تقرير / لا ميديا -
تسيطر حالة من الهدوء الحذر على المنطقة في اليوم التاسع والثلاثين لتوقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، وبعد مرور مائة وثمانية وأربعين يوماً على بدء العدوان على إيران؛ إذ توقفت الغارات الجوية العدوانية الأمريكية ضد الأراضي الإيرانية لليوم الثاني على التوالي، مترافقة مع تعليق القوات المسلحة الإيرانية لضرباتها الانتقامية ضد القواعد والمصالح الأمريكية بالمنطقة.
ولم يكن هذا التوقف وليد إرادة سياسية أمريكية بقدر ما كان إقراراً ضمنياً بتحول كفة التوازن الميداني لغير صالح واشنطن، وتأكيداً حازماً على منطق «الرد بالمثل» الذي فرضته الجمهورية الإسلامية كمعادلة ناظمة للنزاع.
وأعلن المتحدث باسم الجيش الإيراني، العميد محمد أكرمي نيا، أمس، الأبعاد الميدانية للتوقف الراهن؛ مبيناً أن المبادرة الأمريكية بوقف الغارات الجوية خلال الليلتين الماضيتين قابلتها طهران بتعليق عملياتها الانتقامية، انطلاقاً من استراتيجية ثابتة ترتكز على المعاملة بالمثل.
وحذر أكرمي نيا من أن هذه التهدئة المؤقتة تظل مرهونة بالمسلك الأمريكي؛ إذ إن أي استئناف للعدوان سيفجر موجة جديدة وأشد ضراوة من الردود، تضمن توسيع نطاق الحرب وتكريس الهزيمة العسكرية لواشنطن.
تزامن هذا التطور مع كشف موقع «أكسيوس» الأمريكي ووسائل إعلام غربية و«إسرائيلية» عن خفايا القرار الأمريكي؛ إذ أمر الرئيس دونالد ترامب بوقف الحملة العسكرية عقب نحو أسبوعين من الضربات اليومية غير المجدية.
وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» وشبكة «سي إن إن» وقناة (12) التابعة للاحتلال بأن مخاوف عميقة سادت أروقة الإدارة الأمريكية، بقيادة نائب الرئيس جيه دي فانس ورئيس هيئة الأركان دان كين، حيال النزيف الحاد والاستنزاف الخطير في مخزونات صواريخ «باتريوت» وذخائر الدفاع الجوي في المنطقة.
هذه الفجوة التسليحية أجبرت واشنطن على الفرملة اضطرارياً، والرضوخ لمسار التفاوض عبر وفد سلطنة عمان الذي حط في طهران لبحث ترتيبات الملاحة.

إيران تعلن جاهزية عسكرية متقدمة
وعكست تصريحات المتحدث باسم الجيش الإيراني الجاهزية العالية للقوات المسلحة؛ إذ أعلن خروج أجزاء واسعة من القواعد الأمريكية عن الخدمة نتيجة الضربات الإيرانية المركزة على مراكز الرادار والدعم، لا سيما في قاعدة أربيل بالعراق التي دُمرت بنيتها التحتية بالكامل.
كما كشف أكرمي نيا عن إدخال مسيرات انقضاضية جديدة ومتطورة من طراز «آرش 2» إلى الخدمة، تتميز بقدرات تدميرية هائلة ومدى أوسع ودقة غير مسبوقة، بالتوازي مع نجاح الكوادر الإيرانية في ترميم المعدات المتضررة وتعزيز تحصين المجال الجوي للبلاد بصورة أكثر كفاءة مما كانت عليه قبل أربعين يوماً.
وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم الحرس الثوري، العميد حسين محبي، أن القوات المسلحة لا تكتفي بفرض سيادتها على مضيق هرمز، بل تواصل إحباط المخططات الأمريكية والصهيونية على المحاور كافة. وأعلن محبي توسيع نطاق العمليات العسكرية في شمال غرب البلاد للقضاء على المجموعات الانفصالية المعادية للثورة في مهدها، مشيراً إلى أن الحرس الثوري وجه ضربات قاضية للمجموعات التخريبية المتمركزة في أربيل، والتي اعترف ترامب بتزويدها بالأسلحة لتنفيذ هجمات برية تخريبية.

مضيق هرمز: فرض الإرادة والردع للمخالفين
على صعيد الأمن المائي والملاحة البحرية، أثبتت الجمهورية الإسلامية عدم سماحها بفرض أي هيمنة أمريكية على مياهها الإقليمية أو مضيق هرمز.
وبينما أعلنت وزارة الخارجية عن محادثات مكثفة ومثمرة مع الوفد العماني لتحديد الآليات التشغيلية للعبور الآمن وفق المبادئ الإيرانية، أفاد التلفزيون الإيراني بتوقيف ست سفن مخالفة خلال أربع وعشرين ساعة استجابة لتعليمات القوات المسلحة.
وفي تحذير عملي صريح لكل من يتجاوز التعليمات الإيرانية، شهد المضيق انفجار ناقلة نفط عقب خروجها عن المسار الملاحي المعتمد من طهران واصطدامها بلغم بحري؛ ليؤكد مصدر إيراني لوكالة «مهر» أن طهران حذرت مراراً من أن التمرد على مسارات الملاحة المعلنة يحمل أصحابه المسؤولية الكاملة عن التبعات. وفي الوقت ذاته، شدد نائب وزير الخارجية الإيراني على أن طهران ملتزمة بالدبلوماسية وتضمن سلامة الإبحار، لكنها لن تتراجع عن ترتيباتها الأمنية التي تقيد الغطرسة الأمريكية.

إيران تحذر بريطانيا وتجهز بنك أهداف لـ»إسرائيل»
وعلى ضفة أخرى من المعركة، وجه الحرس الثوري تحذيرات صريحة للدول المشاركة في العدوان على إيران؛ حيث صرح المتحدث باسم الحرس بأن بريطانيا ستكون «هدفا مشروعاً» للقوات الإيرانية عقب استخدام القاذفات الأمريكية (B-1) للمطارات البريطانية.
وواكبت هذه التحذيرات رسائل شديدة اللهجة لأي دولة في الخليج تقدم تسهيلات لواشنطن، إلى جانب إعداد بنك أهداف متكامل ودقيق داخل العمق الصهيوني سيفعل فوراً إذا انخرط الكيان في أي مغامرة عسكرية جديدة مع واشنطن، محذراً إياها من «بلاء عظيم» لن تطيقه.
وفي سياق متصل، كشف وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، عن أبعاد مؤامرة جديدة تقودها «إسرائيل» عبر أداة أوكرانية؛ حیث أدان بشدة الهجوم الذي شنته القوات العسكرية التابعة لنظام زيلينسكي على سفينة تجارية إيرانية في بحر قزوين.
وقال عراقجي إن زيلنسكي هاجم سفينة تجارية إيرانية بإيعاز من «إسرائيل»، لجرّ أوروبا إلى الحرب.
وأكد عراقجي أن زيلينسكي بهذه العملية العدوانية ينفذ توجيهات صهيونية لجر أوروبا إلى أتون الصراع، مشدداً في اتصالاته مع مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي ونظيره الروسي على أن هذا الاعتداء القرصني على الأصول الإيرانية لن يمر دون رد.

التستر الأمريكي وسقوط استراتيجية الحرب المفتوحة
وعلى الطرف الأمريكي، تفاقم المأزق الداخلي عقب اتهامات وجهتها صحيفة «الغارديان» لوزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) بممارسة تعتيم متعمد وحجب المعلومات المتعلقة بالحجم الحقيقي للخسائر البشرية المرتفعة بين الجنود الأمريكيين. هذه الاتهامات تتطابق مع التحليلات الإيرانية التي تؤكد إفلاس واشنطن وانعدام تخطيطها الاستراتيجي للخروج من المستنقع.
ويخلص التقييم الميداني، على لسان قيادات الجيش والحرس الثوري، إلى أن الولايات المتحدة وصلت إلى مرحلة العجز الكامل؛ فلا هي قادرة على فرض إرادتها عبر العدوان، ولا هي تملك رؤية للإنهاء أو الاستمرار.
وأثبتت الأيام الـ148 من الحرب أن القيادة الإيرانية، عبر تطوير سلاحها وفرض شروطها في هرمز ودك القواعد الأمريكية، هي الطرف الذي يحدد شكل التوازنات المقبولة، مرغمة واشنطن وحلفاءها على إعادة حساباتهم تحت تهديد نيران لا ترحم.