سَدَنَةُ الرَّمَاد
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
هؤلاء هم العدو؛ ولا شيء أخطر من هذا الصنف من الأعداء!
إنَّهُ يَتَّخِذُ المُقَدَّسَ سُلَّمًا لِلْمُدَنَّس.
يَنْتَزِعُ الآيَةَ مِنْ عَلْيَائِهَا لِيَرْفُوَ بِهَا ثَوْبَ الطَّاغِيَةِ، وَيَنْتَزِعُ الحَدِيثَ عَنْ الرَّحْمَةِ لِيَصْقُلَ بِهِ سَوْطَ الجَلَّادِ، وَيَسْتَعِيرُ اسْمَ اللهِ لِيَخْنُقَ بِهِ صَوْتَ الجَائِعِ.
إذَا جَاعَ الفَقِيرُ قَالَ: هَذَا ابْتِلَاءٌ، وَإِذَا انْكَسَرَ المَظْلُومُ قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ، وَإِذَا أُرِيقَ دَمُ الحَالِمِ قَالَ: لِحِكْمَةٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ.
فَهُوَ لَا يَشْرَحُ الوَاقِعَ، بَلْ يُخَدِّرُهُ، وَلَا يُغَيِّرُ البُؤْسَ، بَلْ يُطَبِّعُهُ، وَلَا يَرُدُّ القَمْعَ، بَلْ يُشَرْعِنُهُ.
وَكَانَ حَرِيًّا بِهِ أَنْ يَكُونَ صَوْتَ المَظْلُومِ، فَإِذَا بِهِ الصَّوْتُ الذِي يُخْرِسُ المَظْلُومِينَ، وَكَانَ حَرِيًّا بِهِ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ النَّاسِ، فَإِذَا بِهِ سَوْطٌ فِي يَدِ مَنْ يَمْلِكُ النَّاسَ.
وَلَيْسَتِ العِلَّةُ فِي الدِّينِ، فَالدِّينُ أَرْحَبُ مِنْ تصوراته الجامدة، إِنَّمَا العِلَّةُ فِي مَنِ احْتَكَرَ تَأْوِيلَهُ، وَتَوَهَّمَ أَنَّ مَفَاتِيحَ الغَيْبِ فِي جَيْبِ جِلْبَابِهِ.
هُوَ كَائِنٌ خَارِجَ الزَّمَنِ، يَسْكُنُ المَاضِيَ وَيَجُرُّ الحَاضِرَ إِلَيْهِ جَرًّا، يَنْطِقُ بِلَهْجَةِ اليَقِينِ المُطْلَقِ، وَيَنْظُرُ بِعَيْنِ الاسْتِعْلَاءِ، كَأَنَّ الوَحْيَ لَا يَهْبِطُ إِلَّا عَلَى لِسَانِهِ، وَكَأَنَّ اللهَ لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِوَكَالَةٍ مِنْهُ.
وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ تَحْرِيرَ الفِكْرِ الدِّينِيِّ لَا يَبْدَأُ بِتَجْدِيدِ النَّصِّ، بَلْ بِكَسْرِ احْتِكَارِ تَفْسِيرِ النَّصِّ، وَسَحْبِ البِسَاطِ مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِ مَنْ يَرَى فِي التَّطَوُّرِ تَهْدِيدًا لِمَكَانَتِهِ، لَا فُرْصَةً لِفَهْمٍ أَعْمَقَ.
هُوَ لَيْسَ مُشَوَّشَ العَقْلِ فَحَسْبُ، بَلْ أَسِيرُ عَالَمِهِ الدَّاخِلِيِّ، عَاجِزٌ عَنِ الانْفِتَاحِ عَلَى الآخَرِ، عَلَى المُخْتَلِفِ، عَلَى المُتَجَدِّدِ، عَلَى الإِنْسَانِ الذِي لَا يُشْبِهُهُ.
هُوَ حَارِسُ قَبْرٍ، يَحْرُسُ بَقَايَا أَفْكَارٍ مَاتَتْ مُنْذُ قُرُونٍ، وَيَرْفُضُ أَنْ يَقْرَأَ شَاهِدَةَ القَبْرِ، فِي رَمَادِ المَقَابِرِ القَدِيمَةِ لَا شَيْءَ يُبْعَثُ مِنْ جَدِيدٍ، لَكِنَّهُ لَا يَكُفُّ عَنِ الحَفْرِ، لَا يَبْحَثُ عَنِ الحَقِيقَةِ، بَلْ عَنِ المَاضِي، عَنِ المَاضِي وَحْدَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَعِيشُ خَارِجَهُ.

أترك تعليقاً

التعليقات