«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 118
- مروان ناصح الأربعاء , 6 مـايـو , 2026 الساعة 12:39:13 AM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
بائع القماش في سوق الأقمشة.. فنان الألوان وموسيقي المهارة
في قلب السوق، حيث تختلط أصوات الباعة برنين النقود، وتتصاعد رائحة العطر الممزوج بالعرق والدهاء، يقف بائع القماش كقنديلٍ في زحام الألوان.
يعرف كل الزبائن كما يعرف خيوط ثوبه، ويقرأ كل رغبةٍ تختبئ خلف نظرة امرأة.
دكانه ليس متجرا ككل المتاجر، بل مسرح صغير تُعرض عليه مهارة البيع، كفنٍّ راقص بين العيون والكلمات.
ترتيب الألوان
عندما تفتح الشمس جفونها على المدينة، يكون هو هناك، يُوقظ الأقمشة من نومها.
يرتبها كما يرتب رسامٌ لوحته الأولى: الأحمر يجاور الذهبي كأنه لهبٌ وعسل، الأزرق يلامس الأخضر كبحرٍ يعانق بستانًا، والحرير يهمس في ضوء الصباح كقصيدةٍ ناعمة.
إنه لا يبيع قماشًا، بل يعرض حياةً محبوكة بخيوط الضوء والخيال.
البداية الحذرة
تدخل النساء بخطواتٍ مفعمة بالفضول، فيسبقهن بابتسامةٍ تشبه الوعد: "صباح الورد.. اليوم جلبت ألوانا من كل الدنيا ستعجبك أكيد".
صوته موسيقى ناعمة تتسلل إلى القلب قبل أن تصل إلى الأذن، وكلماته أريجٌ من الثقة واللطف، تذيب الحذر من قلوب الزبائن كما تذوب قطعة سكر في الشاي الساخن.
عرض المهارة
يمسك القماش كما يمسك فنان ريشة جديدة وُلدت للتوّ.
يطويه، ينشره، يلمسه بخفةٍ تُشبه لمسة النسيم على وجه البحر.
يُظهر لمعانه، ثم يتركه يتنفس أمام الضوء، كأن الألوان تُغني بألحان ساحرة.
الأحمر عشق، الأزرق حنين، الأخضر وعد، والذهبي مجدٌ قديم.
ثم يهمس بالسعر في اللحظة المناسبة، كمن يُلقي بيتًا من الغزل، فيقنع الزبونة أن الصفقة ليست بيعًا، بل مشاركة في لحظة إبداع.
فلاش باك
تلمع في عينيه ومضة من الماضي: يتذكر والده في السوق القديم، وهو يعلمه كيف يربح القلوب قبل النقود، وكيف تُقاس المهارة لا بالثمن، بل بفرحة الزبونة حين تلمس القماش وتقول: "يا سلام!".
لقد ورث منه فلسفة البيع: أن تكون فنانًا قبل أن تكون تاجرًا.
الصفقات الصغيرة والكبيرة
لا يفرّق بين درهمٍ ودينار، فكل صفقةٍ لديه أغنيةٌ قصيرة تُغنّى على نغمة الرضا.
يزرع في كل غرور زبونة شعورًا بأنها أميرة السوق، وأن الأقمشة لم تُفصَّل إلا على مقاس خيالها.
إنه لا يبيع الأقمشة فحسب، بل يبيع لحظة دهشة، ووميض حلمٍ يمكن ارتداؤه بسعادة.
نهاية النهار
حين تميل الشمس نحو الغروب، ويهدأ صخب السوق، يجمع بضاعته كما يجمع الرسام ألوانه بعد لوحةٍ ناجحة.
يودّع زبائنه بابتسامةٍ مطرّزةٍ بالأمل: "غدًا أحلى.. بضاعة جديدة وألوان أجمل!".
يعرف أن الغد سيحمل معه خيوطًا جديدة من الضوء، وأن السوق لا ينام، بل يحلم تحت ستائر المساء.
خاتمة
بائع القماش الثابت كان -وما يزال- فنان الألوان وراوي القصص الصغيرة.
يحوك من خيوط الحياة معزوفةً تسمعها العيون قبل الآذان.
ذكاؤه وحنكته وحبّه لفنه تجعل من كل عملية بيع لحظة إبداعٍ حيّة، ومن السوق مسرحًا نابضًا بروح الإنسان، تتلاقى فيه أصالة الماضي وحداثة الحاضر على لسان معسول بالطرافة والتحبب اللطيف، بما يرضي النفوس، ويفتح أبواب الرزق على مصاريعها لمن يهفو إلى الجمال.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح