مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الفخاري أو «الخزاف».. حين كان الطين يروي سيرة الإنسان
في الزمن الجميل، لم تكن صناعة الفخار مهنة فحسب، بل ضرباً من السحر الممزوج بالتقوى.
والخزّاف هو صاحب تلك اليد التي تغمس أصابعها في الطين، كأنها تستعير من الخالق العظيم بعض أسراره، لتعيد تشكيل التراب على صورتها.
لم يكن صانع جرارٍ وأباريق وكفى، بل كان نحّات الذاكرة، يسكب فيها رائحة الأرض ودفء البيوت.
وكل قطعةٍ تخرج من بين يديه كانت تحمل ملامح إرادته، كما تحمل القصيدة روح شاعرها.

معبد الأرض والماء
في زقاقٍ هادئ من أحياء البلدة القديمة، تفوح رائحة الطين المشويّ، وتلمع الأواني فوق الرفوف مثل أقمارٍ صغيرة.
هناك يجلس "الخزّاف" على عرشه الطينيّ، أمام دولابه الدائريّ الذي لا يتوقّف عن الدوران.
كل دورةٍ منه هي دورة حياة: من الطين إلى الشكل، من الشكل إلى الجمال، ومن الجمال إلى الخلود.
بين يديه تتكوّن الأعجوبة: كأسٌ، جرّةٌ، قنديل، إبريق... وكلها أبناء الماء والنار.

اليد التي تفكّر
ما كان الخزّاف في حاجة إلى تصميمٍ أو مخطط.
كان يغمض عينيه، ويترك ليديه أن تفكّرا بدلاً عنه.
تدوران مع الدولاب في تناغمٍ يشبه الصلاة، تتلمّسان الانسجام، وتعرفان متى يكون الطين قد بلغ نضجه الروحيّ.
كان يقول: "إذا لم تحبّ الطين لا تعرف نفسك".
فالحرفة كانت حواراً بين الصانع والمادة، بين الإنسان وطينته الأولى.

النار.. المعلّمة القاسية
حين تكتمل الأشكال وتستريح على الرفوف، يبدأ الطقس المقدّس الآخر: الحرق في التنّور.
تلك لحظة امتحانٍ لا ينجو منها إلا الفخار الصادق الصنع.
النار تُكافئ وتُعاقب، تُجمّل وتُشوّه، والخزّاف يعرف أن كل جرّةٍ ناجيةٍ هي معجزة صغيرة.
وفي صمته أمام التنّور المتّقد، يطلّ عليه وجه الأرض، كأنها تراقب أبناءها يولدون من جديد.

الخزّاف في الذاكرة الشعبية
كان محبوباً من أهل الحيّ، ليس لأنه يبيع الأواني، بل لأنه يرمّم بها حياة الناس.
فجرّته تحفظ الماء ببركةٍ، وإبريقه يسكب الشاي بطعمٍ لا يشبه غيره، وحتى حصالة النقود الصغيرة تحمل في نقوشها ذكرى يدٍ صبور وعينٍ خبيرة.
وحين كان أحدهم يكسِر جرّةً صدفةً، كان يتأسف كمن فقد صديقاً قديماً.

الإنسان في صورته الأولى
لقد أخبرنا الله في كتبه أنه خلق الإنسان من طين. ولعلّ الخزّاف أقرب الناس إلى فهم هذا السرّ. فهو يلمس المادة التي منها تكوّن الوجود، ويعيد إليها حياتها بلمساته.
كلما غاصت أصابعه في الطين، أحسّ أنه يعيد ترتيب العالم على مقاس قلبه.
وهكذا صار عمله فلسفةً صغيرة: من التراب يولد الجمال، ومن الانحناء تولد القوّة.

حين تغيّر الزمن.. وصمت الدولاب
في زمننا هذا، سكتت معظم دواليب الفخار. حلّت المصانع محلّ الأصابع، وأصبحت الأواني بلا روح؛ لامعة كالزجاج، لكنها باردة كالغفلة.
لم يعد الناس يبحثون عن وعاءٍ يحفظ الماء ببركته، بل عن كوبٍ سريع الكسر في متجرٍ بلا ذاكرة.
رحل "الفخاري"، وبقيت الجرار القديمة، تتنفس حنيناً فوق رفوف البيوت.

بين الماضي والمستقبل
مع ذلك، لا يزال بعضهم يصرّ على إبقاء النار مشتعلة.
حرفيون شبّانٌ أعادوا اكتشاف سرّ الدولاب، واستعادوا لغة الطين والماء.
يقول أحدهم مبتسماً: "كلما دارت عجلة الفخار، شعرت أن الحياة ما تزال تدور".
وهكذا يُثبت الفخاري، بعد عقود من الصمت، أن الفنّ لا يموت ما دام الإنسان قادراً على الحبّ والدهشة.

خاتمة:
يا لصانع الفخار في الزمن الجميل!
كان يُصغي إلى الأرض بيديه، ويعلّمنا أن الصبر شكلٌ من أشكال الجمال.
علّمنا أن الإنسان، مثل الفخار، لا يكتمل إلا بالنار.
فكلّنا أبناء طينٍ صبورٍ، إن لُمس بالمحبة صار فناً، وإن تُرك للجفاف تكسّر.
وها هو الفخاري، في ذاكرتنا، ما زال يبتسم خلف دولابه الخالد، يدير معه الزمن ببطءٍ جميلٍ، ويعيد تشكيل الحنين، كما يشكّل جرّتَه الأخيرة.

أترك تعليقاً

التعليقات