ملحق «لا» 21 السياسي - العدد (1882)
- تم النشر بواسطة «لا» 21 السياسي
بصقة في وجهِ زمنِ التفاهة
علي عطروس
في هذا العدد (209) نحاولُ أن ننزع عن «المطرح» قناع النخوة، وأن نكشف «ميرا» عارية إلا من «مغموق» «سمية». صنعاء اليوم ليستْ في معرض الدفاعِ، بل في موقعِ القرارِ الحاسم، الذي لا يعرفُ مواربة. فليقرأ الجميع في هذه الصفحات كيف تُنسجُ الحقيقة بالدم والموقف، وليدرك البعض أنَّ مسرحياتِهم الهزيلةَ لا تغطي على عوراتِهم بل تفضحُها أكثر. هذا بيانٌ نرميه في وجهِ عصرِ الانحطاط، وهذا صوتٌ لا يرتجف حتى يخرسَ الباطلُ أو يندحر.
استنساخ التاريخِ من ثقبِ الخديعة.. ميرا... مار
في الوقت الذي يعيد فيه اليمنيُّ صياغةَ خرائطِ النفوذِ في الإقليم، ويفرضُ سيادتَه بمدياتِ صواريخِه وصرامةِ بحريتِه، اختارتْ الرياضُ أن تعودَ إلى مقاعدِ المتفرجين أمام «مسرحية العرائس». لم يعدْ النظامُ السعوديُّ يملكُ في جعبتِه ما يواجهُ بهِ الصعودَ اليمنيَّ سوى «أرشيفٍ متهالك» من الفتنِ، و«أدواتٍ» هي أشبهُ ببضاعةٍ كاسدة في سوقِ النخاسةِ السياسية.
إنّ قصّةَ المدعوةِ «ميرا» (أو «سُميّة الزبيري» في نسختها الأصلية) ليست مجردَ نكتةٍ سمجةٍ تلوكُها الألسنُ، بل هي التعبيرُ الأدقُّ عن الانهيارِ الأخلاقي والمهني لـ»اللجنةِ الخاصة». أنْ يُنفقَ نظامٌ ميزانياتِ دولٍ، ويحشدَ أجهزةً سريةً، لينتهيَ بهِ المطافُ محامياً عن «ابنةٍ سرّيةٍ» لصدام حسين، ثم يكتشفَ العالمُ -بمن فيه عائلةُ الشهيدِ صدام حسين- أنها مجردُ «نصّابةٍ» بائسة، فهذا يعني أنَّ «دولةَ العباءةِ» قد خَلعتْ رداءَ الهيبةِ، ولم يبقَ لها من العروبة إلا دُخانُ الفتنِ وفضائحُ التزوير.
لقد حاولوا استنساخَ أيقونةٍ تاريخيةٍ من مختبراتِ الوهم، مستندين إلى «نتائجِ حمضٍ نوويّ» أضحكت الثكالى، حينَ أثبتت أنَّ «الابنةَ السرّيةَ» تحملُ جيناتِ ذكرٍ! إنها مسخرةٌ تُثبتُ أنَّ من يُديرونَ ملفاتِ اليمنِ اليومَ ليسوا سوى هواةِ نصبٍ لا يجيدون حتى حبكةَ القصصِ الكاذبة.
أما «المطرحُ» الذي نُصبَ ليدّعي «النخوةَ والقبيلة»، فقد سقطت ورقةُ التوتِ عنه قبل أن تتوقف «معابر» الرماية السحابية عن التراقص فوق رملة السبعتين بوهم حملة السبعين. لم يكدْ يمضي يومٌ واحدٌ على «النفيرِ القبليِّ» المزعوم، حتى تحوّلَ المكانُ إلى منصةِ وعظٍ وهابيّ تفيضُ بلغةِ التكفيرِ وخطاباتِ «الروافضِ والمجوس»، بعيداً عن أعرافِ القبيلةِ اليمنيةِ وقيمِها.
لقد استنفروا المشايخَ، وقطعوا الطرقاتِ، وأعلنوا «النفيرَ» من أجلِ امرأةٍ قضتِ المحاكمُ بنصبِها، بينما صمتوا دهراً عن حصارِ شعبِهم، وقتل نسائهم بصواريخ «توماهوك»، وذبح بناتهم بشظايا العبوات الناسفة. أيُّ هوانٍ هذا الذي يقبلُ فيه شيخُ «المطرح» أن يكونَ بوقاً لمن كان بالأمسِ يصفُ قبيلتَه بالجهلِ والتخلف؟! لقد باعوا «القبيلةَ» في سوقِ «الشرعيةِ» المفقودة، والنتيجةُ: لا «ميرا» مرت، ولا «الفلة» «سبرت»، بل ضاعت هيبةُ القبيلي وسطَ ضجيجِ فيديوهاتِ الـ»تيك توك» وتغريداتِ المرتزقة.
وجاءنا/هم البيان التالي، ليس من «الحوثي» ولا من صنعاء، بل من بيتِ الشهيدِ صدام حسين نفسِه. بيانُ السيدة «رغد» لم يكن مجردَ نفيٍ، بل كان صفعةً مدويةً في وجهِ كلِّ من سوّلت له نفسُه استغلالَ الإرثِ العروبيِّ في تجارةِ المرتزقة.
فهل تكفي هذه البصقةُ التاريخية ليعودَ المغررُ بهم إلى رشدهم؟! أم أنَّ «اللجنةَ الخاصة» ستستمرُّ في تزويدِهم بـ»ميرا» بعد أخرى، طالما أنَّ «المطرحَ» يفتحُ أبوابَه لكلِّ من يمتلكُ الكذبَ والمالَ المدنّس؟!
إنَّ الرهانَ على انقسامِ القبيلةِ اليومَ هو رهانُ العطشانِ على سرابٍ بقيعة. فالقبيلةُ التي تدركُ اليومَ أنَّ «بني سعود» هم مَن منعوها من خيراتِ بلادِها لعقود، لن تلدغَ من الجحرِ ذاتِه قرنين.
يا خُبرة، هذا جاه الله عليكم، نحنُ لا ننتظرُ «صداماً» آخرَ في «ميرا»، فنحنُ الذين أعدنا الاعتبارَ لكرامةِ الأمةِ في بحرِ العربِ وبابِ المندب.
فليستمروا في مسرحيتِهم، وليستمرَّ شعبُنا في صناعةِ تاريخِه. والبادئُ بالاستخفافِ بعقولِنا هو الخاسرُ حينَ نعتمدُ لغةَ الحسم التي لا تعرفُ مواربةً ولا سخرية، ولتخسأ أبواق الدم، ولتخرس منشورات الدفع المسبق وتغريدات الفوترة.
1000 يومٍ لـ«حنبة» الأسطورة على أعتابِ غزة
ألف يومٍ من القتل، ومن الوعودِ الفارغةِ بـ«النصر المطلق». ألف يومٍ قضتها «إسرائيل» تحاولُ جاهدةً إثباتَ أنها لا تزالُ كياناً يمكنُه العيشُ في هذا الإقليم، لتكتشفَ -على لسانِ محلليها وصحفييها- أنها ليست أكثرَ من «حالةِ انهيارٍ استراتيجي» تعيشُ على رصيدِ الكذبِ المحض.
يقولُ الصحفي الصهيوني بن كسبيت في «معاريف»: «لو كان نتنياهو في اليابان لانتحر، وفي ألمانيا لاستقال، وفي بريطانيا لذهبَ إلى القصر. لكننا في إسرائيل، حيثُ لا يكتفي الدجالُ الأكبر بالبقاء، بل يبيعُ شعبَه وهماً يُدعى النصر المطلق».
لقد فهم نتنياهو اللعبةَ مبكراً: الحربُ ليست وسيلةً لتحقيقِ الأمن، بل هي طوقُ النجاةِ السياسي ليبقى في منصبِه. لقد حوّلَ «طوفانَ الأقصى» من كارثةٍ وجوديةٍ (استراتيجياً) إلى مشروعِ بقاء (شخصياً)، مستخدماً كلَّ أدواتِ الكراهيةِ والشعبويةِ لتفادي لجنةِ التحقيقِ والانتخابات. ونتيجةً لذلك لم تنجحْ «إسرائيل» في اقتلاعِ حماس، ولا في نزعِ سلاحِ حزبِ الله، بل وضعت نفسَها في موقعِ ضعفٍ لم تعرفْه من قبل، بينما يغرقُ الكيانُ في وحلِ التراجعِ الاستراتيجي.
قبلَ ثلاثِ سنوات، حاولَ يعقوب عميدرور صياغةَ «عقيدةٍ أمنية» جديدة، تحوّلُ الحربَ من أداةٍ للسياسة إلى غايةٍ في حد ذاتِها. وبعد ألفِ يوم، سقطت هذه العقيدةُ في الاختبارِ الميداني.
«إسرائيلُ» التي وعدت بـ«الاجتثاث» و«المناطقِ العازلة»، اصطدمت بحقائق قاسية:
عجزٌ عن الاستمرار: لا قدرةَ للكيانِ على حربٍ مفتوحةٍ دون انهيارٍ اجتماعيٍّ واقتصادي.
ارتهانٌ للولاياتِ المتحدة: خرافةُ «الاعتمادِ على الذات» انتهت، وأصبحَ أمنُ الكيانِ ورقةً بيدِ الإدارةِ الأمريكية.
تآكلُ الردع: إيرانُ التي كانت تتبعُ سياسة الصبر الاستراتيجي، باتت اليومَ تفرضُ قواعدَ اشتباكٍ مباشرة، وتُدخلُ أمنَ الطاقةِ العالمي في المعادلة، ما جعلَ «إسرائيل» أمامَ معادلةٍ وجوديةٍ لم تكنْ في الحسبان.
الميزانُ الرقميُّ للإبادة: ما لا تظهرهُ شاشاتُهم
خلفَ ضجيجِ «النصر المطلق»، يختبئُ واقعٌ يوثقُه الدمُ والدمار. إن الأرقامَ التي تجاوزت حدودَ الوصف، ليست مجردَ إحصائيات، بل هي وثيقةُ إدانةٍ أبديةٍ للكيانِ وللمجتمعِ الدوليِ الصامت:
الإنسان: أكثر من 73,000 شهيد، بينهم 21,500 طفل و12,500 امرأة، و2,700 عائلة أُبيدت بالكامل ومُسحت من السجل المدني.
الدمار: 90٪ من قطاع غزة تحول إلى ركام، مع تدميرِ 335,000 وحدة سكنية تدميراً كلياً.
الصحة والتعليم: خروجُ 38 مستشفى عن الخدمة، وحرمانُ أكثر من 700,000 طالب من حقهم في التعليم، واغتيالُ مئاتِ الكوادرِ الطبيةِ والتعليميةِ والصحفية.
التجويع: أكثر من 390,000 شاحنة مساعدات مُنعت من الدخول، ما جعلَ مئاتِ الآلافِ تحتَ خطرِ الموتِ جوعاً.
الخسائر المادية: أكثر من 80 مليار دولار خسائرَ أوليةً مباشرةً في قطاعاتٍ شملت كلَّ مناحي الحياة.
بعد ألف يوم، المنطقةُ ليست كما كانت. لقد أثبت «طوفان الأقصى» أنه «لحظةٌ تأسيسية» أعادت ترتيبَ الأوراقِ الإقليمية. محورُ المقاومة، رغمَ الجراحِ والتضحيات، بات أكثرَ حضوراً وتماسكاً في معادلاتِ الردع.
إنَّ «إسرائيل» اليومَ أكثرُ توحشاً؛ لكنها أيضاً أكثرُ عجزاً عن فرضِ نهاياتٍ حاسمة. هي أسيرةُ عقيدةٍ أمنيةٍ مكسورة، يقودُها رئيسُ وزراءٍ مهزوم، في منطقةٍ تنتظرُ نظاماً أمنياً جديداً، لن تكونَ فيه «إسرائيل» هي صاحبةُ الكلمةِ الفصل. لقد دفعَ الشعبُ الفلسطينيُّ ثمناً باهظاً؛ لكنه -بصمودِه- كسرَ طوقَ الهيمنةِ الصهيونية، وجعلَ «النصرَ المطلقَ» الذي وعدَ به نتنياهو، أضحوكةً يتندرُ بها حتى «الإسرائيليون» أنفسُهم.
هاتف الغزاةِ يرن في ضيعة الجولاني الضائعة
في الجغرافيا السورية اليوم، تبدو الحكايةُ وكأنها كُتِبَت بيدِ كاتبِ سيناريو فاشل، يخلطُ بين «أكشن» المواجهاتِ الحدودية، و«دراما» التعييناتِ الحكومية. فبينما يغرقُ جيشُ الاحتلال في رمالِ «عابدين» و«تل كودنة»، يغرقُ «نظامُ الحكم» في دمشقَ في وحلِ التناقضات، مُقدماً عرضاً مسرحياً لا يليقُ إلا بكوميديا سوداء.
في «المنطقةِ العازلة» التي يحاولُ الاحتلالُ فرضَها، وقعت حادثةٌ تكفي لتلخيصِ مأساةِ «الجيشِ الذي لا يُقهر». جنديٌّ صهيوني يُضيّعُ هاتفَه العسكريَّ السريَّ وسطَ حشودِ الأطفالِ الذين يرجمون دبابةً بالحجارة! تخيلوا المشهد: قوةٌ مدججةٌ بالسلاحِ التكنولوجيِّ تفرُّ من أطفالٍ سلاحُهم الحَجَر، وتتركُ خلفَها أسرارَها غنيمةً لأهالي «عابدين»! مشهدٌ شاهده العالم آلاف المرات قبل ذلك.
«إسرائيلُ» اليومَ -التي تحتلُّ المرتفعاتِ وتسيطرُ على الممراتِ- تبدو في غرب «درعا» كمن يمسكُ بالجمر؛ تريدُ فرضَ نمطِ سيطرة دون احتلالٍ مباشر، وهي معادلةٌ مستحيلة. فالمدنيُّ الذي يرشقُ دوريةً بالحجرِ اليومَ ولا يجدُ رداً، هو نفسُه الذي سيحملُ مضادَّ الدروع غداً. إيال درور، الذي يعرفُ خفايا هذه الجبهة، يقرُّ بأنَّ هذه «منطقةٌ مغلقة» لا ترحم، وأنّ السوريين هناك يدركون أنَّ من كان بالأمسِ «محرراً» (بمنطقِهم) أصبحَ اليومَ محتلاً بامتياز.
في المقابل، يقفُ نظامُ الجولاني موقفَ المتفرجِ الحذر. فالجيشُ الذي لا يجدُ جاهزيةً للردِّ على توغلاتِ الاحتلال، يجدُ كاملَ جاهزيتِه وفائضَ قوتِه لهدمِ منازلِ السوريين في «المزرعة» و«الرقة»، بذريعةِ «تعدياتٍ قانونية»!
هنا تبرزُ المفارقةُ الصارخة: لماذا القانونُ يطبقُ على بيوتِ الفقراءِ والمظلومين فقط؟! ولماذا يصبحُ التعدي جريمةً حينَ يقومُ به مواطنٌ بسيط، بينما يصبحُ التوغلُ «الإسرائيلي» مجردَ حدثٍ لا يستدعي أكثر من بيانَ إدانةٍ خجول؟! إنَّ إحراقَ القرى وتدميرَ المنازلِ وتهجيرَ الناس، لا يغطي عجزَ النظامِ عن حمايةِ السيادة، بل يكرسُ صورته كسلطةٍ تبحثُ عن هيبتِها في جدرانِ بيوتِ المواطنين، لا في خنادقِ المواجهةِ مع العدو.
وإذا انتقلنا من الحدودِ إلى المركز، نجدُ سرياليةً من نوعٍ آخر. الجولاني، الذي نصبه ترامب وأردوغان والنتن، وكان بالأمسِ يحملُ بندقيةً (أو يتبنى عقيدةً «جهادية») كما كان يدعي، يقررُ اليومَ أنَّ «المجلسَ الانتقاليَّ» لا يكتملُ إلا بوجودِ ممثلةٍ مثل روزينا لاذقاني.
إن تعيينَ فنانةٍ في السلطةِ التشريعية ليس عنوان «انفتاحٍ ثقافي»، بل هو إعلانُ تحوّلٍ استعراضي. هو محاولةٌ بائسةٌ لإعادةِ تدويرِ الهويةِ السياسية للسلطة، لتتحولَ من «عباءةِ التشدد» إلى «أزياءِ الدراما». المثيرُ للتهكمِ ليس في كونِها ممثلةً، بل في فراغِ المعايير؛ إذ يتمُّ اختيارُ النوابِ بناءً على الحضورِ الجماهيري لا الرصانةِ الدستورية. إنَّ هذا المجلسَ -بهذه التعيينات- لا يحاكي برلماناً حقيقياً، بل يحاكي موقعَ تصويرٍ لمسلسلٍ جديد، بطلهُ الجولاني، والمخرجُ هو الضرورةُ السياسية.
سورية، التي كانت يوماً ما بوصلةً للمقاومة، تجدُ نفسَها اليومَ في منتصفِ لعبةِ توازنٍ خاسرة. الاحتلالُ يسرقُ أسرارَه (هواتفَه) في القرى، والنظامُ يسرقُ شرعيتَه من خلالِ تعييناتِ الدراما، والمواطنُ السوريُّ عالقٌ بين قذيفةِ العدو وهدمِ سلطةِ الداخل. لقد كان بإمكانِ سورية أن تبنيَ معادلةَ قوةٍ حقيقيةٍ منذ عامين؛ لكنَّ ضياعَ البوصلةِ السياسية، والارتهانَ لحساباتِ البقاءِ الفردي، جعلَ من الدولةِ -بكلِّ تاريخِها- مجردَ «ملفٍ» يتجاذبهُ الغزاةُ والكومبارس.
والسؤالُ الذي يطرحُه الشارعُ السوريُّ اليومَ بمرارة: هل ننتظرُ من «مجلسِ الممثلاتِ» أن يشرعنَ بقاءَ «هاتفِ المحتل» في جيوبِ أبنائِنا، أم سيفتش حتى جيوب الناس الأنفية بحثاً حتى عن «عطسة»!
لص بغداد ببدلةٍ رسمية
في مسرحِ العبث العراقي، لا تتوقفُ الحكايةُ عند حدودِ المنطق؛ ففي مشهدٍ يمزجُ بين (Breaking Bad) والواقعِ المرير، استيقظَ العراقيون على «صولةِ فجرٍ» -كما أطلق عليها علاء اللامي في «الأخبار» اللبنانية- لا تبحثُ عن استعادةِ الحقوق، بل ربما عن تجميلِ الواجهة. دباباتٌ تقتحمُ، وأموالٌ تُضبطُ (من أطقمِ ذهبٍ إلى ملياراتِ الدنانير)، والهدفُ الحقيقيُّ يبقى غائماً وسطَ ضجيجِ الفضائح.
عثرتِ السلطاتُ على ملابسَ داخليةٍ «من الذهبِ الخالص» في منازلِ نوابٍ ووكلاءِ وزارات. إنَّ هذه التفاصيلَ المستفزة ليست مجردَ زلّةٍ من فاسدين، بل هي «قنبلةٌ دخانية» بامتياز. بينما ينشغلُ الرأيُ العامُّ بالتهكمِ على الذهبِ الملبوس، يمررُ «رئيسُ الوزراءِ»، علي الزيدي، مشروعَه الحقيقيَّ: الاستيلاءُ على نفطِ العراقِ وتحويلُه إلى خزينةٍ أمريكية.
إنَّ صدمةَ الـ85 مليون دولار المدفونةِ تحت التبن، أو تريليوناتِ «سرقةِ القرن»، ليست سوى «إكراميةٍ» للنظامِ الذي لا يرى في الدولةِ إلا «مغارةَ علي بابا».
جوهرُ اللعبةِ ليس في اعتقالِ «السمكِ الصغير» أو حتى الحيتانِ المزعومة، بل في إعادةِ رسمِ خارطةِ السيطرةِ على النفطِ العراقي.
يقترح الزيدي صندوقاً «سيادياً» يُخزّنُ فيه النفطُ العراقيُّ على أرضِ العم سام، في وقتٍ تهربُ فيه الأممُ من الاستثمارِ في السنداتِ الأمريكية، يسعى هو لجعلِ ثروةِ العراقيين رهينةً بيدِ ترامب.
هذه المبادرةُ خرقٌ صارخٌ للمادة (111) من الدستور، وتفريطٌ صريحٌ بسيادةٍ دفعَ العراقيون ثمنَها دماءً.
لقد تحوّلَ النظامُ السياسيُّ في العراقِ إلى مؤسسةٍ لإدارةِ الفساد. المحاصصةُ ليست نظاماً للحكمِ فقط، بل هي عقدُ إيجارٍ للوطن.
«إنَّ صولةَ الفجرِ التي أطلقها الزيدي، لا تهدفُ إلى تنظيفِ الإسطبلاتِ من أوساخِ الفساد، بقدرِ ما تهدفُ إلى تصفيةِ الحساباتِ وتمريرِ أجنداتِ واشنطن، استعداداً لزيارةٍ مرتقبةٍ يُرادُ لها أن تكونَ وثيقةَ خضوعٍ جديدة» كما يستكشف اللامي.
وبينما يغرقُ المواطنُ في تفاصيلِ «الفسادِ البصري» (الذهب، الأموال، والفضائح)، تُسرقُ السيادةُ الحقيقية. العراقُ اليومَ نموذجٌ لسلطةِ الجباية التي لا تخافُ إلا من البرقِ الأمريكي.
إنَّ ما يحدثُ ليس معركةً ضد الفساد، بل هو ترميمٌ لبيتٍ آيلٍ للسقوط على رؤوسِ سكانه، لكي يظلَّ صالحاً لإيواءِ المحتل.
السؤالُ الملحُّ ليس عن «كم سرقوا؟»، بل «لماذا لا نزالُ نصمتُ عن سرقةِ المستقبل؟!». إنها ليست مجردَ أموالٍ منهوبة، بل هو تاريخٌ يُمحى، ومستقبلٌ يُباعُ في سوقِ النخاسةِ الدولية.
ولا تدعو بالرحمة لغير مارادونا
في عالمِ كرةِ القدمِ اليوم، لم تعدِ الملاعبُ مكاناً للموهبةِ فقط، بل باتت صالةَ عرضٍ لمشاريعِ الهيمنة، وتبييضِ سجلاتِ «الاستعمار»، ونهبِ جيوبِ الشعوبِ تحت اسم «الاستثمار». مونديال 2026 في أمريكا ليس مجردَ حدثٍ رياضي، بل هو احتفاليةٌ رأسمالية بامتياز، إذ تُمزجُ الكرةُ بالسياسةِ، ويُشترى الحظُّ بالشعوذة، وتُداسُ الكرامةُ تحتَ أقدامِ السوق.
يحدثنا الجميعُ عن «فصلِ الرياضةِ عن السياسة»، وهي أسطورةٌ يغسلُ بها الضعفاءُ أدمغتهم. فأين كان «الفيفا» حينَ حُظر المنتخبُ الروسيُّ بقرارٍ سياسيّ؟! وأين هي الأخلاقُ الرياضية ونحن نرى التضييقَ الأمنيَّ الممنهجَ على المنتخبِ الإيراني، وصولاً إلى التصريحاتِ العنصريةِ الفجةِ للمسؤولين الأمريكيين؟!
في المقابل، يطلُّ علينا خافيير ميلي، الرئيسُ الأرجنتينيُّ الذي يرتدي القلنسوةَ التلمودية في القدسِ المحتلةِ أكثرَ مما يرتدي قميصَ منتخبِ بلادِه، معلناً صهيونيتَه التي لا حدودَ لها. هنا، تدركُ أنَّ تشجيعَك للمنتخبِ ليس مجردَ ترفيه، بل هو إعلانُ انحياز لهويةٍ سياسيةٍ تتبنى الفكرَ الاستعماريَّ صراحةً. هل يحقُّ لنا أن نهتفَ لمن يمثلُ دولةً يقودها رئيسٌ يعتبرُ سقوطَ الكيانِ الصهيونيّ سقوطاً للغرب؟! التناغمُ بين ما نعشقهُ في الملاعبِ وبين ما نرفضُه في السياسةِ ليس ترفاً، بل هو محكُّ الهوية. فإن كان ولا بد ولم تستطع أن تلعن ميسي فلا تدعو بالرحمة لغير مارادونا.
في السياق ذاته وإن من زاوية أخرى، لا تخدعنكم شعاراتُ الـ»فيفا» حولَ صحةِ اللاعبين. تلك الاستراحاتُ التي تُقطعُ بها أنفاسُ المباراة، ليست سوى فتحاتٍ إعلانية دسمة: الخديعة هي أن تتوقفُ المباراةِ 3 دقائقِ بحجةِ الحرارة. أما الحقيقة فهي أن كلُّ ثانيةٍ من هذه الدقائقِ تُباعُ بمئاتِ الآلافِ من الدولارات.
إننا أمام نموذجِ عملٍ يحولُ اللعبةَ من شغفٍ إلى «ساعةِ توقيتٍ» تجارية. العائداتُ المتوقعةُ من هذه الاستراحاتِ وحدها تُقدرُ بمئاتِ الملايين. ببساطة: يبيعونكم الماءَ والهواءَ في ملعبٍ لا يحتاجُ إليهما، فقط ليرفعوا رصيدَ المعلنين.
وما زلنا ها هنا في محاولة الوقوف تحت مطر الحقيقة لا نشر مظلات الزيف فوق رؤوس لا تبتل. ففي تغطيةِ المجازرِ الصهيونية، تبرعُ الصحافةُ الغربيةُ في تجريدِ الجريمةِ من الفاعل. لنقرأ معاً نموذجاً للوقاحةِ المهنية:
«صاروخٌ في مقهى شاطئي بغزة يعثرُ على روادٍ كانوا يستعدون لمشاهدة كأس العالم».
هكذا، بكلمة «يعثرُ» (finds)، تحولُ الـ«نيويورك تايمز» الصاروخَ إلى كائنٍ ذكيٍّ اختارَ المقهى بنفسِه، وتتبخرُ طائرةُ الاحتلالِ وصانعُها! هذا ليس إعلاماً، بل هو سرديةُ القاتل الذي يغسلُ يديهِ بدمِ ضحاياه، ليقدمَ لنا جريمةً بدون مجرم.
في كتابِ (Red Card)، يكشفُ جولز بويكوف أنَّ الـ»فيفا» لم يعد اتحاداً رياضياً، بل «إمبراطوريةً عابرةً للحدود». لقد تحوّلَ المونديالُ إلى مشروعٍ تُدارُ فيه الدولُ بملفاتِ الفساد، وتُباعُ فيه السيادةُ الوطنيةُ مقابلَ حقِّ الاستضافة. لم يعدْ النجاحُ يُقاسُ بالأهدافِ، بل بحجمِ العقودِ مع الشركاتِ العابرةِ للقارات، وبقدرةِ النظامِ السياسيِّ على تجميلِ صورتِه عبرَ المستطيلِ الأخضر.
المال يحكم الكرة الأرضية كما يتحكم بكرة القدم؛ إلا أن خروجَ المنتخباتِ الخليجيةِ المتكررِ يُثبتُ حقيقةً مُرة: المالُ يبني الملاعبَ، لكنه لا يصنعُ روحَ البطل. عندما تحاولُ شراءَ كرةِ القدمِ كما تشتري نيمار أو رونالدو، فإنك تنسى أنَّ المنتخبَ يحتاجُ إلى عقليةِ شعبٍ لا إلى محفظةِ أموال. السعوديةُ وقطرُ تنفقانِ الملياراتِ وتخرجانِ بالطبل والمزمار الفضائحي، لأنَّ الاستثمارَ في البنيان شيء، والاستثمارَ في الإنسانِ والروح شيءٌ آخر.
أخيراً وليس آخراً: بينَ سَحَرةٍ يربطونَ أقدامَ اللاعبين، وأبراجٍ يتنبأُ بها المدربون، يغرقُ المونديالُ في خرافاتٍ تعكسُ ضياعَ البوصلةِ الذهنية. وبينما تُقدسُ هذه الطقوسُ لتجاوزِ عجزِ الإنسان أمامَ احتمالاتِ الكرة، يظلُّ السؤالُ: أليسَ من الأجدرِ بنا أن نؤمنَ بأنفسِنا، بدلاً من التبولِ في الملاعبِ أو وضعِ حباتِ الليمونِ لامتصاصِ الطاقةِ السلبية؟!
مونديال 2026 هو الفصلُ الأخيرُ في تحولِ كرةِ القدمِ إلى «أفيونٍ تجاري». إنه عالمٌ يُصادرُ فيه «الاستعمار» فرحتَك، ويبيعُك إياها إعلاناتٍ، ويطلبُ منك في النهايةِ أن تصفقَ للعبةٍ، صارَ فيها الحكمُ يرتدي زياً عسكرياً، وصارت فيها الكرامةُ خارجَ حساباتِ الربحِ والخسارة.
حالي وحامض وقُب
هنا، في هذا المربع المزدحم بالمتناقضات، لا شيء يبدو على حقيقته. تختلطُ الأوراقُ، وتتبدلُ الشعاراتُ، وتسقطُ الأقنعةُ في مسرحيةٍ عبثيةٍ بطلُها المالُ المدنس وضحيتُها الوعيُ الجمعي. إليكم جولةً في سِيركِ السياسةِ والإعلامِ لهذا الأسبوع، حيث «الحالي» مسموم، و«الحامض» فجّ، و«القُب» يدمي الشفاه.
لم يعد سراً أنَّ محورَ الاختلال العربي يشتري أمنه من سوقِ الاحتلال. تحقيقُ «هآرتس» الأخير لم يكشفْ جديداً سوى الفاتورة، إذ تضخُ الدوحةُ والرياضُ مئاتِ الملايين من الدولاراتِ في خزائنِ الصناعاتِ العسكريةِ «الإسرائيلية» (عبر واجهة «بوينغ») لتطوير مقاتلات الـ(F-15) وحمايةِ طائراتِ الشخصياتِ الحساسة. المفارقةُ الفجةُ أن «تل أبيب»، التي تقصفُ غزةَ وتهاجمُ الدوحةَ إعلامياً بحجةِ «رعاية الإرهاب»، هي ذاتها التي تبيعُ للأميرِ منظوماتِ الحمايةِ المضادةِ للصواريخ! هذا ليس تطبيعاً فحسب، بل هو ارتباطٌ عضوي يثبتُ أن حروبَ الميكروفوناتِ مجردُ قنابلِ دخانٍ، تغطي على صفقاتِ الغرفِ المغلقةِ التي لا تعترفُ إلا بعقيدةِ الدولار والتبعية.
بزلةِ لسانٍ تفضحُ النوايا. اعترف جي دي فانس بأنَّ الهدنةَ مع إيران ليست سوى تكتيكٍ لملءِ احتياطي النفطِ الاستراتيجيِّ الأمريكيِّ الناضب، وإعادةِ شحنِ مخازنِ الذخيرة. واشنطن لا تصنعُ السلام، بل تشتري الوقت لحربٍ قادمة. وفي الوقتِ ذاتِه الذي يُباعُ فيه الوهمُ للعالم، كان ترامب وعائلتُه يمارسون «الشفطَ المالي» بشراهة، محققين 2.5 مليار دولار من تجارةِ العملاتِ الرقمية، بفضلِ استثماراتِ دولِ الخليج (وعلى رأسهم طحنون بن زايد الذي اشترى نصف حصة ترامب بـ500 مليون دولار قبل أن تنهار العملة). كما يقولُ المثل: «المالُ السايب يعلم السرقة»، وفي حضرةِ «عمهم السام»، تصبحُ أموالُ الخليجِ «غنيمةً مشروعة» لمقاولِ البيتِ الأبيض.
في مسارِ الانحدارِ الأخلاقي، قدّمت قناةُ (MTV) اللبنانية، عبر برنامجها المسمى زوراً «مش مسرحية»، درساً في كيفيةِ تحويلِ الإعلامِ إلى ماخورٍ بصري. باقتطاعِ كلامِ شابةٍ من سياقِ مناظرةٍ أكاديميةٍ للترويجِ لـ«تشريع الدعارة السياحية»، أثبتت القناةُ أنَّ سعيها خلفَ «الترند» لا تحدهُ أيُّ معايير. البرنامجُ، الذي بدأ بتسويقِ التطبيعِ وتشويهِ المقاومة، انتهى بتقديمِ الشبابِ اللبنانيِّ كمسوخٍ بلا وعي. عندما تفشلُ في اختراقِ وعيِ الأمة بالسلاح، ترسلُ لهم شاشاتٍ تمارسُ الإسفافَ والفضائحيةَ لتدميرِ ما تبقى من مناعةٍ أخلاقية.
في غزة، لا يحتاجُ الموتُ إلى عدساتٍ لتوثيقِه؛ لكنَّ «العالمَ المتحضر» احتاجَ إلى تحقيقٍ هولنديٍّ نالَ «جائزةَ الصحافةِ الأوروبية» ليصدقَ أنَّ 114 طفلاً (بعضهم في الثالثةِ من عمره) لم يموتوا بشظايا طائشة، بل برصاصِ قناصةٍ «إسرائيليين» استهدفوا الرؤوسَ والصدورَ بدمٍ بارد. هذه ليست «أضراراً جانبية» كما يسوقُ الغرب، بل إعداماتٌ ميدانيةٌ تؤكدُ أنَّ الكيانَ الصهيونيَّ يمارسُ الإبادةَ كرياضةٍ يومية، وأن الرصاصةَ التي تخترقُ رأسَ طفلٍ غزيّ، تفرغُ ما تبقى من وهمِ «الإنسانيةِ الغربية» في أقربِ سلةِ مهملات.
في كوميديا سوداء مضحكةٍ ومبكية، تظهرُ شخصياتٌ محسوبةٌ على العشائرِ السورية (بنكهةٍ سلفيةٍ سعودية) تطالبُ بالزحفِ للقتالِ في اليمنِ تحت عناوينَ طائفيةٍ مقيتة! والمثيرُ للقرفِ أنَّ هذه الحناجرَ التي تصرخُ بشعاراتِ «الدمِ والعشيرة» للتدخلِ في اليمن، أُصيبت بالخرسِ التامِ والاحتلالُ الصهيونيُّ ينصبُ خياماً في «تل المغر» بريفِ درعا السوري! إنها ذاتُها البوصلةِ المضروبةِ التي توجهُ بنادقَ المرتزقةِ دائماً نحو صدرِ الشقيق، وتتحولُ إلى نعاماتٍ حين تلوحُ جرافاتُ المحتل.
لم يشهدِ التاريخُ انحداراً لمشروعٍ سياسيٍّ كما نشهدُ اليومَ فيما يسمى «مطارحِ الريان»! مرتزقةٌ بدؤوا حربهم قبلَ سنواتٍ تحت لافتةِ «الدفاعِ عن الصحابة»، ثم تدرجوا نحو «استعادةِ الشرعية»، ليهبطوا اليومَ بمظلاتهم القبليةِ نحو «استعادةِ ميرا»!
ميرا (التي تبيّن لاحقاً باعترافِ عائلةِ صدام حسين أنها مجردُ منتحلةٍ وكذابة) أصبحت أيقونةً يذرفُ عليها شيوخُ الارتزاقِ الدموعَ الغزيرة، في مشهدٍ سرياليٍّ يثبتُ أن الكفيلَ السعوديَّ يمتلكُ زراً للتحكمِ عن بُعد، يُشغّلُ به حناجرَ القبيلةِ متى أراد، وتحت إشرافٍ وهابي يمررُ مصطلحات «الروافض» من خلفِ الكواليس. يا له من هوانٍ! أن تبيعَ وطنكَ بحجةِ «الشرعية»، لينتهي بكَ المطافُ باحثاً عن بطولةٍ وهميةٍ في حضنِ «نصّابة»!










المصدر «لا» 21 السياسي