حاوره:طارق الأسلمي / لا ميديا -
تعد كرة الطاولة اليمنية واحدة من الألعاب التي صمدت في وجه التحديات، بفضل أسماء نذرت حياتها لخدمة اللعبة بروح الهواة وعقلية المحترفين. من هذه الأسماء، يبرز اسم الكابتن ياسر صالح، الذي لم يكتفِ بكونه لاعباً صال وجال في الملاعب المحلية والخارجية، بل انتقل إلى ضفة التدريب حاملاً معه إرثاً من الخبرة ورؤية فنية ثاقبة تسعى لانتشال الموهبة اليمنية من عثرات الظروف.
في هذا الحوار، نفتح مع الكوتش ياسر ملفات مسيرته الطويلة، بدءاً من انطلاقته في أروقة أهلي صنعاء مروراً بتمثيل المنتخبات الوطنية، وصولاً إلى تجربته الاحترافية التدريبية الحالية في سلطنة عُمان. يتحدث بشفافية عن الفوارق بين الواقع والطموح، ويشخص بدقة احتياجات اللعبة في اليمن لتواكب الركب العربي والآسيوي، مسلطاً الضوء على المعدن الأصيل للاعب اليمني الذي ينجح دائماً في تطويع المستحيل.

 كيف يقدم ياسر صالح نفسه للجمهور؟
-  بكل بساطة: أنا ياسر صالح، ابن كرة الطاولة، بدأت لاعباً يعشق اللعبة منذ طفولته، وتحولت لاحقاً إلى مدرب يعمل على صناعة جيل أقوى وأفضل. أمثل اليمن بشغف وأسعى دائماً لرفع اسم بلدي وتقديم خبرتي لكل لاعب يطمح للتطور.

 كيف تصف رحلتك مع كرة الطاولة لاعباً ومدرباً؟
- رحلتي مع كرة الطاولة كانت مليئة بالشغف والعمل. بدأت لاعباً أحلم بالتميز، ومع التدريب والاحتكاك أصبحت ضمن اللاعبين المميزين محلياً وخارجياً. ومع الوقت شعرت بأن دوري أكبر من مجرد لاعب، فانتقلت للتدريب حاملاً رصيداً من التجربة والرغبة في تطوير الجيل الجديد. هي رحلة عمر، وما زلت أؤمن أن القادم أجمل.

 حدثنا عن التجربة العمانية، وكيف وجدت بيئة العمل في صلالة؟ وما الفرق بين اللعبة في اليمن وعُمان؟
- تجربتي في عُمان، وتحديداً في نادي صلالة، جديدة؛ لكنها مبشرة جداً. وجدت بيئة محترفة، إدارة متعاونة، ولاعبين لديهم رغبة في التطور. أما الفرق بين اليمن وعُمان فهو في الظروف المحيطة باللعبة. في اليمن نملك مواهب كبيرة؛ لكن الحرب وعدم الاستقرار أثرا على المنشآت والدعم. في عُمان توجد إمكانيات وتنظيم يساعدان اللاعب على التطور بشكل واضح. وبالنسبة لي أعتبر تجربة صلالة بداية مهمة في مسيرتي التدريبية خارج اليمن.

 ما المحطات الأكثر تأثيراً في تكوين شخصيتك الرياضية؟
- أبرز المحطات كانت بدايتي البسيطة التي علمتني قيمة الشغف، ثم مشاركاتي المحلية التي كونت شخصيتي التنافسية. أما المشاركات الخارجية فكانت نقطة تحول كبيرة؛ هناك أدركت معنى الاحتراف الحقيقي وفارق الإمكانيات، وهذا دفعني للعمل بجد أكبر.

 ما الذكريات التي لا تُنسى مع المنتخبات الوطنية؟
- أجمل الذكريات كانت لحظة ارتداء قميص المنتخب لأول مرة. كذلك المباريات القوية أمام منتخبات تملك إمكانيات كبيرة، ومع ذلك كنا نقدم مستوى مشرفاً. الروح الجماعية، السفر، الضغوط، والضحك مع الزملاء... كلها ذكريات متجذرة في قلبي. وأغلى لحظة كانت رؤية العلم اليمني يرتفع بعد أداء قوي.

 حدثنا عن مسيرتك مع أهلي صنعاء؛ كيف كانت تلك المرحلة؟ وما الذي ميزها عن غيرها؟
- مرحلة أهلي صنعاء كانت من أمتع فترات مسيرتي. حققت بطولات مهمة، وقدمت أفضل مستوياتي بفضل بيئة النادي والالتزام داخل الفريق. تلك المرحلة منحتني نضجاً كبيراً وذكريات لا تُنسى.

 كيف انتقلت من مرحلة اللاعب إلى المدرب؟
- الانتقال جاء تدريجياً مع تراكم الخبرة. نقطة التحول كانت مع المدرب الكوري مستر بارك، الذي اكتشف قدرتي على قراءة التفاصيل الفنية. عملت معه كمساعد مدرب للمنتخب الوطني، وهناك تعلمت أساسيات التدريب وتحليل المباريات. لاحقاً توليت تدريب منتخب الناشئين وطبقت ما تعلمته. ومن هنا بدأت مسيرتي الجديدة كمدرب يصنع الفوز للآخرين.

 ما أهم المؤهلات التدريبية والدورات التي حصلت عليها؟
- حصلت على عدد من المؤهلات والدورات من جهات عربية وآسيوية ودولية، شملت الجوانب الفنية، التحليل، وإعداد البرامج التدريبية. كما شاركت في برامج تطويرية داخل اليمن ومعسكرات خارجية، ما أكسبني خبرة متنوعة وأسهم في بناء منهجيتي الخاصة كمدرب.

 كيف ترى واقع كرة الطاولة في اليمن اليوم؟ وما أبرز التحديات التي تواجهها من وجهة نظرك؟
- كرة الطاولة في اليمن اليوم هي مزيج من الموهبة الكبيرة والتحديات الأكبر. نحن نملك لاعبين يمتلكون قدرات فطرية عالية وروحاً منافسة نادرة، وهذا ما يجعل اللعبة حية رغم كل الظروف. لكن التحديات التي تواجهها اللعبة واضحة وقاسية، أهمها غياب المنشآت الرياضية المناسبة، بسبب الظروف والحرب، وهو ما أثر بشكل مباشر على التدريب والتجمعات والبطولات. ضعف الدعم والإمكانيات مقارنة بالدول الأخرى يجعل استمرار اللاعب في التطور مهمة صعبة. قلة البطولات والمنافسات المنتظمة ينعكس على مستوى الاحتكاك والخبرة. صعوبة استمرارية البرامج طويلة المدى في ظل عدم الاستقرار. ومع كل هذا تبقى الموهبة اليمنية هي نقطة القوة الحقيقية، وأنا مؤمن أن لاعبي اليمن قادرون أن يبرزوا عربياً وآسيوياً إذا توفرت لهم أقل الإمكانيات.

 برأيك، هل يقوم اتحاد اللعبة بدوره كما يجب في تطوير اللعبة ونشرها؟ أم أن هناك فجوة بين الطموح والواقع؟
- الطموح في اليمن دائماً أعلى من الإمكانيات المتوفرة. نحن نطمح لبناء منتخبات قوية واكتشاف مواهب جديدة وتنظيم مسابقات مستمرة؛ لكن الواقع يعاني من ضعف الميزانيات والدعم المالي ويكاد يكون منعدماً. غياب المنشآت والمراكز التدريبية المناسبة، التي دمرتها الحرب على بلادنا, وصعوبة تنفيذ خطط طويلة الأمد بسبب الوضع العام... ومع ذلك، أقدر كل جهد يبذله الاتحاد؛ لأن العمل في هذه الظروف ليس سهلاً. وفي النهاية، تطوير اللعبة يحتاج تعاون الجميع: الاتحاد، الأندية، المدربين، واللاعبين. إذا تكاملت هذه الجهود يمكن أن نحقق قفزة كبيرة رغم التحديات.

 ما الذي تحتاجه اللعبة في اليمن لتواكب التطور العربي والآسيوي؟
- لكي نصل إلى مستوى المنافسة عربياً وآسيوياً، نحتاج قبل كل شيء إلى مشروع وطني طويل المدى، وليس نشاطاً متقطعاً. اللعبة تحتاج إلى مراكز تدريب حقيقية مجهزة بالمعدات والمدربين المختصين، خطط سنوية ثابتة للبطولات والمعسكرات الداخلية والخارجية، دعم مالي مستقر يسمح بإعداد المنتخبات بطريقة محترفة، اهتمام بالفئات العمرية الصغيرة؛ لأن المستقبل يبدأ من تحت 12 سنة؛ تأهيل مدربين وحكام عبر دورات عربية وآسيوية مستمرة، شراكات مع الأندية والمدارس لاكتشاف المواهب مبكراً... إذا توفر هذا الهيكل ستقف اللعبة على أرض قوية تستطيع أن تنافس بها في أي بطولة عربية أو آسيوية.

 كيف تقيم مستوى المواهب اليمنية حالياً؟ وهل ترى فيهم جيلاً قادراً على تحقيق إنجازات قارية؟
- المواهب اليمنية موجودة وبقوة، وهذا الشيء الذي يجعلني متفائلاً دائماً. هناك لاعبون صغار يمتلكون مهارات فطرية وروحاً قتالية عالية، ولو حصلوا على الإعداد الصحيح سيبلغون مستويات ممتازة. لكن المشكلة ليست في اللاعب؛ المشكلة في البيئة التي تحيط به. ومع ذلك، نعم، أرى أن لدينا جيلاً قادراً على تحقيق نتائج عربية وآسيوية، بشرط توفير برنامج إعداد علمي وواضح، استمرارية في التدريب والمشاركات، مدربين متخصصين للفئات السنية، فرص احتكاك قوية على الأقل مرتين سنوياً. اللاعب اليمني موهوب بطبيعته، وينقصه فقط الفرصة ليظهر نفسه، وإذا وُضعت له البيئة المناسبة، فسنرى أسماء يمنية تُنافس بقوة على المستوى القاري.

 ما الذي يُميز اللاعب اليمني عن غيره؟
- ما يميز اللاعب اليمني هو السرعة، وردة الفعل، والشغف الكبير. هذا يمنحهم قاعدة ممتازة للارتقاء إلى مستويات أعلى؛ فالموهبة وحدها لا تكف نحتاج إلى برامج إعداد منتظمة واحتكاك خارجي حتى تتحول هذه المواهب إلى إنجازات.

 كيف يمكن اكتشاف المواهب الجديدة في ظل غياب البطولات والبرامج المنتظمة داخل اليمن؟
- رغم غياب النظام المنتظم، إلا أنه لا يزال بالإمكان اكتشاف المواهب من خلال: التواجد المباشر في المدارس؛ لأنها هي المنجم الحقيقي للمواهب، خصوصاً الفئات تحت 10 و12 سنة؛ تنشيط المراكز داخل الأندية حتى لو كانت بسيطة، فهي قادرة على خلق قاعدة واسعة؛ إقامة مهرجانات رياضية قصيرة، ليست بطولات رسمية، لكنها تجمع اللاعبين وتكشف مستوياتهم؛ التواصل المجتمعي، فكثير من المواهب تظهر في الأحياء والحواري ويحتاجون فقط لمن يشاهدهم ويدعوهم لمراكز التدريب؛ برامج تدريب مفتوحة أسبوعية تجمع لاعبين من مختلف الأعمار ومنها يبرز اللاعب المختلف... باختصار: اكتشاف المواهب لا يحتاج بالضرورة منشآت كبيرة، بل يحتاج عين مدرب خبير يعرف كيف يميز اللاعب الموهوب وسط الظروف الصعبة.

 ما المهارات التي تراها جوهرية ليصبح اللاعب محترفاً فعلاً في كرة الطاولة؟
- ليصل اللاعب إلى الاحتراف الحقيقي، يحتاج إلى مجموعة مهارات أساسية، أهمها: الأساسيات الفنية السليمة، الضربات الأساسية، الحركة على الطاولة، التحكم بالكرة، السرعة وردة الفعل؛ لأن اللعبة تعتمد على أجزاء من الثانية لاتخاذ القرار؛ القدرة على قراءة خصمه وتغيير الخطة أثناء اللعب، اللياقة البدنية العالية خاصة السرعة، المرونة، والتحمل؛ الاستمرارية والانضباط لأن لاعب الموهبة دون انضباط لا يصل بعيداً، الثبات تحت الضغط، والثقة بالنفس، والقدرة على العودة بعد فقدان النقاط... هذه العناصر مجتمعة هي ما يصنع اللاعب المحترف، وهي الأساس الذي نركز عليه دائماً في برامج التدريب.

 ما تقييمك لمشاركات اليمن الأخيرة في البطولات الخارجية؟ وما الأسباب الحقيقية وراء النتائج التي تحققت؟
- مشاركات اليمن الأخيرة كانت مميزة ومشرفة مقارنة بالظروف والإمكانات المتاحة. بالعكس من الصورة التي يعتقد البعض أنها "إخفاق"، قدمنا نتائج قوية تؤكد أن اليمن ما يزال قادراً على الظهور بصورة ممتازة عربياً وإقليمياً. أبرز هذه النتائج وصول المنتخب الأول إلى المركز الثالث في دورة ألعاب التضامن الإسلامي في قونيا، وهي بطولة كبيرة تضم نخبة من أقوى المنتخبات. هذا الإنجاز لم يأتِ صدفة، بل كان نتيجة جهد جماعي وإصرار اللاعبين رغم الصعوبات. كذلك اللاعب إبراهيم جبران حقق هذا العام فضية عربية مستحقة، وأثبت أن اللاعب اليمني قادر على المنافسة الحقيقية عندما تتوفر له أبسط مقومات الإعداد. أما مشاركة الشباب في دورة الألعاب الآسيوية في البحرين، فكانت مشاركة مخططاً لها بغرض الاحتكاك وليس المنافسة؛ لأن أغلب اللاعبين واللاعبات كانت تلك أول بطولة دولية لهم. وهذا النوع من المشاركات مهم جداً لبناء جيل جديد وخلق خبرة ميدانية مبكرة. بشكل عام أرى أن مشاركات اليمن الأخيرة كانت ناجحة بمعايير الواقع، وقدمت رسائل مهمة مفادها أن لدينا خامات قوية وقادرة، وأن الاستثمار فيها سيقود إلى نتائج أفضل في المستقبل. ما نحتاجه هو الاستمرارية وزيادة المعسكرات وتوفير برامج إعداد واضحة، والباقي سيأتي مع الوقت والاجتهاد.

 أخيراً، ما هي طموحاتك الشخصية كمدرب؟ وما الذي تتمناه لمستقبل كرة الطاولة في اليمن؟
- طموحي كمدرب هو بناء جيل يمني قادر على المنافسة عربياً وآسيوياً، ووضع بصمة واضحة أينما أعمل، من خلال تطوير اللاعبين وصناعة منظومة تدريبية احترافية تستمر حتى بعدي. أما أمنياتي لليمن، فأتمنى قبل كل شيء الاستقرار؛ لأنه المفتاح لعودة البطولات واكتشاف المواهب وتطويرها. أتمنى رؤية مراكز تدريب حديثة، وبرامج منتظمة للبراعم والمنتخبات، وفرصاً حقيقية للاعبين ليظهروا قدراتهم. باختصار: أريد أن أرى كرة الطاولة اليمنية في المكان الذي تستحقه، وأن أكون جزءاً من هذا الإنجاز.