ملحق «لا» 21 السياسي - العدد (1850)
- تم النشر بواسطة «لا» 21 السياسي
بغايا إمبراطورية وبقايا إمبراطور
علي عطروس
في هذا العدد، لا نروي لكم حكاية حرب، بل ننثر أمامكم بقايا إمبراطورية. 64 يوماً كانت كافية ليتحول «الغضب الملحمي» إلى مهزلة مكشوفة، و«النزهة الصغيرة» إلى جنازة مهيبة. بين افتتاحية تسأل: من يرحل أولاً، ترامب أم أمريكا؟ وتقرير استراتيجي يشق جلد المعركة ليروي فصول الهزيمة المركبة، وقصة ثالثة عن «إسبرطة» الخليج التي نسفت آخر حلم عربي في وجه الإمبريالية، واختارت «قبة إسرائيل» بدلاً من «قبة الطريقي»...
نقول لكم: العالم يتشكل من جديد، ومن لا يقرأ المشهد الآن، سيفهمه غداً على جثته.
يرحل ترامب أو ترحل أمريكا
في البدء، كان هناك بغلٌ برتقالي يلعب الجولف عمودياً، وحقيبة تيه لبنانية تبحث عن أوتوستراد بنت جبيل- «تل أبيب»، وسترة عسكرية «إسرائيلية» على ظهر «ذئب منفرد» يتوهمه القطيع كلباً.
هذه ليست نكتة، بل هي المشهد الافتتاحي لمسرحية العجز الغربي، التي عُرضت حلقاتها على الهواء مباشرة طوال 64 يوماً. بينما يقف وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، مبتسماً أمام كاميرات العالم ليسأل ساخراً: «إذا كانت أمريكا منتصرة، فلماذا تتفاوض معنا؟!»، كان الرئيس اللبناني جوزيف عون يحزم حقيبته المليئة بـ«دموع تماسيحه» وقهقهات «سلاتيحه»، استعداداً للسفر إلى أي مكان في العالم، إذا كان ذلك سيؤدي إلى إنجاز المهمة المستحيلة: اغتيال المقاومة. في مكان آخر، كان ميناء «إيلات» يتوسل حكومته لإدراجه في أي تسوية إقليمية، بعدما أدرك أن المشكلة ليست في اليمن، بل في أن شركات الشحن العالمية لم تعد تثق بالكيان، الذي لم يعد قادراً على حماية موانئه من صواريخ صنعاء.
هذا هو المشهد الذي لا نراه في نشرات أخبار (CNN): عالم كامل يعيد تشكيل نفسه، بينما «الإبستيني المدلوز» مشغول بالصراخ في وجه مذيعة (CBS): «أنا لستُ مغتصب أطفال». لم تقل المذيعة ذلك؛ لكن ترامب، المسكون بشبح جيفري إبستين، والمسجون في صرخة إنكار لم يطلبها منه أحد، ظنّ أن العالم كله يتهمه. هذا هو «القائد الأعلى» الذي يفاوض إيران وهو لا يعرف ما إذا كان يفاوض أم يعترف. هذا هو الرجل نفسه الذي أخبره المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، بأن «إيران أقوى مما كنا نعتقد»، فرد عليه ترامب بأن المستشار «لا يفقه شيئاً». وبينما كان هذا المشهد يعكس فشل المؤسسة الغربية بأسرها، كان رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، يلقن وزير الحرب الأمريكي، بيت هيغسيث، درساً في الجغرافيا: «لو بنيت جدارين من نيويورك إلى الساحل الغربي ومن لوس أنجلوس إلى الساحل الشرقي، فسيبلغ طولهما 7755 كم، وهذا لا يزال أقل بنحو 1000 كم من حدود إيران. حظاً موفقاً في محاصرة دولة بهذه الحدود!».
لا يمكن لحظة واحدة أن تختصر هذا العبث أكثر من جلسة استماع في الكونجرس، حيث وقف «ذكر البط» -كما في قاموس الإخوة المصريين- هيغسيث ليعلن بثقة أن «منشآت إيران النووية قد سُحقت تماماً» في يونيو 2025. سأله النائب آدم سميث: «ولماذا بدأنا الحرب إذن؟! قلتم إن السلاح النووي كان تهديداً وشيكاً!»، فارتبك هيغسيث وأجاب: «لأنهم لم يتخلوا عن طموحهم النووي». بمعنى آخر، حرب إقليمية كبرى بتريليون دولار، من أجل محاربة «طُموح».
في هذه الأثناء، كان رئيس الأركان الإيراني الجديد، أحمد وحيدي، الرجل القادم من العتمة، يدير الحرب والدبلوماسية السرية معاً من خلف الستار، بينما يلتقي عراقجي بوتين في مكتبة يلتسين ليدفنا معاً عصر العقوبات.
ولكي تكتمل الصورة، كان الصحفي الاستقصائي المخضرم، سيمور هيرش، يكشف القنبلة: ترامب لم يعد يثق بنتنياهو، ويعتقد أنه تعرّض للتضليل، وهو مستعد لدفع 25 مليار دولار لإيران لفتح المضيق، ومسؤول «إسرائيلي» يصفه بأنه «فقد صوابه».
أما الحدث الأكثر سريالية، فكان في حفل العشاء، حين حاول شاب أمريكي يرتدي سترة الجيش «الإسرائيلي» اغتيال ترامب. لماذا؟! ليقول في بيانه إنه أراد الانتقام من «مغتصب الأطفال». الغريب ليس في الاغتيال الفاشل، بل في ردود الفعل: بعض الضيوف واصلوا التهام المقبلات، وآخرون رقصوا «بوقار حزين»، بينما «قارئ الأفكار» الذي استدعي لتسلية الحضور، نجح في تخمين اسم جنين المتحدثة باسم البيت الأبيض، لكنه فشل في توقع إطلاق النار على بعد خطوات منه. المتحدثة نفسها كانت قد «تنبأت» قبل الحفل بأنه «سيكون هناك إطلاق نار». الكل تنبأ، والكل فشل، والكل كان مشغولاً بالتقاط زجاجات الشمبانيا.
بين هذا وذاك، وبينما يذكّر تشارلز الثالث ترامب في مزيج من الدعابة والاستعلاء: «لولا بريطانيا لكنتم تتحدثون الفرنسية»، تذكُر حفيدة الرئيس الأمريكي أن «50٪ من سكان العالم يكرهونني بسبب جدي».
في النهاية، يظل السؤال الذي يطرحه كل هذا العبث: كيف يمكن لـ64 يوماً أن تعصف بكل الهيبة الإمبراطورية؟! الجواب في مكان واحد: يمكن ذلك حين يكون «الخوف من ترامب» أكبر من «الخوف من الله» في نفوس عملاء الداخل، وحين تكون السترة «الإسرائيلية» على ظهر قاتل يحاول اغتياله، وحين يكون مصير الحرب والقرار في واشنطن متعلقاً بافتتاح قاعة احتفالات ترامب الجديدة التي يخطط لها.
إنها لم تكن حرباً؛ كانت مهزلة. ومهزلة بهذا الحجم لا يمكن أن تنتهي إلا بطريقة واحدة: إما أن يرحل ترامب، وإما أن ترحل أمريكا. وكلا الخيارين يبدأ الآن.
64 يوماً كشفت عورة الإمبراطورية وأعادت تشكيل العالم
أربعة وستون يوماً على ما سمتها إحدى الناشطات الأمريكيات «عملية غضب عصابة إبستين»، لا كما سمتها العصابة ذاتها «عملية الغضب الملحمي»، والتي أطلقها «المدلوز» في البيت الأبيض ووزير حربه «المهفوف» وثالثهما كلبهما «النتن». وها هي «النزهة الصغيرة» التي وعدوا بها أنصارهم تحولت إلى مستنقع يزدرد يوميــاً من هيبة الإمبراطورية وهيبة جيشها الذي لم يعد «جيشاً» بقدر ما صار شركة صيانة تنتظر عقود التوريد. من حصاد الستين يوماً الأولى إلى تطورات الأيام الأخيرة، نروي حكاية الهزيمة المركبة التي تعيشها واشنطن و«تل أبيب» على كل الجبهات، كما توثق بعضاً من فضائحها صحافة العدو قبل الصديق.
استنزاف الترسانة.. 50 ألفاً تبتلع 4 ملايين
أرادها ترامب خاطفة، فإذا بها حرب استنزاف لا تليق إلا بغباء الأنا. بحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، كما أورد موقع (Fortune)، استهلك جيش «العم سام» 45٪ من صواريخه الدقيقة، و50٪ من «ثاد»، ونصف «باتريوت» في سبعة أسابيع، وإعادة البناء تحتاج من سنة إلى أربع سنوات، كما يحذّر العقيد المتقاعد مارك كانسيان. أما الكلفة المالية فصاعقة: السيناتور بيرني ساندرز يوجز الكارثة في تصريح أورده «عربي21» بأن كلفة الحرب الإيرانية «بلغت تريليون دولار في شهرين»، فيما تنقل (CBS)، وفق تقديرات المحلل طلال نحلة، أن التكلفة قفزت إلى 50 مليار دولار، وهو مبلغ «يكفي لإغاثة 87 مليون إنسان لعام كامل بحسب الأمم المتحدة».
أما المعادلة فأبسط من أن يفهمها وزير الحرب بيت هيغسيث: إيران ترمي طائرة «شاهد» بخمسين ألف دولار لتستدرج صاروخ «باتريوت» بـ4 ملايين. هذه «حرب اللاتماثل» التي تكلم عنها خبراء «فورين بوليسي» حين أكدوا أن «إيران تتبع استراتيجية هو تشي منه في إطالة أمد الحرب واستنزاف العدو». ويكشف تحقيق «ذا أتلانتيك»، نقلاً عن موقع «المنصة»، عن خلاف محتدم داخل الإدارة: نائب الرئيس جي دي فانس يشكك في دقة المعلومات الاستخباراتية المرفوعة إلى البيت الأبيض، بينما يواصل هيغسيث وترامب تصوير المخزونات بأنها «غير محدودة تقريباً»، في مشهد يعكس انهياراً في بنية القرار العسكري ذاته. وفيما يصرخ هيغسيث بأن قدرة إيران الصاروخية «هُزمت ودُمرت»، تؤكد تقارير استخباراتية أمريكية داخلية، كما ينقل التقرير، أن إيران لا تزال تحتفظ بثلثي سلاحها الجوي والجزء الأكبر من قدراتها على إطلاق الصواريخ، ومعظم زوارق الهجوم السريع الصغيرة.
وفي البحر لا يقل العار مرارة: غواصات «لوس أنجلوس» الهجومية، التي كانت عماد الردع الأمريكي، تتقادم وتنسحب أسرع من استبدالها، كما يفضح هاري كازيانيس في 1945. وبينما تمتلك واشنطن 50 غواصة معظمها «في الصيانة أو خارج الخدمة»، تمتلك إيران 30 غواصة، 23 منها جاهزة للهجوم القريب، كما يوثق حساب (David Z) مصممة خصيصاً لمياه هرمز الضحلة، حيث لا تجرؤ الغواصات الأمريكية على الاقتراب. وتعمق هذا المشهد المهين أكثر حين كشف حساب «أبديت» (update) عن انسحاب حاملة الطائرات الأحدث «يو إس إس جيرالد فورد» من مياه الشرق وعودتها إلى الديار، في اعتراف ضمني بالهزيمة والعجز اللوجستي، تاركةً «فخر الصناعة الأمريكية» ينسحب ذليلاً أمام تكتيكات محور المقاومة. ولم تكتمل الفضيحة حتى اشتعلت النيران في مدمرة أمريكية الأسبوع الماضي فقطعت الكهرباء وعطلت الدفع، كما نقلت (CBS) عن مسؤولين أمريكيين في حادث وصفه تقرير «رادار 360» بأنه واحد من سلسلة حرائق تدل على «إجهاد القوة» والاستنزاف اللوجستي الذي ينهش جسد البحرية الأمريكية.
«المجمع الصناعي العسكري» والسلاح الذي لا يصل
فيما تكشف أرقام «معهد ستوكهولم لأبحاث السلام» (SIPRI) لعام 2025، التي أوردتها «إسرائيل» اليوم بقلم دودي كوغن، عن سباق تسلح عالمي غير مسبوق بلغ 2.887 مليار دولار، بقيادة أوروبية هي الأسرع منذ 1953 (864 مليار دولار)، تواجه الصناعات العسكرية الأمريكية اختباراً وجودياً. فبحسب تقرير «الخنادق» أدت وتيرة الاستهلاك المحمومة إلى «تعطيل شحنات قائمة وتأجيل عقود تسليم» لدول حليفة. إستونيا تلقت تأجيلاً، وسويسرا جمدت مدفوعات «باتريوت»، في مشهد يعكس تحولاً تاريخياً: الحلفاء يعيدون النظر في «موثوقية» المورد الأمريكي. وتتسع الفجوة بين السرعة السياسية لترامب وبطء الإنتاج الصناعي، لتتحول إلى نقطة ضعف بنيوية، كما يشرح تقرير «الخنادق» بقلم د. محمد الأيوبي، الذي يصف مقاتلة (F-35)، جوهرة التاج الأمريكي التي تجاوزت كلفتها تريليوني دولار، بأنها تحولت إلى «عبء لوجستي وتقني»، إذ يتم تسليم بعضها «بكتل توازن غير قتالية» بدلاً من الرادارات المتطورة. هذه هي «الإمبراطورية» التي تحكم العالم بأسلحة بعضها غير صالح للقتال.
فشل دفاعي مذل: طائرة من فيتنام تقصف معسكراً أمريكياً في الكويت
في مشهد لا يصدقه عقل عسكري، كشف موقع (Military Watch Magazine)، بترجمة «الخنادق»، أن مقاتلة إيرانية من زمن فيتنام (F-5E Tiger II) «من بين أقل المقاتلات قدرة في الخدمة عالمياً»، نجحت في اختراق طبقات متعددة من الدفاعات الأمريكية والكويتية وقصفت معسكر بوهيرينغ ثم عادت بسلام! المقاتلة التي تفتقر للتخفي والحرب الإلكترونية شقت طريقها عبر منظومات باتريوت ورادارات يفترض أنها قادرة على رصد أي جسم طائر.
وتتعمق الفضيحة مع تحقيق (NBC News) نقلاً عن ستة مصادر حكومية: الأضرار أكبر بكثير مما أعلنه البنتاغون، والتكلفة تتجاوز 5 مليارات دولار لإصلاح البنى التحتية وحدها. إيران استهدفت أكثر من 100 هدف في 11 قاعدة في البحرين والعراق والأردن والكويت وقطر والسعودية والإمارات، منها 7 بلاغات أضرار في مقر الأسطول الخامس بالبحرين، و11 بلاغاً في قاعدة الظفرة الإماراتية، وتدمير مدرج في قاعدة العديد القطرية.
ولأن الهزيمة تكتمل بالفضيحة السياسية، ينقل «الخنادق» مشهداً من جلسة استماع في الكونجرس واجه فيها النائب الديمقراطي آدم سميث الوزير هيغسيث بسؤال محرج: «لقد قلت إننا اضطررنا للحرب لأن السلاح النووي كان تهديداً وشيكاً، والآن تقول إنه دُمّر؟!»، فجاء الرد المرتبك: «إنهم لم يتخلوا عن طموحاتهم». فرد سميث بضربة قاضية: «إذاً عملية مطرقة منتصف الليل لم تحقق شيئاً جوهرياً». حرب تشن لضرب «الطموح» لا لمواجهة الواقع!
جنوب لبنان: حرب الألياف البصرية ومذبحة «الخط الأصفر»
بينما ينشغل العالم بالخليج، تنهار الجبهة «الإسرائيلية» في لبنان بصمت مذل. تقرير «الخنادق» يصف التحول إلى «الردع النقطوي»، إذ تدير المقاومة «استنزافاً دقيقاً يستهدف نقاط ضعف العدو». السلاح الذي قلب المعادلة هو المُحلّقات الانقضاضية بالألياف البصرية (FPV) التي حولت أنظمة التشويش «الإسرائيلي» بمليارات الدولارات إلى خردة، لأنها ببساطة لا تستخدم موجات الراديو، كما يشرح تقرير «عربي21» بقلم حسين مصطفى.
النتيجة: 38 جندياً «إسرائيلياً» مصاباً كما ينقل مراسل «ماكو» طال ليفي، واعتراف إذاعة الجيش بصعوبة بالغة في الاعتراض مع وصول المسيّرات إلى مدى 25كم. والأكثر إثارة للسخرية أن «الجيش الإسرائيلي» لجأ إلى حل «عبقري»: تغليف مدرعاته بشباك بلاستيكية كتلك الموجودة في ملاعب كرة القدم! هذا المشهد نقله حساب «أبديت» (update) عن «يورونيوز». وتضيف بهية حلاوي في «الميادين» بُعداً أعمق: لم تعد المفاجأة في السلاح، بل في الصورة والوعي، إذ «تتحول اللقطة إلى حدث مكتمل يختصر السردية»، من قاهر الكورنيت عام 2006 إلى طيّار (FPV) عام 2026، في استمرارية للذهنية ذاتها.
أما التطور الأهم فيكشفه المحلل طلال نحلة: إقرار قناة «كان» الصهيونية بأن «الجيش» يسحب معظم الألوية النظامية من جنوب لبنان، بعد سحب «الفرقة 98» (الكوماندوز) ثم «الفرقة 162» (المدرعات). ويبقى الاعتراف الأقسى ما نقله إليشع بن كيمون في «يديعوت أحرونوت» عن كبار القادة في جلسات مغلقة: «إذا عاد المستوطنون إلى هذا الواقع، لم نحقق شيئاً». ويكتمل المشهد بـ10 حالات انتحار بين الجنود منذ بداية 2026، بينها 6 في نيسان/ أبريل وحده، كما تنقل «هآرتس».
الصمود الإيراني.. استراتيجية هو تشي منه
في تحليل لافت، يؤكد خبراء «فورين بوليسي» أن «إيران تتبع نهج هو تشي منه»: القوى الإمبريالية تتعب قبل أصحاب الأرض. ويوجز المعلق إدوارد لوس في «فايننشال تايمز» الحقيقة: «ترامب هو من بدأ الحرب، وإيران ستقرر متى تنتهي». لماذا؟ لأن الحصار الأمريكي «يستثني السفن المتجهة إلى الصين»، وباكستان «أعطت إيران الإذن باستخدام أراضيها كممر بري للتجارة».
عسكرياً، يكشف حساب (David Z) عن شبكة أنفاق تحت الماء تضم 100 نفق وقواعد بحرية كهفية، تجعل استهداف الغواصات الإيرانية «مستحيلاً فعلياً». ويأتي الإعلان الاستراتيجي الأهم على لسان المرشد الأعلى، السيد مجتبى خامنئي، كما نقلت «الأخبار» اللبنانية: «اليوم بعد هزيمة أمريكا المخزية، تتشكل مرحلة جديدة للخليج الفارسي ومضيق هرمز. إدارة إيران لهرمز ستجعل المنطقة أكثر أمناً». ويرد اللواء مجيد موسوي، قائد الجوفضائية، على «سنتكوم» بتحذير: «رأينا عاقبة قواعدكم، وسنرى عاقبة سفنكم. سنرد بضربات مؤلمة ممتدة».
جيوسياسية المأزق.. هرمز وباب المندب كماشتا الخنق
في تحليل استراتيجي معمق، يشرح محمد رضا صادقي في «الميادين» كيف تبنت إيران «نموذجاً فريداً من الحرب الجيوسياسية غير المتكافئة» يقوم على التحكم بمضيقي هرمز وباب المندب معاً. فإغلاق هرمز، الذي يمر عبره 20 مليون برميل يومياً، لم يعد تهديداً تكتيكياً، بل أداة لفرض النفوذ. والأهم هو الربط بين المضيقين عبر الحلفاء في اليمن، ما يوفر «إمكانية الحصار البحري لدول مجلس التعاون الخليجي التي تعتمد على المسارين لتصدير طاقتها». ويضيف الباحث وليد عبد الحي أن إيران واجهت الحصار الأمريكي باستراتيجية متعددة المستويات تشمل «أسطول الظل» من ناقلات النفط القديمة، وإيقاف أنظمة التتبع، ونقل النفط بين السفن في عرض البحر، وتوظيف نظام المقايضة النفطية مع دول الجوار الشمالي. ويخلص إلى أن «فاعلية الحصار الأمريكي ستكون محدودة في ظل تعدّد البدائل».
وفي تطور يوسع رقعة المواجهة، ينقل ثابت العمور في «الميادين» تهديد الصومال بحظر مرور السفن «الإسرائيلية» عبر باب المندب، رداً على اعتراف «إسرائيل» بإقليم أرض الصومال. ويرى الكاتب أن هذا القرار «يعني أن فاعلاً أفريقياً إقليمياً جديداً قد انضم إلى تهديد الملاحة المرتبطة بإسرائيل»، محذراً من أن «تحالفاً بحرياً ممتداً من باب المندب إلى مضيق هرمز قد تشكل ويضع المصالح الأمريكية و«الإسرائيلية» في عين العاصفة».
أما التغريدة الأكثر إدهاشاً، فجاءت من حساب ريان روزبياني، الذي فك شيفرة معادلة نشرها المتحدث باسم البرلمان الإيراني، لتظهر أن «الغرب يلعب بأوراق العرض الخاصة به بصخب ويصف ذلك بالنصر»، بينما جانب الطلب في المعادلة «لا يزال مفتوحاً، ولا يزال يتكيف، ولا يزال في حالة انخفاض». الرسالة الإيرانية واضحة: «لا يمكنك إعلان النصر في معادلة موازنة عندما لا يكون أحد الجانبين قد توقف عن التحرك».
شرخ «البرطعة» و«إسبرطة».. نهاية البترودولار
الحرب لم تفضح المستور العسكري فحسب، بل كشفت انهيار «التضامن الخليجي» المزعوم. ففي 28 نيسان/ أبريل، وجهت الإمارات «ضربة قاضية» لـ«أوبك» بإعلان انسحابها، في خطوة تصفها «دايلي تلغراف» و«وول ستريت جورنال» بأنها «زلزال جيوسياسي» و«إعلان استقلال» عن الرياض. السبب: أبوظبي تريد ضخ 5 ملايين برميل يومياً، والرياض تكبلها بـ3.4 مليون، ما أفقدها «مئات المليارات». وفي الوقت ذاته، كشف «أكسيوس» عن إرسال منظومة «القبة الحديدية» مع جنود «إسرائيليين» إلى الإمارات في أول انتشار خارجي، لتكتمل صورة «إسبرطة الصغيرة» التي تستضيف جنود الاحتلال هرباً من صواريخ المحور.
وفي الداخل الأمريكي، توثق «الغارديان» طوابير التخلي عن الجنسية (14 شهراً انتظاراً في لندن!)، ويقود بيرني ساندرز تمرداً غير مسبوق في «بوليتيكو»، إذ أيده 39 ديمقراطياً، لمنع السلاح عن «إسرائيل». أما واشنطن كما يصفها كتاب «واشنطن تحترق» لأندرو كوكبيرن (2026): «فساد مستشرٍ، وبيروقراطية عسكرية متخمة، تخلق حروباً لتبرير ميزانياتها». ويكشف تحليل منشور (1 أيار/ مايو) عن الوجه الآخر للأزمة: «نهاية البترودولار»، إذ إن أي سيناريو، سواء باتفاق أو بحرب أوسع، سيؤدي إلى فقدان الدولار عموده الفقري، بينما يتحول ترامب إلى «بطة عرجاء بل مطلوبة للذبح» في الكونجرس، مع فتح ملفات إبستين كاملة.
«دارك إيغل» و«يوم القيامة».. يأس ما بعد الـ60 يوماً
رغم كل ما تقدم، لم تنتهِ الحرب بعد. فبعد انقضاء مهلة الـ60 يوماً التي يمنحها قانون صلاحيات الحرب، تكشف الأخبار وطلال نحلة أن واشنطن «تدرس خيارات حافة الهاوية»: نشر صواريخ «دارك إيغل» الفرط صوتية (مداها 3500كم) في اعتراف بالعجز أمام الصواريخ الإيرانية المحصنة بالجبال، وحشد قاذفات (B-1B) و(B-52H) إلى بريطانيا لتنفيذ «قصف سجادي» من خارج المدى، وطرح عمليات إنزال بري على هرمز كدليل يأس. وتتحدث «الـقناة 14» الصهيونية عن «حراك استثنائي» في السماء وغرف الاجتماعات، فيما تعلن «القناة 15» عن وصول 6000 طن من الذخائر إلى «إسرائيل». لكن الرد الإيراني جاهز، واللواء موسوي يعدهم بأن «عصر الاعتداءات بلا أثمان قد ولى».
خاتمة: النزهة انتهت والحرب مستمرة حتى النصر
64 يوماً من «العدوان الهمجي» أعادت إنتاج المعادلة الكبرى: أن الصبر الاستراتيجي للمقاومة أقوى من الاستعجال الأحمق للغزاة. واشنطن و»تل أبيب» على حافة الهاوية، منقسمتان في الداخل، مكشوفتان في الخارج. طهران وشركاؤها يمسكون بأوراق الميدان، من هرمز إلى جنوب لبنان ومن شط العرب إلى باب المندب.
وكما قال القادة الصهاينة في جلساتهم المغلقة: «لم نفعل شيئاً». وكما وعد المرشد: «الخليج الفارسي سيكون خالياً من الوجود الأمريكي».
وكما أثبتت معادلة «البطاقات» الإيرانية: «لا يمكنك إعلان النصر في معادلة موازنة عندما لا يكون أحد الجانبين قد توقف عن التحرك». فهل تدرك واشنطن أن «العاصفة» التي هدد بها ترامب ستعصف به أولاً؟!
المصادر:
Fortune) 27 أبريل) - CSIS - فورين بوليسي - فايننشال تايمز (29 إبريل) - يديعوت أحرونوت (28-29 أبريل) - هآرتس (29-30 أبريل) - القناة 12 و14 و15 الصهيونية - NBC News - CBS - ذا أتلانتيك - Military Watch Magazine (30 أبريل) - 1945 (29 أبريل) - SIPRI - «إسرائيل اليوم» (30 أبريل) - الغارديان (28 أبريل) - بوليتيكو (28 أبريل) - وول ستريت جورنال (30 أبريل) - عربي بوست (28 فبراير) - عربي21 (30 أبريل) - الأخبار اللبنانية (1 مايو) - الخنادق (30 أبريل) - الميادين (21، 29، 30 أبريل) - رادار 360 (1 مايو) - المنصة (29 أبريل) - حسابات أبديت_update وDavid Z وأكاديمية السياسة وطلال نحلة وريان روزبياني.
من الذي دفن حلم «الطريقي»؟.. ولماذا تموت «أوبك» لتحيا «إسبرطة»؟!
في البدء، كان النفط. ولم يكن ثروة بقدر ما كان إهانة. في خمسينيات القرن الماضي، كان عامل النفط السعودي يطهو طعامه بالماء المالح، بينما «الشريك» الأمريكي في «أرامكو» يطبخ بالماء المحلّى ويسكن الفيلات التي مُنع السعودي من الاقتراب منها. هذه الإهانة، التي وثّقها توماس ليبمان، فجّرت ثلاث انتفاضات عمالية، أعنفها عام 1953، حين وقف ناصر السعيد أمام الملك سعود بنفسه وهتف مطالباً بطرد القواعد الأمريكية وتأميم النفط. اغتيل السعيد لاحقاً؛ لكن صرخته أيقظت رجلاً آخر: عبد الله الطريقي.
الطريقي، السعودي الذي درس في أمريكا وعاد ليتعرض للإهانة نفسها في الظهران، قرر أن يهدم المعبد فوق رؤوس المستعمرين. نسج تحالفاً مع فنزويلا المنهوبة، ومن رحم الغضب وُلدت في بغداد عام 1960 منظمة «أوبك». كان الحلم عظيماً: اتحاد المنتجين في مواجهة لصوص النفط. لكن الحلم لم يدم؛ فالرياض سرعان ما اختطفت «أوبك» وحوّلتها من أداة تحرر إلى أداة تبعية لواشنطن. الطريقي نفسه نُفي إلى القاهرة، ومات الحلم، وبقيت المنظمة هيكلاً عظمياً يتحرك بأصابع «اليانكي» الأمريكي.
ثم جاء 28 نيسان/ أبريل 2026. بعد ستين عاماً من «الانضباط الجماعي» تحت العباءة السعودية، تستفيق «إسبرطة» الخليج الصغيرة (الإمارات) وتعلن انسحابها من «أوبك». القرار، كما تجمع «وول ستريت جورنال» و«فايننشال تايمز» و«صنداي تايمز» و«ذا كريدل»، ليس نفطياً، بل «زلزال جيوسياسي» و«إعلان استقلال» عن الرياض. الأسباب الظاهرية: الإمارات (120 مليار برميل احتياطياً) تريد ضخ 5 ملايين برميل يومياً، وحصص «أوبك» تكبلها عند 3.4 مليون. ترامب فرح: إغراق السوق بالنفط الإماراتي الرخيص يعني كسر الأسعار وكسر إيران وروسيا معاً.
لكن القصة أعمق. إنها صراع تابعين تحت المظلة الأمريكية. تجلّى ذلك في اليمن (الرياض مع صنف من المرتزقة، وأبوظبي مع صنفٍ آخر منهم، وكاد البلدان يشتبكان عسكرياً في أيلول/ ديسمبر 2025)، وفي السودان (أبوظبي مع حميدتي، والرياض مع البرهان)، وفي الصومال. وكما يقول إميل حكيم في «فايننشال تايمز»: «لقد أدت الحرب الإيرانية إلى تضخيم هذه التوترات». فبينما نسّقت السعودية مع باكستان وتركيا لاحتواء إيران، شعرت الإمارات، التي تلقت وحدها أكثر من 2500 صاروخ ومسيّرة، بأن التضامن الخليجي «ضعيف»، كما صرّح مستشارها أنور قرقاش.
وهنا تظهر الحقيقة الأكبر: الإمارات لم تنسحب من «أوبك» لتنفرد بقرارها النفطي فقط، بل لتنفرد بتحالفاتها. التحالفات التي أصبح الكيان «الإسرائيلي» عمودها الفقري. ففي ذروة الحرب، كانت طائرات نقل عسكرية «إسرائيلية» تروح وتجيء بين قاعدة «نيفاتيم» وأبوظبي، ناقلةً منظومة «القبة الحديدية» وعشرات الجنود «الإسرائيليين» الذين تولوا الدفاع عن «مستوطنةٍ كانت عربية» لأول مرة في التاريخ، كما يزعم «أكسيوس». ويعلق الباحث «الإسرائيلي» يوئيل غوزانسكي بفخر: «هذه أول مرة يدافع فيها نظام إسرائيلي عن دولة عربية خلال حرب».
هذا هو جوهر الانفصال: انفصال عن «أوبك» وعن السعودية وعن «العباءة العربية»، وانخراط كامل في «العباءة الإبراهيمية». وهذا ما يفسر احتفاء «يديعوت أحرونوت» الصهيونية بالقرار، واصفةً إياه بـ«فرصة تاريخية لإسرائيل» لتعزيز شراكتها مع أبوظبي في الطاقة والأمن، وفي «إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي». الإمارات، كما تقول الصحيفة الصهيونية، «أظهرت استعدادها لكسر الأطر القديمة»، وهذا بالضبط ما يجعلها «حليفاً مثالياً» من منظور «تل أبيب».
وهكذا نعود إلى عبد الله الطريقي. في الستينيات، حلمَ بأن يكون نفط العرب أداة سيادة في وجه الإمبريالية. بعد ستين عاماً، يستخدم «الأحفاد» النفط نفسه لتعميق التبعية، ولتمويل حروب التفتيت في اليمن والسودان، ولشراء «الحماية الإسرائيلية» من صواريخ المقاومة. وبينما يعلن المرشد مجتبى خامنئي من طهران أن «الخليج الفارسي سيكون خالياً من الوجود الأمريكي»، يتسابق «الأبناء» في الضفة الأخرى على رضا أسيادهما في واشنطن و«تل أبيب».
مات حلم الطريقي. ماتت «أوبك» كأداة تحرر. وبقي النفط العربي كما كان دائماً حيث لا توجد إرادة: لعنة، وإهانة، وتذكرة دخول إلى «قبة إسرائيل الكرتونية».










المصدر «لا» 21 السياسي