، ولم تحصد "إسرائيل" نصراً يعيد تثبيت تفوقها، فيما خرجت إيران من قلب النار لتثبت، مرة أخرى، أن الحروب التي تُشن لكسر الدول قد تنتهي إلى صناعة انتصارها.










المصدر عادل عبده بشر / لا ميديا