النصر بين الحقيقة والوهم
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
في الوقت الذي تُجمع فيه وسائل الإعلام الغربي، ومجلات بحثية وشخصيات متخصصة بالشأن الاستراتيجي، على حقيقة هزيمة الولايات المتحدة أمام إيران، يسعى إعلام البترودولار إلى تقديم سردية مختلفة؛ سردية لا تقوم على أسس منطقية، ولا سند واقعي، فقط تعتمد على هرج وعنتريات ترامب التي يقدمها عبر منصته الخاصة؛ سردية تقلب المعادلات، فيصير المعتدي المهزوم منتصراً، وصاحب الحق المعتدى عليه، الذي صمد وانتصر، مهزوماً!
لقد هزلت؛ ترامب هو المرجع الذي تستند إليه وسائل إعلام العار لكي تقرر أن إيران تجرعت الهزيمة! وترامب هو مَن هو بهذا الخصوص! فالشخص الذي لا يستطيع الاعتراف بخسارته في الانتخابات الرئاسية أمام جو بايدن لن يكون قادراً أبداً على الاعتراف بخسارته في حرب على إيران.
بهذا العنوان جاء المقال الذي قدمته مجلة «نيو ريبابليك»، والذي طرح تحليلاً مفصلاً للغاية للمأزق الحالي في واشنطن. لم يعد الأمر مجرد سخرية سياسية، بل هو تحديداً «الوصفة لإنهاء حرب هرمز». لماذا؟
1. الجغرافيا السياسية رهينة لعلم نفس الإنكار:
آلة الحرب الأمريكية عالقة في الخليج الفارسي (أزمة استنزاف الذخيرة)، والاقتصاد العالمي على شفا الركود التضخمي بسبب حصار مضيق هرمز. لكن غرفة العمليات في واشنطن أصبحت رهينة لعقلية مرضية لا لمنطق عسكري. لا يستطيع ترامب سحب سفنه بالاعتراف بالهزيمة؛ لأن صورته السياسية مبنية على وهم المنعة والسطوة.
2. التبادل غير المتكافئ (المظهر مقابل المحتوى):
كما يشير بول كروغمان، فقد أدركت طهران هذا الضعف النفسي. لذلك لا يسعى الاستراتيجيون الإيرانيون إلى إرضاء غرورهم، بل إلى تحقيق نتائج ملموسة. ستكون نهاية الحرب بمثابة صفقة مُذلة للهيمنة الأمريكية. قد تبيع إيران لترامب نصراً إعلامياً زائفاً ببضع كلمات دبلوماسية مبهمة ليتمكن من الظهور بمظهر المنتصر أمام كاميرات «فوكس نيوز»؛ لكن في الواقع، ستعزز برنامجها النووي، وتطرد القيادة المركزية الأمريكية، وتسيطر على مضيق هرمز.

نهاية اللعبة:
عندما تُكرّس السياسة الخارجية لقوة عظمى جهودها لمعالجة عقد رئيسها النفسية بدلاً من مصالحها الوطنية، ينهار هذا النظام من الداخل. ستتخلى أمريكا عن هيمنتها في الشرق الأوسط لمجرد أن يغرد أحدهم قائلاً: «لقد فزت!».
هناك أكثر من حقيقة تثبت انتصار إيران؛ وما انهيار حلف الناتو إلا إحدى تلك الحقائق، نعم؛ فمن بين انتصارات إيران العديدة، يبرز شيء واحد بوضوح: تفكك أعظم تحالف عسكري بنته الولايات المتحدة على الإطلاق.
هذا ليس رجماً بالغيب، بل قائم على دليل؛ إذ يشير تصريح دونالد ترامب بشأن الانسحاب المزمع للقوات الأمريكية من إسبانيا وإيطاليا إلى صراع مفتوح بين أمريكا وحلفائها. فقد رفض كلا البلدين الانخراط في عدوان عسكري ضد إيران، وقاوما ضغوط واشنطن، واعتبرا الطاعة العمياء لأميركا أمراً ضاراً ومهيناً.
بهذا تكون الولايات المتحدة قد خسرت ذراعها التي لطالما اعتمدت عليها للهيمنة والنفوذ. فقد صُمم حلف شمال الأطلسي منذ البداية كأداة للهيمنة، وكان هدفه إبقاء الدول الأوروبية ضمن فلك النفوذ الأمريكي. وقد صمد هذا الهيكل لعقود بفضل الطاعة العمياء للولايات المتحدة؛ ولكن عندما تلاشت تلك الطاعة، بدأ الهيكل بالتصدع من الداخل.
ما يحدث ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل تحدٍّ صريح. تتخذ الدول الأعضاء في حلف الناتو الآن موقفها الخاص وتجرؤ على تحدي المطالب الأمريكية. ردّت واشنطن بالتهديدات؛ لكن هذه التهديدات لم تعد تُؤخذ بعين الاعتبار. لقد تلاشت القوة القسرية الأمريكية.
لم يعد وجود أمريكا مرغوباً فيه، فهيبتها تتلاشى، لم يعد صوتها مسموعاً، ولا قرارها حاسماً. اتسعت الشقوق في أرجاء الحلف. تحطمت الثقة بين الأعضاء. تحولت العلاقات المتينة إلى صراع على المصالح الوطنية. لم يعد حلف الناتو يعمل كقوة واحدة، بل كمجموعة من الدول تعمل بشكل مستقل.
لم تدمر إيران حلف «الناتو» بهجوم عسكري مباشر، بل صمدت في وجه الضغوط، ما أجبر الولايات المتحدة على التخلي عن قوتها القسرية ضد حلفائها. لم تفشل الولايات المتحدة فحسب، بل خسرت خسارة فادحة.
يُعدّ انهيار حلف الناتو أحد أهم انتصارات إيران الاستراتيجية. ويتجلى ذلك في فقدان الولايات المتحدة للطاعة والامتثال، وتراجع هيبتها، وتلاشي تهديداتها. وعندما يزول كل ذلك، لن يبقى سوى تغريدات ترامب التي أصبحت مثار سخرية واستهزاء العالمين.

أترك تعليقاً

التعليقات