دمشق - خاض / لا ميديا -
كانت لافتة زيارة السياسي اللبناني وليد جنبلاط لدمشق، ولقاؤه رئيس السلطة أبو محمد الجولاني ( أحمد الشرع) في توقيتها، والأجواء التي تمت فيها، مما أثار تساؤلات حول أسبابها ودوافعها.
فجنبلاط، يعتبر الزعيم السياسي الأول عند الطائفة الدرزية في لبنان والتي لها امتدادات في سورية، وفلسطين المحتلة، والأردن، وهو يرى نفسه معنيا مباشرة بكل ما يخص الطائفة.
خاصة وأن الوضع لا يزال متوترا وشبه مقطوع، بين السلطات والطائفة الدرزية في سورية، بعد الأحداث التي جرت في مدينة السويداء، وقبلها في جرمانا وصحنايا ، ذات الأغلبية الدرزية في ريف دمشق.
كما أن الزيارة، تمت وسط الأجواء المتوترة في المنطقة، بسبب العدوان الأمريكي - " الإسرائيلي" على إيران وتصدي المقاومة اللبنانية للعدوان "الإسرائيلي" على لبنان، حيث يرتبط جنبلاط بعلاقته إشكالية متقلبة مع المقاومة اللبنانية. لكنه يرتبط بعلاقة جيدة جدا مع رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، الذي يعتبر الواجهة السياسية للطائفة الشيعية.
هذه الأجواء، والملفات التي تفتحها الزيارة تدخل في صميم اهتمامات القيادة السورية، أيا كان الشخص الموجود في قصر الرئاسة، أو شكل الحكومة وتوجهاتها، لأن لبنان لا يمكن أن يخرج من كونه أحد الملفات الرئيسية للسياسة السورية، وتزيد أهمية هذا الملف، عندما يكون لبنان في دائرة الضوء والنار، وعندما تكون سورية في دائرة التساؤل حول موقفها من التطورات الجارية في لبنان عموما . وحول المقاومة خصوصا .
كما أن العلاقات السورية اللبنانية، تحتاج إلى إعادة هندستها وبرمجتها، وفق التغيير الدراماتيكي الذي حصل في دمشق، ووسط الأجواء المتوترة في المنطقة والعالم، والتي تجعل من بيروت ودمشق في خضمها . وليس على هامشها .
وسط هذه الأجواء، فزيارة جنبلاط لم تكن مجرد زيارة عادية أو بروتوكولية، خاصة وأنها قد تفتحالنار عليه من أكثر من جهة، وبالدرجة الأولى من الفعاليات الدرزية، بسبب الملف الساخن والمؤلم المفتوح، بين الدروز والسلطات السورية.
هذا يؤكد بأن الزيارة، التي تقول أوساط سورية بأنها تمت بمبادرة شخصية من جنبلاط، أملتها ظروف تؤكد بأن هناك أمرا ما عاجلا ومهما . استدعى الزيارة، أو أنها تسعى لترتيب ملفات ساخنة، مع الحكومة السورية .
الأوساط المراقبة للزيارة تقول بأن جنبلاط حمل معه ثلاثة ملفات، لبحثها مع السلطات السورية
الأول هو ملف السويداء، الذي يعتبر جرحا مفتوحا في الجسد السوري، بعد الأحداث الدامية التي شهدتها المحافظة، والمجازر التي ارتكبت بحق الدروز والذي جعل العلاقة مع دمشق شبه مقطوعة ، كما أدخلت هذه الأحداث "الإسرائيلي" على الخط بقوة، بحجة حماية الدروز وبسبب العلاقة التي تربط بين دروز سورية وفلسطين المحتلة، فيما الهدف الأساس، هو محاولة الإمساك بأكبر قدر من خيوط اللعبة في سورية، وبما يتوافق مع "المشروع الإسرائيلي" فيها وبالمنطقة، خاصة وأن الجولان السوري المحتل، تقطنه أغلبية درزية.
وتؤكد هذه الأوساط، أن جنبلاط يخشى من انفلات الفوضى الأمنية في جنوب سورية، التي تشكل السويداء قلبها، والمرتبطة ارتباطا وثيقا مع عمقها اللبناني، حيث معقل جنبلاط
الشعبي والسياسي ، وأن جنبلاط يحاول أن يلعب دور الوسيط، بين السلطات السورية والفعاليات الاجتماعية والدينية والسياسية في السويداء.
بهدف حل هذا الملف، والتوفيق بين الطرفين، وإعادة دمج السويداء في الإطار الوطني السوري، وبما يقطع محاولات استغلال هذا الوضع، من الأطراف الخارجية، وفي مقدمتها "إسرائيل"، التي لاقت تحت فيض الدم، الذي جرى مع أحداث السويداء . موطئ قدم فيها ، من جهات وفعاليات وجدت في الكيان "الإسرائيلي" مظلة حماية، من التهديد بعودة المذابح إلى المحافظة .
الملف الثاني العلاقة بين دمشق وحزب الله، وليس سرا أن هذه العلاقة متوترة، بسبب دور الحزب، الذي كان يساند نظام الرئيس بشار الأسد، ضد المجموعات المسلحة، التي أصبحت في الحكم اليوم، وأيضا على خلفية التطورات الساخنة، التي تجري في المنطقة، مع العدوان الأمريكي " الإسرائيلي" على إيران، والعدوان "الإسرائيلي" على لبنان، وتقارير تتحدث عن سيناريوهات لتدخل سوري ضد حزب الله ، نفته دمشق أكثر من مرة.
وتتحدث معلومات، بأن جنبلاط حمل معه رسائل من الحزب، تؤكد أن لا نوايا عدوانية له داخل الأراضي السورية، وأنه متجاوب مع الوساطات التي تجري بين الحزب ودمشق . والاستعداد لحوار مباشر حول ترتيبات أمنية جديدة، في منطقة البقاع والمناطق الحدودية المشتركة، كما أن الحزب نفى أي علاقة بينه وبين خلايا . قيل إنها على علاقة مع الحزب، أعلنت السلطات السورية تفكيكها مؤخرا داخل الأراضي السورية.
وبكل الأحوال، فإن العلاقة بين دمشق وحزب الله، تحتاج إلى وقفة معمقة من الجانبين، خاصة وأن أيا من الطرفين، لا يستطيع تجاهل موقف ودور الطرف الآخر، لتأتي الزيارة وتفتح بابا لبحث جدي لهذه العلاقة.
الملف الثالث هو محاولة بناء علاقة جديدة وجيدة، بين القيادة السورية الجديدة ورئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، الذي يعتبر أحد أعمدة السياسة اللبنانية، والواجهة السياسية للشيعة في لبنان، وبما يتوافق مع مصلحة الطرفين، حيث يقرأ بري جيدا التحولات الجيوسياسية العميقة التي تجري في المنطقة، وبما يتطلب إعادة تموضع، تحفظ له دور في المرحلة المقبلة، فيما دمشق، لها مصلحة في الانفتاح على كافة الأطراف الوازنة في لبنان، وفي مقدمتهم بري وبما يعيد لها دورها وتأثيرها، وفق مصلحة البلدين.
هذه الزيارة، والملفات التي حملتها . تؤكد خلاصاتها، بأن العلاقة السورية اللبنانية، تتطلب نظرة براغماتية وقراءة جديدة لهذه العلاقة، في ضوء التطورات في البلدين والمنطقة، وتؤكد أهمية الدور السوري في لبنان، وأهمية إقامة علاقة متوازنة وجيدة، مع جميع الأطراف اللبنانية، بغض النظر عن الاستقطابات والولاءات السابقة، كما تحاول إبقاء ملف السويداء على طاولة البحث، منعاً لأية تطورات . قد تدخل من باب عدم حل هذا الملف، أما النتائج . فسوف تتضح خلال الفترة المقبلة، على
أرض الواقع.