تجميد «خارطة الطريق» والمقاربة السعودية الغربية تجاه اليمن
- أنس القاضي الأحد , 5 يـولـيـو , 2026 الساعة 12:36:58 AM
- 0 تعليقات

أنس القاضي / لا ميديا -
أعادت السنوات التي أعقبت هدنة عام 2022م تشكيل الوضع العام في اليمن بصورة تدريجية، فقد انخفض مستوى المواجهات العسكرية، وتوسعت الاتصالات السياسية بين صنعاء والرياض، وتقدمت المفاوضات إلى أن أُعلن عن «خارطة الطريق» في أواخر عام 2023م باعتبارها إطاراً لمعالجة القضايا الرئيسة المرتبطة بالحرب، وفي مقدمتها صرف الرواتب، ورفع القيود عن الموانئ والمطارات، ومعالجة الملفات الاقتصادية والإنسانية، والانتقال إلى عملية سياسية يمنية شاملة، إلا أن هذا المسار توقف قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ، وقد مثلت «خارطة الطريق» نقطة تحول في مسار العدوان، ونقله إلى المجالات السياسية والاقتصادية والمؤسسية والأمنية.
المقاربة السعودية في مرحلة تجميد «خارطة الطريق»
بعد تجميد «خارطة الطريق»، اتجهت السياسة السعودية إلى إدارة المرحلة الجديدة دون العودة إلى العمليات العسكرية الواسعة، ودون الانتقال في الوقت نفسه إلى تنفيذ التسوية التي قامت عليها الخارطة، وأنتج ذلك مقاربة جمعت بين استمرار الانخراط السياسي، وتوسيع برامج الدعم الاقتصادي والمؤسسي لحكومة عدن، وتعزيز الحضور في المحافظات الشرقية، مع المحافظة على مستوى منخفض من التصعيد العسكري.
فقد فرض استمرار حالة خفض التصعيد واقعاً مختلفاً عن سنوات الحرب الأولى، وأتاح توجيه جزء أكبر من الموارد والجهود السعودية نحو المجالات القادرة على تحسين مواقع الحكومة العميلة في الداخل، مع الإبقاء على قنوات الاتصال السياسي مع صنعاء بطريقة غير مباشرة، دون أن تدفع نحو استئناف تنفيذ «خارطة الطريق» أو إعلان انهيارها بصورة رسمية.
وفي المقابل، شهدت هذه المرحلة توسعاً ملحوظاً في برامج الدعم الاقتصادي الموجهة إلى حكومة عدن العميلة؛ فقد استمرت السعودية في تمويل مشروعات الكهرباء، ودعم المالية العامة، والمساهمة في إعادة تأهيل عدد من المرافق الخدمية، كما واصلت دعم البنك المركزي في عدن، والمشاركة في البرامج الرامية إلى تحسين الاستقرار المالي والإداري، بالتوازي مع تنسيق متزايد مع المؤسسات المالية الدولية والدول الغربية الداعمة لهذه الإصلاحات.
كما اتجهت السعودية إلى تعزيز البنية المؤسسية والأمنية في مناطق سيطرة «حكومة عدن»، وشمل ذلك دعم برامج إعادة تنظيم «القوات الرسمية» وتلك التي كانت تتبع الإمارات والتابعة مباشرة للسعودية كـ»درع الوطن» و«قوات الطوارئ»، وتطوير بعض الأجهزة الأمنية بدمج جهازي «الأمن السياسي» و«الأمن القومي»، والمساهمة في بناء القدرات الإدارية والتنفيذية، بما يعزز قدرة المؤسسات الحكومية على إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها، ويمنحها دوراً أكبر في أي ترتيبات سياسية مقبلة.
واكتسبت المحافظات الشرقية أهمية خاصة في هذه المقاربة؛ فقد تعزز الحضور السعودي في شرق اليمن من قبل خروج الإمارات مطلع هذا العام 2026م وتعزز بعد خروجها، من خلال أدوات سياسية، وتنموية، وأمنية، ارتبطت بموقع حضرموت والمهرة في أمن الحدود، ومشروعات الطاقة، والمنافذ البرية، وخطوط النقل، إلى جانب السعي إلى المحافظة على توازنات محلية تحول دون نشوء ترتيبات قد تؤثر في المصالح السعودية داخل هذه المنطقة.
وترافقت هذه التحركات مع توسع التعاون السعودي مع الولايات المتحدة وبريطانيا والدول الغربية في الملفات المرتبطة بأمن البحر الأحمر (مؤتمر الأمن البحري سبتمبر 2025م)، وأمن الموانئ، وإعادة بناء قوات خفر السواحل، الأمر الذي منح المقاربة السعودية بعداً إقليمياً يربطها بصورة متزايدة بالترتيبات الأمنية الخاصة بالملاحة الدولية والممرات البحرية.
الأدوات الاقتصادية في المقاربة السعودية
بعد التجميد، اتجهت السعودية إلى توسيع استخدام الأدوات الاقتصادية بوصفها أحد المحاور الرئيسة في سياستها تجاه اليمن، بالتوازي مع استمرار الانخراط السياسي، وشمل هذا التوجه دعم الموازنة العامة، والإصلاحات المالية والإدارية، وتطوير البنية التحتية، وإعادة تأهيل الموانئ، وتنظيم القطاع المصرفي، بالتنسيق مع حكومة عدن العميلة، وبمشاركة متزايدة من الولايات المتحدة، والدول الأوروبية، والمؤسسات المالية الدولية.
وتصدر دعم الموازنة العامة هذه المقاربة؛ فقد واصلت السعودية دعم البنك المركزي في عدن، وتمويل عدد من الالتزامات الحكومية، والمساهمة في استقرار سعر الصرف، إلى جانب تمويل مشروعات الكهرباء والخدمات الأساسية، وتزامن ذلك مع برامج للإصلاح المالي والإداري استهدفت تطوير إدارة الموارد العامة، وتحسين إجراءات الإنفاق والتحصيل، ورفع كفاءة المؤسسات الحكومية، بدعم فني وتمويل من البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والاتحاد الأوروبي، والوكالة الألمانية للتعاون الدولي.
وامتد هذا المسار إلى تطوير البنية الاقتصادية والخدمية في مناطق سيطرة الحكومة العميلة، عبر العمل على إعادة تأهيل قطاعات الكهرباء، والطرق، والخدمات العامة، وتطوير موانئ عدن والمخا والمكلا، والمرافق اللوجستية المرتبطة بها، بالتوازي مع تحديث عدد من التشريعات الاقتصادية، وتعزيز الفرص الاستثمارية، وتطوير المناطق الحرة.
كما شمل القطاع المصرفي، حيث اتخذت حكومة العليمي إجراءات لإعادة تنظيم العلاقة بين البنوك والبنك المركزي، وتنظيم عمل البنوك وشركات الصرافة، في حين دعمت الولايات المتحدة هذه الإجراءات بتوسيع العقوبات على مؤسسات وأفراد مرتبطين بالقطاع المالي في صنعاء، إلى جانب إجراءات استهدفت حركة النقل وبعض الأنشطة التجارية، في إطار سياسة أمريكية هدفت إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على سلطة صنعاء بالتوازي مع دعم حكومة عدن.
وتزامن ذلك مع توسع التعاون بين حكومة العليمي والمؤسسات المالية والتنموية الدولية، عبر برامج للإصلاح الاقتصادي، والحوكمة المالية، وإدارة الموارد، وإعادة تأهيل البنية التحتية، إلى جانب إدماج المؤسسات الحكومية في برامج التمويل والتعاون الدولي، بما يعزز قدرتها على تنفيذ المشروعات وإدارة الموارد.
وتبين هذه الإجراءات أن المقاربة السعودية اعتمدت على حزمة مترابطة من الأدوات الاقتصادية، جمعت بين الدعم المالي، والإصلاح المؤسسي، وتطوير البنية التحتية، وإعادة تنظيم القطاع المصرفي، بالتوازي مع العقوبات والإجراءات الاقتصادية الأمريكية ضد صنعاء، وشكلت الإطار الاقتصادي الذي استندت إليه السياسة السعودية خلال مرحلة ما بعد تجميد «خارطة الطريق»، قبل الانتقال إلى الأدوات المؤسسية والعسكرية.
وفي طبيعة الحال لا نستطيع القول إن مختلف هذه السياسات الاقتصادية التنموية نُفذت تماماً أو اكتملت، لكنه توجه قائم والعمل فيه مستمر مع وجود تعثرات مختلفة.
الأدوات العسكرية والأمنية في المقاربة السعودية
بعد تجميد «خارطة الطريق»، اتجهت السعودية إلى إعادة هيكلة المنظومة العسكرية والأمنية التابعة للمرتزقة، بالتوازي مع استمرار الدعم الاقتصادي والسياسي، وانصبت هذه المقاربة على إعادة توزيع القوة داخل التشكيلات العسكرية، وإعادة تنظيم الأجهزة الأمنية والاستخبارية، ورفع جاهزية القوات، وتعزيز قدراتها الفنية والعملياتية، بمشاركة مباشرة من الولايات المتحدة وبريطانيا وعدد من الشركاء الدوليين.
وعلى المستوى العسكري، دعمت السعودية إعادة تنظيم القوى العسكرية المتحالفة معها، وعززت حضورها داخل المؤسسة العسكرية من خلال توسيع وتسليح «قوات درع الوطن» حتى أصبحت إحدى أكبر التشكيلات العسكرية في المحافظات الجنوبية، كما دعمت تشكيل «قوات الطوارئ» ذات الطابع السلفي في العبر وحدود صعدة، وشهدت مطلع عام 2026م إعادة تشكيل موازين القوى داخل معسكر «الحكومة»، تمثلت في احتواء التشكيلات التابعة لـ«المجلس الانتقالي» وإعادة تنظيمها تحت قيادة عبدالرحمن المحرمي، إلى جانب انتقال رعاية قوات طارق صالح من الإمارات إلى السعودية.
وامتد هذا المسار إلى الأجهزة الأمنية، حيث شهدت وزارة الداخلية إعادة تنظيم عدد من التشكيلات التابعة لـ«المجلس الانتقالي»، وفي مقدمتها «قوات الأحزمة الأمنية»، التي جرى تحويلها إلى قوات الأمن الوطني وإلحاقها بقيادة عبد الرحمن المحرمي، في إطار إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، كما تواصلت برامج التدريب والتأهيل في مجالات أمن المطارات، وأمن الموانئ، وحماية المنشآت الحيوية، بينما حظي خفر السواحل باهتمام خاص من بريطانيا، شمل برامج تدريب وتسليح وتطوير القدرات، في ضوء تنامي الاهتمام الغربي بأمن البحر الأحمر وخليج عدن.
وفي الجانب الاستخباري، شهدت هذه المرحلة إعادة هيكلة المنظومة الاستخبارية عبر دمج جهازي «الأمن القومي» و«الأمن السياسي» والكيانات الاستخبارية الأخرى التابعة لـ«المجلس الانتقالي» و»حراس الجمهورية» و«قوات العمالقة»، في جهاز جديد «الجهاز المركزي لأمن الدولة»، بالتوازي مع إعادة تنظيم هيئة الاستخبارات والاستطلاع، وإجراء تغييرات في عدد من القيادات، واستمرار برامج التدريب والتأهيل، وتوسيع التعاون مع الولايات المتحدة وبريطانيا في مجالات الاستخبارات، وأمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، وأمن الملاحة، كما تكررت اجتماعات قيادات وزارة الدفاع وهيئة الاستخبارات والمناطق العسكرية لمراجعة مستوى الجاهزية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية.
وترافقت هذه الإجراءات مع استمرار برامج التدريب العسكري، وتطوير منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات والتخطيط العملياتي، بما يعني انتقال الدعم السعودي والغربي من التركيز على إنشاء التشكيلات المسلحة إلى إعادة تنظيمها، وربطها بهياكل قيادة أكثر مركزية، وتعزيز التنسيق بين القوات المسلحة، والأجهزة الأمنية، والاستخبارات، وخفر السواحل، ووحدات حماية المنشآت والمنافذ.
دلالات التحول في مسار الصراع
تكشف المسارات التي تناولتها هذه الورقة أن تجميد «خارطة الطريق» لم يؤد إلى تجميد الصراع، وإنما غيّر المجال الذي يدور داخله؛ فقد بقيت الأهداف السياسية والاستراتيجية للأطراف الرئيسة حاضرة، بينما انتقلت أدوات التأثير بصورة متزايدة من المواجهة العسكرية المباشرة إلى مجالات السياسة، والاقتصاد، وبناء المؤسسات، وإعادة تنظيم القوى العسكرية والأمنية، وبهذا المعنى، لم تتوقف عملية مراكمة القوة في محاولة الإطاحة بصنعاء، بل تغيرت الوسائل التي تُبنى من خلالها.
أتاحت مرحلة خفض التصعيد للسعودية إعادة ترتيب أدواتها استعداداً لمرحلة لاحقة، أكثر مما مثلت انتقالاً نحو تسوية نهائية؛ فاستمرت عملية بناء القدرات، وإعادة تنظيم المؤسسات، وتعزيز الحلفاء، وتوسيع شبكات الدعم الإقليمي والدولي، وأصبحت هذه المسارات تسير بصورة متوازية، بحيث لم يعد المسار السياسي منفصلاً عن بقية المسارات، بل تحول إلى الإطار الذي تتحرك داخله.
كما تكشف هذه المرحلة عن تغير في أولويات مراكمة القوة؛ فقد أصبحت القدرة على إدارة الموارد، وبناء مؤسسات أكثر فاعلية، وإعادة تنظيم الأجهزة العسكرية والأمنية، واستقطاب الدعم الخارجي، عناصر لا تقل أهمية عن السيطرة الميدانية، وأدى ذلك إلى انتقال تدريجي من التركيز على توسيع نطاق السيطرة العسكرية إلى تحسين قدرة كل طرف على إدارة المجال الخاضع لنفوذه، وتهيئته سياسياً واقتصادياً وأمنياً لأي استحقاقات مستقبلية.
وفي الوقت نفسه، أظهرت هذه التحولات أن القوى الإقليمية والدولية أصبحت أكثر حضوراً في تعديل موازين القوى في اليمن وتشكيل مسارات التنافس والصراع بين صنعاء وعدن؛ فلم تعد أدوار القوى الخارجية تقتصر على الدعم العسكري أو الوساطة السياسية، بل امتدت إلى مجالات التمويل، والإصلاحات الاقتصادية، وبناء المؤسسات، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية، وهو ما جعل تطور الأوضاع الداخلية يرتبط بصورة متزايدة بالسياسات الإقليمية والدولية تجاه اليمن.
الاتجاه العام
تشير المعطيات إلى أن النشاط السعودي والغربي في اليمن يتجه نحو ترسيخ نموذج طويل الأمد لدعم الحكومة العميلة، يقوم على تكامل الأدوات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، بهدف تعزيز قدرة المؤسسات القائمة في مناطق سيطرتها، ورفع مستوى تماسكها، وتوسيع حضورها في المحافظات ذات الأهمية الاستراتيجية.
وتوحي المؤشرات الحالية باستمرار هذا المسار خلال المدى المنظور، عبر استكمال إعادة تنظيم القوى العسكرية والأمنية، وتوسيع برامج بناء القدرات، وربطها بالدعم الاقتصادي والمالي الذي توفره السعودية والقوى الغربية والمؤسسات المالية والتنموية الدولية، بالتوازي مع تطوير البنية التحتية، والقطاع المصرفي، والموانئ، واستمرار الضغوط الاقتصادية على صنعاء.
كما تشير التطورات الإقليمية إلى ازدياد ارتباط هذه المقاربة بالترتيبات الأمنية في البحر الأحمر ومنطقة الخليج، الأمر الذي يرجح استمرار برامج تطوير خفر السواحل، والأجهزة الاستخبارية، وأمن الموانئ والمنافذ، بوصفها جزءاً من منظومة اقليمية أوسع للسيطرة على الممرات البحرية وتعزيز الحضور الأمني في المنطقة.
وتدفع هذه المؤشرات إلى ترجيح استمرار المقاربة السعودية الغربية بالاتجاه نفسه، مع توسيع أدوات بناء النفوذ، والمحافظة على بيئة خفض التصعيد، والإبقاء على قنوات الاتصال السياسية في حدودها التي تضمن استمرار هذا المسار، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة.
ومع ذلك فإن بيان القوات المسلحة اليمنية في 3 يوليو/ تموز 2026، وقبله خطاب قائد الثورة في رأس السنة الهجرية، وما تلاه من بيان لقوات التعبئة العامة، تشير إلى أن صنعاء ترفض بقاء هذا الواقع، وتدفع نحو تغيره وسوف تستخدم القوة العسكرية إذا تطلب الأمر ذلك واستمر الجمود السياسي.










المصدر أنس القاضي
زيارة جميع مقالات: أنس القاضي