صنعاء- عادل عبده / لا ميديا -
بعد ثلاث سنوات من عمر القضية و48 جلسة تقاضٍ، أقفلت محكمة جنوب شرق الأمانة باب المرافعة في واحدة من أبرز قضايا النصب والاحتيال وغسيل الأموال والإدلاء ببيانات غير صحيحة، التي شغلت الرأي العام في اليمن منذ منتصف العام 2023، والمتهم فيها ما تسمى بـ«شركة تهامة فلافور للاستثمار والتطوير العقاري»، وكان ضحيتها أكثر من 13 ألف مواطن.
وأقرت المحكمة حجز القضية للنطق بالحكم في الجلسة القادمة بتأريخ 19 آب/ أغسطس 2026.
وجاء قرار المحكمة، في جلستها الأربعاء الماضي، ليؤكد ما نشرته «لا» في العدد (1807) بتأريخ 15 شباط/ فبراير 2026م- 27 شعبان 1447هـ، نقلاً عن مصدر قضائي خاص، بأن مرحلة المرافعة وتقديم الأدلة في هذه القضية قد انتهت، وما تبقى هو إطلاع المحكمة على ملف القضية كاملاً ودراسته، تمهيداً للنطق بالحكم.. وتوقع المصدر، حينها، أن تقرر المحكمة في أول جلسة لها بعد الإجازة القضائية المقررة خلال شهر رمضان، وإجازة عيد الفطر المبارك، إقفال باب الترافع وحجز القضية للحكم، وهو ما حدث فعلاً في جلسة الأربعاء الماضي.

وقائع الجلسة الـ48
وعقدت محكمة جنوب شرق الأمانة، الأربعاء، برئاسة القاضي جابر مغلس، الجلسة الثامنة والأربعين للنظر في قضية النصب والاحتيال على 13589 مواطناً، وغسيل الأموال، والإدلاء ببيانات غير صحيحة، والمتهم فيها ما تسمى «شركة تهامة فلافور للاستثمار والتطوير العقاري»، ممثلة برئيس مجلس إدارتها فتحية المحويتي و40 شخصاً آخرين.
وخلال الجلسة قدم المحاسب القانوني، المُعين من قبل المحكمة، تعقيباً على الردود والملاحظات المقدمة من المتهمين على التقرير المحاسبي.
من جهته، طلب محامي المتهمة الرئيسية من هيئة المحكمة منحه فرصة للتعقيب على تعقيب المحاسب القانوني، وقال إنه فوجئ بقرار الحارس القضائي بيع «مدارس تهامة فلافور»، متهماً الحارس القضائي بـ«الفشل».
وطالب المحكمة بإحالة القضية إلى المحكمة المختصة بوزارة الصناعة والتجارة، باعتبارها «قضية تجارية»، وأيضاً «بهدف عمل حلول ومعالجات سريعة لإعادة تشغيل المشاريع التابعة لشركة تهامة فلافور»، بما في ذلك مصنع الإسفنج، الذي قال بأنه «كان يُدر أرباحاً سنوية بملياري ريال».
كما طالب بالإفراج عن المتهمين، مُتهماً النيابة العامة بـ«العجز عن تقديم أدلة تُثبت إدانتهم».
وفي الجلسة ذاتها، اعترضت المتهمة الرئيسية، فتحية المحويتي، على إعادة تشغيل مصنع الإسفنج من خلال تأجيره لأحد المستثمرين، مطالبة بأن يتم السماح لها بتشغيل المصنع وإدارته بنفسها.
وتمسكت المتهمة المحويتي وبقية المتهمين بمطالبهم بالإفراج عنهم. وكرر البعض ما سبق أن قالوه في جلسات سابقة، وهو «عدم معرفتهم بأسباب سجنهم».
وكانت المتهمة المحويتي قد أفادت في جلسة سابقة بأن قيمة أملاك «شركة تهامة فلافور» تفوق ثلاثين مليار ريال، من دون قيمة الأرض الكبيرة التي تم شراؤها في مديرية بني مطر بمساحة 24 ألف لبنة، مؤكدة أن ما يخص المساهمين هو أقل بكثير من هذا المبلغ، وأن أملاك الشركة هي أضعاف ما هو للمساهمين.
في غضون ذلك، أفاد فريق الدفاع عن المجني عليهم، ممثلاً بمكتب المحامي زيد الربيعي، والمحامي عبداللطيف المحيا، بأن ما تم إثارته من قبل محامي المتهمة الرئيسية، سبق أن تم الرد عليه في جلسات ماضية، وأن الهدف من تكرار الطرح ذاته هو تشتيت المحكمة وإطالة أمد وإجراءات التقاضي.
وأكدوا الاكتفاء بما قدموه على امتداد الجلسات الماضية، مطالبين بحجز القضية للحكم.
وفي السياق، أكدت النيابة العامة تمسكها بقرار الاتهام وقائمة أدلة الإثبات، وطلبت حجز القضية للحكم.
في ختام الجلسة، أقرت المحكمة إقفال باب المرافعة في هذه القضية وحجزها للنطق بالحكم في جلسة الأربعاء الموافق 19 آب/ أغسطس القادم.
وأوضحت أن هذا القرار يأتي نظراً لانقضاء ثلاث سنوات على القضية، واكتفاء الأطراف بما قدموا من أدلة ومرافعات، مشيرة إلى أن ملف القضية تزيد صفحاته على الخمسين ألف صفحة، وتحتاج المحكمة إلى وقت كافٍ في سبيل الفصل في القضية والنطق بالحكم.
وقوبل هذا القرار بارتياح واسع في أوساط المجني عليهم، على أمل أن ينتصر لهم القضاء ويستعيدوا أموالهم وممتلكاتهم التي شاركوا بها في «تهامة فلافور»، مؤكدين أنهم يعيشون ظروفاً صعبة، وأن وقوعهم في عملية النصب هذه، وإطالة أمد التقاضي، أوصل بعضهم إلى «الشحاتة» ومد اليد للناس من أجل لقمة العيش، فيما يعاني البعض من أمراض مزمنة وعجزوا عن توفير العلاجات، والبعض أُصيب بالجنون، وهناك من فارق الحياة بجلطات بعد أن وجدوا أنفسهم قد فقدوا كل شيء.

قرار الاتهام
وتتهم النيابة العامة ما تسمى «شركة تهامة فلافور للاستثمار والتطوير العقاري»، ممثلة برئيس مجلس إدارتها، فتحية المحويتي، و40 شخصاً آخرين، بأنهم قبل ضبطهم في أيار/ مايو 2023، ارتكبوا جريمة غسيل أموال، إذ جمعوا مبالغ مالية كبيرة من الضحايا تتجاوز 136 ملياراً و966 مليون ريال يمني، و19 مليوناً و23 ألف ريال سعودي، و7 ملايين و938 ألف دولار، وحصلوا -خصوصاً المتهمين من الأول حتى الثاني عشر في قائمة الاتهام- بغير حق على فوائد مادية لأنفسهم ولغيرهم هي مبالغ مالية تزيد على 56 ملياراً و927 مليوناً و963 ألف ريال يمني، وأربعة ملايين و660 ألف ريال سعودي، وثلاثة ملايين و95 ألف دولار أمريكي، من الضحايا المجني عليهم، وفق نظام الاحتيال المالي المعروف عالمياً بـ»مخطط بونزي»، وذلك باتباع طرق احتيالية ونصب واتخاذ مظاهر مادية كاذبة وأسماء تجارية غير صحيحة، وأوهموا ضحاياهم -وعددهم في النظام المحاسبي للشركة يتجاوز 13589 ضحية- بوجود أنشطة استثمارية (عقارية، تجارية، صناعية) مربحة يتم من خلالها تشغيل وإدارة أموال المساهمين واستثمارها للحصول على أرباح سريعة وعوائد مرتفعة، في حين أن ما سمي «الأنشطة الاستثمارية» ما هي إلا مشاريع صغيرة أنشأها وسجلها المتهمون بأسمائهم من أموال الضحايا ولم تُدرّ أي أرباح يمكن تسليمها للمساهمين، وعززوا تلك المزاعم والأكاذيب بتوزيع مبالغ مالية من أموال الضحايا الجدد للضحايا القدامى باسم أرباح شهرية وفصلية، وهو ما جعل المجني عليهم يعتقدون بصحتها فوقعوا ضحية التدليس والخداع، ناهيك عن إبرام ما سمي «عقود المضاربة» المتضمنة وعوداً بأرباح وهمية محددة سلفاً تصل أحياناً إلى نسبة 5٪ من رأس المال والاستعانة بعدد من الأشخاص «الوسطاء» المرتبطين بهذه الأعمال لتأييد مزاعمهم وجذب أكبر عدد ممكن من الضحايا.
وأشار قرار الاتهام إلى أن المتهمين في تلك العمليات تخفوا وراء كيانين وهميين، هما «مؤسسة تهامة فلافور للاستيراد والاستثمار العقاري والتجاري» و«شركة تهامة فلافور للتجارة والاستيراد والخدمات العامة»، وكيان قانوني هو «شركة تهامة فلافور للاستثمار والتطوير العقاري»، وهذا الكيان لا تخولهم طبيعته القانونية تلقّي الأموال أو طرح الأسهم.
كما قام المتهمون، وفقاً للنيابة، بإنشاء مقرات وفروع بأسماء هذه الكيانات، في أمانة العاصمة ومحافظات ذمار وإب والمحويت، وروجوا لذلك عبر وسائل الإعلام المختلفة ومنصات التواصل الاجتماعي، واستضافوا مسؤولين حكوميين، وبهذا استطاعوا جمع المبالغ المالية المذكورة، ما مكنهم من اكتساب أصول مالية ومزاولة أنشطة تجارية وعقارية في الداخل والخارج وحيازة مقتنيات ثمينة لا تتناسب مع وضعهم ودخلهم المادي.
وقام المتهمون، وفقاً لقرار الاتهام، بغسل الأموال المحصلة من جريمة النّصب، باكتساب أصول مالية عقارية، ومنقولات بأسمائهم. كما أدلت المتهمة الأولى وخمسة من المتهمين في القضية، أمام وزارة التجارة والصناعة، بإقرارات كاذبة وبيانات غير صحيحة في عقد التأسيس والنظام الأساسي لما سمي «شركة تهامة فلافور للاستثمار والتطوير العقاري والتجاري»، تفيد بإيداعهم مبلغ مائة مليون ريال لدى أحد البنوك وتوزيع الأسهم النقدية فيما بينهم عند التوقيع خلافاً للحقيقة، وذلك لاكتساب صفة الشركاء المؤسسين، وحصلوا بموجب ذلك على الترخيص الوزاري بتاريخ 13 شباط/ فبراير 2019، بتأسيس الشركة المذكورة.
وتُعد قضية شركة «تهامة فلافور» واحدة من أكبر قضايا النصب والاحتيال، إلى جانب مجموعتي «قصر السلطانة» و«إعمار تهامة»، التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة، ووقع ضحية الثلاث نحو 130 ألف مواطن بأكثر من 211 ملياراً و726 مليون ريال.